
أم درمان – فريق أفق جديد
لم يكن عصر أم درمان يوم السبت الماضي عاديًا.
كانت المدينة العتيقة، التي أرهقتها الحرب وأثقلتها أخبار الموت والنزوح والغياب، تستعيد شيئًا من روحها المفقودة وهي تفتح ذراعيها لأكثر من ألفي سوداني عادوا من مصر في أكبر فوج للعودة الطوعية منذ اندلاع الحرب.
منذ ساعات الظهيرة الأولى، بدأت الحركة غير المعتادة تدبّ في محيط السوق الشعبي. رجال تركوا متاجرهم نصف مفتوحة، نساء جئن يحملن الماء والتمر، أطفال تسلقوا الأرصفة والحواجز في انتظار لحظة الوصول، وعجائز جلسوا في الظل يرمقون الطريق الطويل بعيون امتلأت بالتعب والترقب.
كان الجميع ينتظر شيئًا أكبر من مجرد بصات قادمة من الحدود.
كانوا ينتظرون عودة جزءٍ من البلاد.
وعندما ظهرت أولى الحافلات في الأفق، بدا المشهد وكأن المدينة كلها تنتفض دفعة واحدة. ارتفعت الزغاريد من كل اتجاه، وتعالت الهتافات والدعوات، بينما اندفع الناس نحو البصات بلهفة موجعة، يبحث كلٌّ منهم عن وجه غاب طويلًا، عن ابن أو أم أو أخ أو صديق ابتلعته سنوات الحرب والمنافي القاسية.
خمسون بصًا اصطفت تباعًا وهي تحمل على نوافذها آثار الطريق الطويل، والغبار، والتعب، وأحلامًا مؤجلة منذ سنوات.
لكن ما إن توقفت حتى انفجرت الدموع.
دموع رجال حاولوا التماسك وفشلوا، ونساء احتضنّ أبناءهن كأنهن ينتشلنهم من الغرق، وأطفال لم يعرفوا كيف يعبّرون عن فرحتهم فاكتفوا بالبكاء.
في تلك اللحظات، لم تعد أم درمان مدينة أنهكتها الحرب، بل صارت أمًا تستقبل أبناءها العائدين من المنافي.
مشاهد الاستقبال بدت أكبر من حدث عابر.
كان المشهد كله احتجاجًا إنسانيًا صامتًا ضد الحرب نفسها.
الحرب التي مزقت البيوت، ودفعت الملايين إلى الرحيل، ودفنت أحلام أجيال كاملة تحت الركام والخوف والمجاعة والشتات.
أحد العائدين، وهو رجل خمسيني كان يحمل حقيبة صغيرة ويمسك بيد حفيده، قال بصوت متقطع لموفد أفق جديد:
“والله تعبنا من الغربة والخوف… تعبنا من حياة الانتظار. كنا نريد فقط أن نرجع ونشوف بلدنا حتى لو كانت متعبة.”
لم يكن الرجل يتحدث وحده.
كانت كلماته تختصر حكاية ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، يحملون ما خفّ من أمتعتهم ويمضون نحو المجهول تحت هدير الرصاص.
قبل ثلاث سنوات، عندما اندلعت الحرب، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المدن السودانية إلى خرائط للنزوح والموت والخراب.
البيوت التي كانت تضج بالحياة صارت مهجورة، المدارس أغلقت أبوابها، المستشفيات انهارت، والأسر تفرقت بين حدود الدول ومعسكرات النزوح وأرصفة الانتظار.
وفي خضم ذلك كله، دفعت مصر وحدها ثمنًا إنسانيًا هائلًا باستقبال مئات الآلاف من السودانيين الهاربين من أتون الحرب.
وتشير التقديرات إلى أن نحو مليون ونصف المليون سوداني لجأوا إلى مصر خلال سنوات الحرب، بينما عاد حتى الآن قرابة 426 ألف شخص عبر برامج العودة الطوعية.
لكن خلف هذه الأرقام الباردة تختبئ قصص موجعة لا تُحصى.
أمهات أنجبن أطفالهن في المنافي.
طلاب توقفت أحلامهم الدراسية.
رجال فقدوا أعمالهم ومدخراتهم.
أسر كاملة عاشت سنوات داخل غرف ضيقة وهي تراقب أخبار وطنها عبر الشاشات والهواتف بقلوب مرتجفة.
كانت الحرب أكبر من مجرد معركة عسكرية.
لقد كانت ماكينة هائلة لتحطيم البشر من الداخل.
ولهذا بدا مشهد العودة في أم درمان استثنائيًا إلى هذا الحد.
لأن العائدين لم يكونوا يحملون حقائب فقط، بل كانوا يحملون ذاكرة كاملة من التعب والخوف والحنين.
إحدى السيدات العائدات احتضنت شقيقتها لفترة طويلة دون أن تنطق بكلمة.
كانت تبكي فقط.
وحين استطاعت الكلام قالت:
“في الغربة تعرف معنى الوطن الحقيقي… حتى التراب تشتاق له.”
حولها، كانت أصوات التكبير والزغاريد تمتزج بأصوات محركات البصات وبكاء الأطفال.
أما التجار وأصحاب المحال في السوق الشعبي فقد خرج كثير منهم لتقديم الماء والطعام مجانًا للعائدين، في صورة عفوية أعادت التذكير بذلك المعدن الإنساني الذي ظل يميز السودانيين حتى في أحلك الظروف.
شاب عشريني كان يقف قرب الحافلات قال إن المشهد أعاده إلى الأيام القديمة قبل الحرب، عندما كانت أم درمان “تعرف الفرح”.
وأضاف بحزن:
“الحرب سرقت من الناس كل شيء… حتى قدرتهم على الضحك.”
الحرب لا تقتل الناس فقط بالرصاص.
إنها تقتل المدن ببطء.
تطفئ المقاهي والأسواق والأغنيات.
تسرق الطمأنينة من وجوه الأطفال.
وتحوّل الحياة اليومية إلى معركة للبقاء.
ولعل أكثر ما كان موجعًا في مشهد العودة هو ذلك التناقض الحاد بين الفرح والخراب.
الناس يضحكون ويبكون في الوقت نفسه.
يفرحون بالعودة لكنهم يعرفون أن الوطن الذي عادوا إليه ليس هو الوطن الذي غادروه.
كثير من العائدين لا يعرفون إن كانت بيوتهم لا تزال قائمة.
بعضهم عاد ليجد أحياء كاملة قد تغيرت، أو اختفت معالمها تحت آثار الحرب.
ومع ذلك، فإن مجرد العودة بدا بالنسبة إليهم انتصارًا صغيرًا على المنفى والخوف.
طفل في العاشرة من عمره كان يلوّح بعلم السودان من نافذة إحدى الحافلات، بينما كان والده يردد بصوت مرتفع:
“الحمد لله… الحمد لله رجعنا.”
كان المشهد كافيًا ليكشف الحقيقة التي تتجاهلها الحروب دائمًا:
الناس لا يريدون القتال.
الناس يريدون فقط أن يعيشوا.
لكن الحروب يصنعها أولئك الذين لا يدفعون ثمنها الحقيقي.
أما الثمن فيدفعه المدنيون وحدهم:
الأطفال الذين يكبرون وسط الرعب،
الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن،
العائلات التي تنام على الحدود،
والمدن التي تفقد ملامحها يومًا بعد يوم.
وفي أم درمان، بدا واضحًا أن الناس سئموا الحرب إلى حد بعيد.
كل هتاف في الاستقبال كان يحمل شوقًا للسلام.
كل دمعة كانت تقول إن السودانيين يريدون نهاية لهذا الكابوس الطويل.
لجنة الأمل، التي أشرفت على تنظيم رحلة العودة، قالت إن برامج العودة الطوعية ستتواصل خلال الفترة المقبلة وسط تزايد أعداد الراغبين في العودة من مصر ودول الجوار، رغم الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
لكن السؤال الذي ظل معلقًا في وجوه العائدين جميعًا كان:
هل يعود السلام أيضًا؟
فالسودان الذي يستقبل أبناءه اليوم لا يزال مثخنًا بالجراح.
آلاف القرى دُمرت، وملايين المواطنين يحتاجون إلى الغذاء والدواء والمأوى، والاقتصاد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه، بينما لا تزال أصوات السلاح أعلى من أصوات العقل في كثير من المناطق.
ومع ذلك، فإن مشهد العودة نفسه يحمل رسالة عميقة.
رسالة تقول إن هذا الشعب، رغم كل شيء، لا يزال متمسكًا بالحياة.
لا يزال يؤمن بأن البلاد يمكن أن تنهض من جديد.
في السوق الشعبي، ومع اقتراب المساء، بدأت بعض الحافلات تفرغ آخر ركابها.
كان الناس يتفرقون ببطء، لكن المشاعر بقيت معلقة في المكان.
عجوز كان يراقب المشهد من بعيد تمتم بصوت خافت:
“يا رب دي تكون بداية النهاية للحرب.”
ربما كانت تلك الجملة هي التعبير الأكثر صدقًا عن ذلك اليوم كله.
فما حدث في أم درمان لم يكن مجرد استقبال قافلة عائدين.
لقد كان تذكيرًا قاسيًا بحجم المأساة التي صنعتها الحرب، وفي الوقت نفسه تذكيرًا أعظم بقوة الإنسان السوداني وقدرته على التشبث بالأمل رغم الخراب.
لقد أثبتت تلك الوجوه المتعبة القادمة من المنفى أن الوطن ليس مجرد مكان، بل ذاكرة وروح وانتماء لا تستطيع الحرب اقتلاعها مهما طال الزمن.
وفي بلد أنهكته البنادق والانقسامات، بدت دموع العائدين وهي تختلط بتراب أم درمان وكأنها تقول شيئًا واحدًا فقط:
كفى حربًا.