في لحظةٍ سودانيةٍ تتكاثف فيها العتمة، وتتداخل فيها أصوات المدافع مع أنين المدن المنهكة، والقرى التي تفرّغت من أهلها، والمخيمات التي تمددت كجغرافيا جديدة للفقد، يصبح الكلام نفسه فعلًا أخلاقيًا لا يقل خطورة عن الفعل السياسي، فالكلمات اليوم إما أن تكون شاهدة على الحقيقة، أو جزءًا من ضجيجٍ يغطّي على المأساة.
من هذا الوعي، يأتي هذا العدد من مجلة «أفق جديد» بوصفه محاولة للإنصات لا للادعاء، وللفهم لا للاصطفاف، في لحظة لم يعد فيها السودان مجرد بلد يمرّ بأزمة، بل مساحة تتنازعها احتمالات متعددة: احتمال الانهيار الكامل، أو إعادة التشكل القاسي، أو ولادة سياسية جديدة من بين الركام.
لقد أجرت المجلة استطلاعًا موسعًا شمل عددًا من الخبراء والصحافيين والمهتمين بالشأن العام، في محاولة للاقتراب من الأسئلة الكبرى التي فرضتها الحرب، بعيدًا عن الخطابات المعلبة والانفعالات اللحظية. تناول الاستطلاع محاور مركزية تمس جوهر الأزمة السودانية: مستقبل الحرب ومآلاتها، فرص التهدئة والتحول نحو السلام، طبيعة الفاعلين العسكريين والسياسيين، إشكالية العلاقة بين المدني والعسكري، موقع الإسلام السياسي في معادلة الصراع، ودلالات التحركات المدنية الأخيرة كما تجسدت في اجتماعات نيروبي و«إعلان نيروبي» بوصفه تعبيرًا عن محاولة لإعادة تعريف السياسة نفسها في السودان.
وانطلاقًا من هذا العدد، تفتتح «أفق جديد» مرحلة تحريرية مختلفة، تقوم على فتح نافذة منتظمة للاستطلاعات الموسعة التي لا تكتفي بنقل الرأي، بل تحاول تفكيكه، ومقارنته، ووضعه في سياقه الأوسع. إنها محاولة للانتقال من الصحافة التي تكتفي بوصف الحدث، إلى الصحافة التي تحاول فهم بنيته العميقة وأسئلته المؤجلة.
في هذا الاستطلاع، الذي ننشر الحلقة الأولى منه بالداخل، تبرز حقيقة مشتركة بين أغلب المشاركين، رغم اختلاف مواقعهم وقراءاتهم: السودان لا يواجه حربًا فقط، بل يواجه أزمة دولة، دولة تتآكل مؤسساتها، وتتراجع قدرتها على احتكار العنف المشروع، وتفقد تدريجيًا أدواتها في تقديم الخدمات أو إنتاج الشرعية. لذلك، فإن السؤال لم يعد: متى تتوقف الحرب؟ بل أصبح: أي دولة يمكن أن تنشأ بعد الحرب، وبأي شروط، ولصالح من؟
لقد قال بعض المشاركين إن البلاد تقف عند “نقطة إعادة التشكيل القسري”، حيث لم تعد الخرائط السياسية والاجتماعية القديمة قادرة على تفسير الواقع الجديد. بينما ذهب آخرون إلى أن أخطر ما في الحرب ليس فقط الدمار المادي، بل إعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع نفسه، عبر خطاب الكراهية، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتآكل فكرة الوطن المشترك.
وفي خلفية هذا المشهد، يطل «إعلان نيروبي» بوصفه محاولة من جزء من القوى المدنية لإعادة الإمساك بخيط المبادرة السياسية، عبر خطاب يقوم على ثلاثية واضحة: إنهاء الحرب، رفض عودة الشمولية، وبناء جبهة مدنية واسعة. فقد أكد البيان أن هذه القوى متمسكة بـ: «مشروع وطن جديد قائم على الحرية والسلام والعدالة، مع الدعوة إلى بناء جبهة مدنية واسعة لمناهضة الحرب واستعادة مسار ثورة ديسمبر.»
كما شدد على أن الحرب مثلت: «محاولة لاستئصال تطلعات السودانيين نحو الانتقال الديمقراطي.»
هذه اللغة لا تعكس فقط موقفًا سياسيًا، بل تعكس محاولة لإعادة تعريف الشرعية نفسها في السودان: من يملك حق الحديث باسم المستقبل؟ ومن يحدد شروطه؟
لكن، في المقابل، يظل هذا المشروع المدني أمام أسئلة صعبة تتعلق بقدرته على التحول من خطاب سياسي إلى قوة اجتماعية فاعلة، قادرة على التأثير في ميزان القوة على الأرض، وليس فقط في فضاء البيانات السياسية.
وتتقاطع هذه الأسئلة مع ما خرج به المجتمعون في نيروبي، الذين رأوا أن أي هدنة عسكرية لا ترتبط بمسار سياسي شامل قد تؤدي إلى: «تكريس واقع الانقسام.»
كما اعتبروا أن جماعة الإخوان تمثل: «العقبة الكبرى أمام تقدم السودان»، داعين إلى توسيع تصنيفها تنظيمًا إرهابيًا، وهو موقف يعكس حدّة الاستقطاب السياسي، واتساع الهوة بين الرؤى المختلفة حول مستقبل المرحلة الانتقالية.
في جوهره، يكشف هذا الاستطلاع أن السودان يعيش لحظة إعادة تعريف شاملة، تعريف للدولة، وللمؤسسات، وللمجتمع، وللمعنى نفسه. لم تعد الأسئلة تقنية أو إجرائية، بل أصبحت وجودية: ما الذي يبقي هذا البلد واحدًا؟ وما الذي يمنعه من الانزلاق نحو التشظي؟ وكيف يمكن تحويل الألم إلى مشروع سياسي لا إلى وقود لصراعات جديدة؟
ورغم قسوة الإجابات، فإن مجرد استمرار النقاش، وتعدد الأصوات، ومحاولة التفكير وسط الحرب، يشكل في حد ذاته مساحة مقاومة ضد الانهيار الكامل، فالصمت في لحظات الحرب ليس حيادًا، بل غالبًا ما يكون شكلًا من أشكال الاستسلام.
إن «أفق جديد»، وهي تضع هذا الاستطلاع بين يدي القارئ، لا تدّعي امتلاك الإجابات، لكنها تراهن على شيء واحد: أن الفهم العميق هو الخطوة الأولى نحو أي خروج ممكن من دوامة الحرب، وأن السودان، رغم كل ما يمر به، لا يزال بحاجة إلى من يسأله بصدق، أكثر من حاجته إلى من يجيبه بسرعة.
ففي النهاية، لا تُقاس اللحظات التاريخية فقط بما يحدث فيها من دمار، بل أيضًا بما يُطرح فيها من أسئلة، وما يُبذل فيها من محاولات لفهم ما يبدو مستحيلًا.