
عثمان يوسف خليل
حين نتحدث عن التعليم، كثيرًا ما نربط النجاح بالاجتهاد الفردي، ونحتفي بالنماذج التي “صنعت نفسها بنفسها”. لكننا نتجاهل سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد:
هل بدأ الجميع من نفس النقطة أصلًا؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن الفرص المتكافئة هي الشرط الأول لأي نجاح حقيقي. فهي التي تمنح الطالب الدافع، وتخلق لديه الإحساس بأن جهده لن يضيع سدى.
في السودان، تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع. فالطالب في مدينة تتوفر فيها مدارس، وكتب، ومعلمون، وبيئة مستقرة… ليس كطالب في منطقة نزوح، أو في قرية نائية تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم.
وطفل يجد دعمًا من أسرته، ليس كآخر أُجبر على العمل مبكرًا ليساهم في إعالة أهله.
هنا، لا يصبح الفارق في الذكاء أو الاجتهاد، بل في الظروف. عليه فحين تغيب العدالة، فانه سوف يتراجع الحافز.. كما ان الطالب الذي يشعر أن الطريق غير عادل، يفقد تدريجيًا رغبته في المحاولة.
لماذا يجتهد، إذا كانت النتيجة لا تعتمد على جهده وحده؟
وهنا تبدأ دائرة خطيرة:
إحباط وتراجع في الأداء، ثم انسحاب صامت من التعليم..وهذا ما نراه اليوم في كثير من الحالات تسرب لا يحدث فجأة، بل نتيجة تراكم شعور بعدم الجدوى.
الفقر والتعليم… تلك علاقة معقدة
الفقر ليس فقط عائقًا ماديًا، بل عبء نفسي أيضًا. فالطالب الذي يأتي إلى المدرسة وهو قلق على أسرته، أو يفكر في مصاريف الغد، لا يستطيع أن يركز كما ينبغي. والأسرة التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، قد ترى في التعليم رفاهية مؤجلة. وهكذا، يتحول التعليم من حق إلى خيار، ومن خيار إلى عبء.
كيف نصنع فرصًا متكافئة؟
تحقيق العدالة في التعليم لا يعني أن نجعل الجميع متساوين في النتائج، بل أن نتيح لهم نفس الفرصة للمحاولة.
وهذا يبدأ من خطوات واضحة:
دعم الطلاب في المناطق الأكثر تضررًا (مدارس، كتب، بيئة آمنة)
تقديم مساعدات مباشرة للأسر حتى لا يُجبر الأطفال على ترك الدراسة
توفير تغذية مدرسية في بعض المناطق، لأن الجوع عدو صامت للتعلم
الاهتمام بتعليم البنات بشكل خاص، لأنهن الأكثر تأثرًا بعدم التكافؤ
ثم الأهم من ذلك كله:
إيصال رسالة واضحة لكل طالب أن هناك فرصة حقيقية له… وأن التعليم ما زال طريقًا ممكنًا.
في النهاية… لماذا الفرص المتكافئة مهمة؟
لأنها ليست مجرد عدالة اجتماعية، بل هى استثمار في مستقبل البلد. حين نمنح كل طفل فرصة عادلة، نحن لا نساعده فقط، بل نمنح المجتمع كله إمكانية أن يستفيد من قدراته.
وقد يكون ذلك الطالب الذي حُرم اليوم من التعليم، هو الطبيب أو المعلم أو المهندس الذي كان يمكن أن يغير حياة كثيرين. اذاً الفرص المتكافئة ليست شعارًا بل هى شرط للنهضة.
وفي الحلقة القادمة، يمكن أن نقترب من سؤال مكمل:
هل التعليم وحده يكفي؟ أم أن هناك عوامل أخرى تُكمل هذه الرحلة؟
لأن الطريق إلى المستقبل لا يُبنى
بعامل واحد… بل بتكامل أشياء كثيرة.