بين الإصلاح الإداري والتصفية السياسية .. لجان فنية ترتكب مجاذر وظيفية

تقرير: أفق جديد

ربما ضاقت حكومة الأمر الواقع في السودان، ذرعاً من الصرف على الحرب التي طال أمدها واستنزفت موارد البلاد والعباد، فهداها الله لفكرة عبقرية تمخضت عنها تكوين لجنة فنية لدراسة وحصر العاملين بالدولة، هذا القرار فجّر مواجهة جديدة بين الحكومة وقطاعات مهنية واسعة من الموظفين الذين يرون الخطوة تهديداً مباشراً لمصادر رزقهم التي عبثت بها الحرب في ظل انهيار شبه كلي لمؤسسات الدولة، لتتصاعد الشكوك حول النوايا من هذا القرار الذي ربما يعتبر بمثابة إعادة تشكيل للخدمة المدنية على ضوء ماحدث في إنقلاب الإنقاذ 1989 . 

جدلية القرار والتوصيات

في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 16 إبريل أصدر رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس قراراً بتكوين لجنة لدراسة وحصر العاملين بالدولة، برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية، وباشرت اللجنة عملها ولم تترد فيه، حيث تسربت الوثائق التي تحمل توصياتها بفصل أو إحالة نحو 57 ألف موظف حكومي إلى المعاش المبكر، وأثار القرار موجة من الرفض الواسع من جهات مهنية ونقابية وطالبت بالتراجع عن هذه الخطوة التي تمثل مزيداً من الإفقار والتشريد للعاملين، إلا أن المكتب الصحفي لرئيس مجلس الوزراء ذاته نفى ذلك مبيناً أن اللجنة المختصة تعمل على إعداد رؤية شاملة لإصلاح الخدمة المدنية دون الإعلان رسمياً عن أي قرارات بخصوص مهامها المكلفة بها. 

الواقع يكذّب نفي المكاتب

النفي الذي أصدره مكتب رئيس الوزراء تكذبه الوقائع الماثلة التي تؤكد شروع قطاعات مهنية في الدولة ببداية اتخاذ إجراءات إحالة وفصل تعسفي تحت مسمى الإصلاح الإداري، كما يحدث في البنك الزراعي حيث أكد عدد من الموظفين لـ”أفق جديد” تلقيهم مراسلات ومخاطبات من إدارة البنك تطالبهم بالتقاعد المبكر بناء على توجيهات اللجنة الفنية المكونة من مجلس الوزراء، وبحسب نص الخطاب الذي حصلت “أفق جديد” على نسخة منه أن البنك الزراعي قد أنهى بالفعل المرحلة الأولى من برنامج التقاعد الإختياري واعتماد الكشف وأن الإدارة التنفيذية بالبنك مقبلة خلال الفترة القادمة على تنفيذ المرحلة الثانية من البرنامج التي يبدو في ظاهرها الفصل التعسفي، لإشارة الخطاب الواضحة بأن إدارة البنك ستركز بصورة مباشرة على معالجة التضخم الكبير في الدرجات العليا والعمل على تخفيض تكلفة العنصر البشري.

وفي ذات الإتجاه كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن وجود مقترحات بإعفاء 259 من العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون و75 من هيئة البث، تحت ذريعة مكافحة الترهل الوظيفي وتقليل النفقات العامة، وقال بيان صادر عن النقابة إنها تتابع بقلق بالغ القرار الوزاري القاضي بتشكيل لجنة لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية ووضع تصور لتقليص عددهم، وما صاحبه من اتجاه لفصل أكثر من سبعة وخمسين ألف عامل وموظف، مشيرة إلى إن هذه الخطوة تعكس إصرار سلطة الأمر الواقع على تحميل العاملين تبعات الانهيار السياسي والاقتصادي، في وقت يعيش فيه السودان حرباً مدمرة أدت إلى انهيار الخدمات الأساسية ونزوح الملايين وتآكل الأجور.

وأعلنت النقابة رفضها الكامل لهذا التوجه، الذي صدر دون أي حوار حقيقي مع ممثلي العاملين أو نقاباتهم المهنية، وفي ظل غياب الشفافية والعدالة. كما تم تجاهل مبدأ التقاضي والحقوق المكتسبة التي يكفلها قانون الخدمة المدنية، بينما تبدو المعايير المطروحة انتقائية وتعسفية. وأضافت النقابة عبر بيانها إن الاستغناء عن هذا العدد الضخم من الموظفين سيؤدي إلى توسيع دائرة الفقر والتشريد وسط آلاف الأسر السودانية التي تعتمد على هذه الوظائف في ظل أوضاع معيشية بالغة القسوة. وكان الأجدر بالحكومة دعم العاملين وتحسين أوضاعهم، لا دفعهم إلى البطالة.

إلى جانب ذلك أعلنت لجنة المعلمين السودانيين تمسكها برفض قرار تشكيل اللجنة و رفض أي إجراءات أو توصيات قد تصدر عنها والتأكيد على أن إصلاح الخدمة المدنية لا يمكن أن يتم في ظل الحرب وغياب الشرعية والمؤسسات الديمقراطية، وإنما يتطلب واقعاً سياسياً واجتماعياً مستقراً، ودولة مدنية قائمة على القانون، ومشاركة حقيقية للنقابات والمهنيين وأصحاب المصلحة في أي عملية إصلاح شاملة، وفي واقع مختلف عن الواقع الحالي.

أجندة إقتصادية أم سياسية؟

وبحسب المحلل السياسي كمال كرار فإن بند الأجور والمرتبات في ميزانية حكومة السودان يبلغ 2.4 تريليون جنيه يأخذ منها القطاع السيادي والدفاع والأمن والحركات الموقعة على إتفاقية جوبا 2.1 تريليون جنيه، وما تبقى منها هو “الفتات الذي يرمى لبقية العاملين الذين يراد الآن طردهم للشارع لزيادة العاطلين والفقراء في بلادنا”.

ويعود كرار ليتسائل عن حركات سلام جوبا التي خصصت الاتفاقية لهم 40% من وظائف دارفور كما خصصت  20%  من الوظائف في الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسفراء للجبهة الثورية بالاضافة لنصيبهم في السلطة التنفيذية بالمركز، هل سيشملهم قرار فصل العاملين؟ وكم يأخذ هؤلاء من أموال مقارنة بمرتبات العاملين بوزارة الصحة أو الثقافة والتربية والتعليم ؟. مشيراً إلى أن تقليص العمالة والإحالة للصالح العام أجندة سياسية وليست اقتصادية، الغرض منها تصفية الخصوم السياسيين كما حدث للمعلمين منذ بدء الحرب، واعادة تشكيل القواعد النقابية لصالح منسوبي السلطة والحركة الاسلامية الذين لن تشملهم القوائم، وبالتالي ضمان نقابات موالية للسلطة . ويلفت المحلل الاقتصادي كمال كرار إلى أن حجة عدم وجود هؤلاء العاملين في أماكن عملهم فهي حجة مردودة باعتبار أن مكتب حاكم إقليم دارفور في بورتسودان، ووزير المالية غير موجود بمقر وزارة المالية المعروف والمعتمد على شارع النيل.

Exit mobile version