السودان: الخراب الذي يرتدي ربطة عنق

حاتم أيوب أبو الحسن

حاتم أيوب أبوالحسن

في السودان، لا تنتهي الحروب لأنها أصلًا لم تبدأ بطريقة واضحة.

هي فقط تغيّر ملابسها، وتبدّل شعاراتها، ثم تعود إلى المسرح نفسه بوجوه أكثر تعبًا وخطابات أكثر ضجيجًا.

كل جيل سوداني ظنّ أنه آخر جيل سيدفع فاتورة الفشل الوطني، ثم اكتشف — بسخرية قاسية — أنه مجرد قسط جديد في ديون دولة لم تحسم حتى الآن سؤالها الأساسي:

هل تريد أن تكون وطنًا… أم مجرد سلطة؟

المشهد السوداني اليوم يبدو كاجتماع طويل بين أشباح:

جنرالات يبحثون عن دولة داخل البندقية،

وسياسيون يبحثون عن شعب داخل البيانات،

ونخب قديمة ترتدي ربطة عنق الدولة بينما تدير الخراب بعقلية الغنيمة، وكأن الكارثة مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها بإعادة تدوير الوجوه نفسها تحت لافتات جديدة.

في السودان، حتى الفشل له مؤسسات عريقة.

الحرب لم تدمّر المدن فقط؛ بل دمّرت الفكرة نفسها:

فكرة أن السودان يمكن أن يكون وطنًا يتساوى فيه الناس، لا مزرعة مركز يوزّع الوطنية بالتقسيط ويحتكر تعريف الدولة والمواطنة والولاء.

لسنوات طويلة، تعامل المركز السياسي مع البلاد كما يتعامل مالك قديم مع عقار متصدع:

يرمم الواجهة،

ويترك الأساسات تنهار بصمت.

وعندما اشتعلت الأطراف، لم يسأل:

“لماذا يغضب الناس؟”

بل سأل:

“كيف نمنع صوت الغضب من الوصول إلى العاصمة؟”

لكن النار هذه المرة لم تبقَ بعيدة.

وصلت الحرب إلى قلب المدن،

إلى البيوت،

إلى تفاصيل الحياة اليومية،

حتى صار المواطن السوداني يقيس الاستقرار بعدد الساعات التي لم يسمع فيها انفجارًا أو خبر نزوح جديد.

ورغم ذلك، لا تزال أجزاء واسعة من الطبقة السياسية تتحدث باللغة القديمة نفسها:

لغة المؤتمرات،

والتحالفات المؤقتة،

والبيانات التي تُكتب كأن البلاد ليست على حافة انهيار شامل.

بعض قوى الماضي تتصرف كأن الشعب فقد ذاكرته، وأن بإمكانها العودة عبر بوابة “الخوف من البديل”.

أما بعض القوى الجديدة، فقد وقعت في الفخ نفسه:

إعادة إنتاج السلوك السياسي القديم، لكن بشعارات أحدث وصور أوضح وعبارات أكثر ثورية.

لقد تحوّل جزء من العمل السياسي السوداني إلى مصنع ضخم لإعادة التدوير:

تأخذ الاستبداد،

تضيف إليه مفردات الحرية،

ثم تعيده للسوق باعتباره مشروعًا وطنيًا جديدًا.

النتيجة؟

بلاد معلقة بين نخبة قديمة تعرف كيف تُفسد،

ونخبة جديدة لم تتعلم بعد كيف تبني.

وفي منتصف هذا المشهد، يُترك المواطن وحيدًا:

يحمل الماء،

ويبحث عن الدواء،

ويهرب من الرصاص،

ثم يسمع مساءً محللين يتحدثون عن “المرحلة التاريخية الدقيقة”، وكأن الناس يعيشون داخل ندوة سياسية لا داخل كارثة مفتوحة.

الأسوأ أن الحرب لم تعد مجرد معركة سلاح؛

بل أصبحت معركة كراهية وروايات متصارعة.

كل طرف يحاول إقناع الناس أن خصمه ليس منافسًا سياسيًا، بل خطأ بشري يجب محوه.

وهكذا تتحول القبيلة إلى خندق،

والمدينة إلى هوية قتالية،

والسياسة إلى سوق مفتوح للثأر الجماعي.

وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح الخطر الحقيقي ليس سقوط الدولة فقط، بل سقوط المعنى المشترك للحياة نفسها.

أخطر ما يحدث الآن ليس تقسيم الأرض وحده، بل تقسيم الوعي ذاته:

أن يبدأ السوداني في تخيل نجاته بعيدًا عن السودان، لا داخله.

ومع ذلك، وسط هذا الركام، تظل هناك حقيقة عنيدة:

لا أحد قادر على حكم السودان وحده،

ولا أحد قادر على إلغاء الآخرين بالكامل.

هذه البلاد أكبر من مشاريع الهيمنة،

وأعقد من أحلام السيطرة السريعة،

وأوسع من أي مركز يريد احتكار الهواء والقرار والتاريخ.

ولهذا، مهما طال الخراب، فإن السودان في النهاية لن يخرج إلا نحو صيغة جديدة:

دولة أقل غرورًا،

وأقل مركزية،

وأقل تقديسًا للحاكم والسلاح.

لكن الوصول إلى ذلك لن يحدث عبر الخطب الرنانة، ولا عبر البنادق، ولا عبر السياسي الذي يحفظ مفردات الديمقراطية أكثر مما يفهم المجتمع نفسه.

بل يبدأ يوم يدرك الجميع حقيقة بسيطة ومؤلمة:

أن السودان لن ينجو إذا استمرت السياسة باعتبارها معركة للغلبة، لا مسؤولية للبقاء.

فالحرية ليست بيانًا،

والعدالة ليست هاشتاق،

والسلام ليس صورة توقيع أمام الكاميرات.

هذه الأشياء تصبح حقيقية فقط عندما يشعر المواطن أن حياته ليست أرخص مادة في السوق السياسي.

وربما هنا تكمن السخرية الكبرى:

بعد كل هذا الدم،

وكل هذا الخراب،

وكل هذا الصراع على السلطة…

قد يكتشف السودانيون أن أعظم أحلامهم لم يكن مشروعًا مستحيلًا ولا نظرية معقدة،

بل مجرد وطن عادي.

Exit mobile version