الكرة تنتصر على الحرب..  الجماهير تعود إلى ملاعب الخرطوم وسط الدمار والرصاص 

تقرير – فرانس برس 

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي مزّقت العاصمة السودانية الخرطوم، عادت كرة القدم مجدداً إلى الملاعب التي أنهكتها المعارك، في مشهد حمل الكثير من الرمزية والأمل لجمهور عاش واحدة من أقسى الفترات في تاريخ البلاد. فقد شهد يوم الجمعة إقامة أولى مباريات الدوري السوداني الممتاز داخل العاصمة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على محاولة استعادة الحياة الطبيعية رغم الدمار الواسع الذي لا يزال يحيط بالمدينة.

وأقيمت المباراة الافتتاحية على ملعب كوبر بمدينة الخرطوم بحري، بينما استضافت مدينة أم درمان مباراة أخرى في التوقيت نفسه، وسط حضور جماهيري لافت تحدى ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت نحو 42 درجة مئوية، إضافة إلى الظروف الأمنية والخدمية الصعبة التي تعيشها العاصمة. وشهد ملعب كوبر فوز المريخ العاصمي على الأهلي ود مدني بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف، في لقاء أعاد الحماس إلى المدرجات السودانية بعد غياب طويل فرضته الحرب.

ورغم عودة النشاط الكروي، فإن آثار الصراع كانت حاضرة بقوة في المشهد. فالطرق المحيطة بالملعب بدت مليئة بالسيارات المحترقة، بينما حملت الجدران آثار الرصاص والشظايا، في صورة تختصر حجم الدمار الذي تعرضت له الخرطوم خلال الأشهر الماضية. كما ظهرت المدرجات في حالة متدهورة، إذ أصبحت أجزاء منها غير صالحة للاستخدام، ما اضطر عدداً كبيراً من الجماهير إلى متابعة المباراة وقوفاً طوال زمن اللقاء. أما مقاعد البدلاء فبدت متواضعة للغاية، حيث اقتصر تجهيزها على كراسٍ بلاستيكية تفصلها أسلاك عن الجماهير.

وعبّر عدد من المشجعين عن سعادتهم الكبيرة بعودة كرة القدم، معتبرين أن المباريات تمثل متنفساً نادراً وسط أجواء الحرب والضغوط النفسية التي عاشها السودانيون. وقال أحد مشجعي المريخ إنهم لم يشاهدوا فريقهم يلعب داخل الخرطوم منذ ثلاث سنوات، واصفاً اللحظة بالتاريخية. كما حضر مشجعون من ولايات بعيدة، بينهم أنصار للأهلي ود مدني قطعوا مئات الكيلومترات فقط لمتابعة فرقهم من المدرجات، في مشهد عكس حجم الشغف الكروي الذي لا تزال تحتفظ به الجماهير السودانية رغم الحرب والنزوح.

ويرى مسؤولون رياضيون أن عودة الدوري تحمل أبعاداً اجتماعية ووطنية مهمة، خاصة في ظل حالة الانقسام والدمار التي خلفتها الحرب. وأكد مسؤولون بنادي الأهلي ود مدني أن الرياضة يمكن أن تلعب دوراً في نشر السلام وإعادة الروابط الاجتماعية بين السودانيين، باعتبار أن كرة القدم ظلت دائماً واحدة من أكثر الأنشطة القادرة على توحيد المجتمع.

وكانت الحرب قد أوقفت عملياً النشاط الرياضي المحلي في السودان، وأجبرت ناديي الهلال والمريخ، وهما أكبر الأندية السودانية، على خوض مبارياتهما خارج البلاد. فقد شارك الهلال والمريخ في الدوري الموريتاني، ومن ثم في رواندا خلال فترة النزاع، في محاولة للحفاظ على جاهزية الفريقين واستمرار مشاركتهما القارية. ونجح الهلال مؤخراً في التتويج بلقب الدوري الرواندي الممتاز، في إنجاز لافت يعكس قدرة الأندية السودانية على التكيف مع الظروف الاستثنائية.

وفي ظل استمرار التحديات الأمنية، لجأ الاتحاد السوداني لكرة القدم إلى تنظيم دوري النخبة الحالي بنظام مختصر يضم ثمانية أندية فقط تتنافس على مدى سبعة أسابيع، من أجل تحديد الفرق المتأهلة للمسابقات الأفريقية. كما اختيرت بعض الولايات الأكثر استقراراً لاستضافة أجزاء من المنافسات خلال الفترات الماضية، قبل أن تعود المباريات تدريجياً إلى الخرطوم وأم درمان.

ورغم أن العاصمة السودانية بدأت تشهد عودة تدريجية لبعض السكان والأسواق، فإن الحياة لا تزال بعيدة عن طبيعتها الكاملة. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة عاد أكثر من 1.8 مليون شخص إلى الخرطوم منذ العام الماضي، لكن الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء ما تزال تعاني من تدهور كبير. كما استمرت هجمات الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل العاصمة خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك محيط مطار الخرطوم، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني.

وتبدو شوارع الخرطوم حتى الآن شاهدة على آثار الحرب، حيث تنتشر المباني المهجورة والمتضررة، فيما يحذر السكان من وجود ذخائر غير منفجرة تحت الأنقاض وفي بعض الطرقات والأحياء السكنية. ومع ذلك، بدأت أم درمان بصورة خاصة تظهر مؤشرات حذرة على التعافي، مع عودة تدريجية للحركة التجارية وافتتاح الأسواق وظهور بعض الأنشطة اليومية التي اختفت لعدة أشهر.

Exit mobile version