
بقلم : يوسف الغوث
ثمة أصوات في زمن الخراب لا تأتي من على منابر الخطابة المعتادة، ولا من خلف طاولات البيانات المعلبة، بل من عمق الذاكرة الوطنية ذاتها، من حيث تتراكم التجارب وتتشكل الرؤى على مهل ،،
صديق الزيلعي، ذلك الأكاديمي الذي قضى أكثر من نصف قرن راهباً في محراب الحزب الشيوعي السوداني، لم يكن يوماً من هواة الأضواء أو الصياح في الميادين او الساحات العامة،، فهو الرجل الذي آثر أن يكون صوته في حروف مجلة قضايا فكرية والتي أدارها بحكمة واقتدار،،،، وهو الذي يعتني بالفكرة كما يعتني الفلاح ببذرة في تربة جدباء، مؤمناً بأن تغيير الوعي أبطأ من تغيير الأنظمة لكنه أعمق وابقي ومن منفاه الاختياري في بريطانيا، حيث المسافة لا تمنع الألم، وحيث تصل إليه أخبار السودان كما يصل أنين الجرح البعيد، كان له في قاعات نيروبي وقفة مختلفة،. لم يأتِ ليتهم أحداً، فالقاعة كانت خالية من الاتهامات، ولم يأتِ ليلقي خطابا سياسيا تقليديا اجوف، بل جاء ليفعل ما عرفه عنه رفاقه طويلاً،،وهو المعروف بين رفاقه وزملائه في الحزب الشيوعي بانه يصمت طويلاً ثم ينطق كلمة واحدة ثقيلة، كمن يعرف أن الصمت في زمن الانهيار خيانة صامتة وجريمة وطنية كبري….
لم يكن صوت الزيلعي في نيروبي كبقية الأصوات التي اعتاد السودانيون سماعها من ساستهم في مثل هذه المحافل، ليس لأنه الاكثر بلاغة أوالأشد حماسة، بل لأنه كان صوت النقابي والسياسي الواعي المدرك لدقائق العمل المشترك، الذي يعرف من الداخل لماذا تتعطل التحالفات، وأين تتعقد الأمور، ولماذا يفضل حزبٌ قضى عمره في المعارضة أن يبقى متفرجا على وطن يتهاوى، بدلاً من أن يغامر ببعض من (نقائه الثوري) ويخلط ترابه بتراب الوطن والآخرين وذلك في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه…
ذلك هو المفهوم الذي أراد الزيلعي مقارفته، ليس في ندوة أكاديمية باردة، بل في قلب نيروبي المشمسة ،وفي اجتماع سياسي ساخن يسعى إلى لملمة شتات السودان وفي الوقت الذي يحضر فيه البرهان مصارعة حرة في احدي حواري الحاج يوسف ….
بعيدا عن مفهوم (النقاء الثوري) ذلك الوهم الجميل الذي جعل الحزب الشيوعي، على مدى عقود، يفضل العزلة على التحالفات الناقصة، والبقاء في منطقة آمنة لا تلوث فيها المبادئ، لكنها أيضاً بعيدة عن النبض الحقيقي للشارع، وعن أسئلة الأمهات الثكلى، وعن لهفة النازحين الذين لا يسألون عن الماركسية أو الليبرالية، بل عن لقمة الخبز وعن عودة آمنة إلى بيوت لم يعد لها حدران او سقف….
اظن انه وفي سياق قراءة الزيلعي، التي لم تخرج عن نطاق التحليل السياسي الرصين إلى دائرة الاتهام، فإن هذا التمسك بالنقاء قد كلف الحزب ثمناً غالياً،،وذلك بتحوله تدريجياً من قاطرة للتغيير إلى فئة نخبوية تتحدث لغة لا يفهمها جيل الحرب واللجوء، الأمر الذي يمكن تسميته بالانشغال بتفاصيل لا تمس حياة المواطن الذي فقد كل شيء…و لكن ما جعل نداء الزيلعي هذه المرة مختلفاً، وأكثر إلحاحاً، هو عامل موضوعي جديد غيّر المعادلة تماماً فوجود عبد الواحد نور، قائد حركة تحرير السودان، على طاولة الاجتماعات ذاتها. ذاك الرجل الذي ظل لسنوات طويلة، بل لعقود، بعيداً عن أي تحالف سياسي، متحصناً في جبال دارفورومسيطرا علي جبل مرة ، ورافضاً لأي مسعى يجمع الفرقاء تحت سقف واحد. ها هو اليوم يجلس في القاعة ذاتها، يتبادل المصافحات، ويعلن استعداده للجلوس مع الجميع من أجل خارطة طريق توقف الحرب…
و الزيلعي، بدهاء من يعرف كيف يقرأ المشهد، رأى في هذا الحضور المتغير رسالة ضمنية لا تحتاج إلى تفسير فإذا كان الرجل الذي قضى حياته خارج كل التحالفات قد وجد أخيراً أرضية للعودة والانخراط، فكيف للحزب الشيوعي أن يبقى متمسكاً بعزلته؟
أليس في انضمام عبد الواحد نور، ذلك البعد التاريخي، ما يكفي لإعادة النظر في مفهوم (النقاء) ذاته؟
لم يقل الزيلعي هذا الكلام بصوت مرتفع، ولم يوجّه أصابع الاتهام إلى أحد، لأنه كما أسلفنا لم يكن هناك من يتهم أحداً في تلك القاعة. لكنه قالها بلغة من يعرف الحزب من الداخل، بلغة النقابي الذي يفهم كيف تعمل آليات القرار الداخلية، ولماذا تحتاج الأحزاب أحياناً إلى من يذكرها بأن التاريخ لا ينتظر، وأن الفرص الضائعة لا تعوض.
إن نداء الزيلعي، في جوهره، لم يكن موجهاً فقط إلى الحزب الشيوعي، بل كان بمثابة مرآة تعكس للجميع أن العزلة لم تعد خياراً في زمن ينهار فيه الوطن، وأن اللحظة التاريخية التي تتغير فيها تحالفات كاملة، وتعود فيها أطراف كانت أبعد الناس عن السياسة، هي لحظة لا يمكن لأحد أن يتفرج فيها.
ولعل ما أعطى لهذا النداء بعداً أعمق، هو أن أصداءه لم تكن بعيدة عن الروح العامة التي سادت لقاء نيروبي، حيث بدت بعض الكلمات وكأنها تعيد تعريف السياسة نفسها بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صراعاً على المواقع. ففي كلمة الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذ علي الريح السنهوري، برزت فكرة شديدة الدلالة حين قال«إن من يتقدم صفوف النضال الآن عليه أن يتراجع خطوتين عن صفوف السلطة، لإتاحة الفرصة لتوحيد كل القوى السودانية في اتجاه يعيد السلطة للشعب السوداني». وهي عبارة لا تقف عند حدود البلاغة السياسية، بل تمثل مراجعة عميقة لفكرة القيادة ذاتها؛ قيادة لا ترى نفسها وصية على الشعب، بل جسراً لعبوره من الحرب إلى الدولة. وفي هذا المعنى تحديداً، يلتقي خطاب السنهوري مع الإشارة الضمنية التي حملها حديث الزيلعي في أن لحظة الخراب الوطني لم تعد تحتمل ترف العزلات الأيديولوجية أو نقاء الاصطفافات القديمة، وأن القيمة الحقيقية لأي قوة سياسية لم تعد تُقاس بمدى حفاظها على طهرانيتها النظرية، بل بقدرتها على الانحياز إلى أولوية واحدة،،
ان ما يمكن توقعه بعد هذا النداء ليس انقساماً داخل الحزب الشيوعي، فليس ثمة انقسام معلن، ولا حرب كلامية داخلية، ولكن ثمة سؤالاً ثقيلاً وضعه الزيلعي على طاولة الحزب بلطف من يعرف أن الإجابة قد تستغرق وقتاً،،فهل سنواصل العزلة بينما ينخرط الجميع، حتى أشدهم بعداً؟
أم أن الوقت قد حان لمراجعة مفهوم (النقاء الثوري )?
قبل أن يصبح الحزب مجرد صفحة في كتاب التاريخ، يُقرأ عنه ولا يُقرأ له؟
خارج أسوار الحزب، يقرأ المراقبون هذا النداء كدليل على أن الحوار الداخلي في اليسار السوداني قد بدأ يأخذ منحى أكثر واقعية، وأن هناك من يجرؤ على قول ما يفكر به كثيرون لكنهم لا ينطقون به خوفاً من اصطدام الجدران.
صديق الزيلعي، من منفاه البعيد، لم يلق خطاباً سياسياً معتاداً، ولم يوزع اتهامات كما يفعل السياسيون في لحظات الغضب، بل ألقى حجراً صغيراً في بركة راكدة، لا ليحدث انفجاراً، بل ليحدث تموجات تصل بهدوء إلى الشواطئ البعيدة.
ان دكتور الزيلعي رجل عرفته الحركة الوطنية السودانية بمواقفه النضالية المشهودة وهو الذي يفضل أن يكون صوته في الكتابة لا في المنابر، وقد خرج هذه المرة ليعلن أن الصمت الذي لازمه طويلاً لم يعد ممكناً، وأن الأوان قد حان ليقول للحزب الذي قضى فيه عمره وافني فيه زهرة شبابه ،،اذا كان عبد الواحد نور قد عاد إلى الطاولة، فلماذا لا تعود أنت؟ السؤال الآن معلق في هواء نيروبي المشمس ، ينتظر إجابة لا يعرف أحد متى ستأتي، أو إن كانت ستأتي أصلاً…و لكن الأكيد أن الزيلعي، بخطوته هذه، قد نجح في شيء واحد وهو انه جعل الصامتين يفكرون، والعائدين يتساءلون، والنقاء الثوري يعيد تعريف نفسه أمام مرآة الخراب…….
اطال الله عمرك دكتور الزيلعي ومتعك بالصحة والعافبة