
السر السيد
أواصل، وبتصرف، نشر ما جاء في مخطوطتي (الشباب والتطرف العنيف في السودان 1990-2018: خلية الدندر نموذجًا)، التي فرغت من إنجازها في العام 2018.
تمهيد
أشرتُ إلى أن هذه المقالات تجيء لتُقرأ في سياق الحملة التي تنشط الآن من أجل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا عالميًا، أو لقراءة الحملة على خلفيتها.
ومواصلةً للمقال السابق، سأعمل على تشريح بعض المساهمات الفكرية السودانية في مواجهة التطرف العنيف، ولتكن البداية بكتاب (حوار مع شاب).
الكتاب من تأليف عبد الحي يوسف، وهو اسم مشهور، كما نعلم، في الحراك الدعوي الإسلامي المعاصر، بسبب الكثير من آرائه الفقهية وآرائه في المجال السياسي.
عن الكتاب
جاء اختياري له لسببين:
الأول: أن الكتاب، إضافةً إلى موقع مؤلفه، صادر عن هيئة علماء السودان في طبعة بعنوان (حوار مع شاب) في العام 2009، وعن مجمع الفقه الإسلامي في طبعة بعنوان (سؤالات الشباب وإسلامية الدولة) في العام 2015، كما صدر في طبعة ثالثة من دون ذكر التاريخ أو الجهة الناشرة.
الثاني: أن الكتاب يناقش موضوعات متنوعة، كلها على صلة بما يُعرف بـ(الإسلام السياسي)، وتجربته العملية، خاصة في السودان، وتتحرك بصورة مجملة على ثلاثة مجالات هي:
مجال السياسة والحكم.
مجال موقع غير المسلم في الدولة الإسلامية وفي مجتمع المسلمين.
مجال آليات إنتاج المعرفة بالنصوص، كالقرآن والسنة الصحيحة، تجاه موضوعات الحياة؛ بمعنى كيفية اشتغال النص الشرعي في الواقع الاجتماعي المتغير.
النسخة التي سأتعرض لها كتب مقدمتها المؤلف نفسه، وجاء فيها:
(فما أكثر القضايا التي تدور بخلد الشباب المسلم في أيامنا هذه!! وما أكثر الأسئلة التي تطرح نفسها في كل يوم!! وبالمقابل الآراء التي يسمعونها تتعدد!! والرؤى التي يقرأونها تتباين!! وقد تصدر عمن هو أهل لها، وعن من لا يملك أثارةً من علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد ينجرف الشباب نحو هذا التيار أو ذاك، لا عن جهد بذله في تمحيص تلك الآراء، ولا تتبع واستقصاء، وإنما ـ في الغالب ـ موافقةً لمزاجه الفكري أو مجاملةً للأقران، أو فرارًا من ضغط الواقع، وهذا كله يمثل بيئة غير صالحة لإنتاج أفكار وترتيب مواقف تجر من المفاسد أضعاف ما يُتوهم من المصالح، خاصة فيما يتعلق بفريضة الجهاد التي صارت ـ بفضل الله ـ قمة آمال الصالحين ومنتهى طموح الطيبين من شباب هذه الأمة العاملين).
يقع الكتاب في حوالي “141” صفحة من القطع المتوسط، بما في ذلك المقدمة. وقد ناقش عددًا من الأسئلة بلغ “48” سؤالًا، هي:
1- الكلام عن تكفير الدولة والحكام؟
2- تطبيق الشريعة الإسلامية: هل هو حدود فقط؟
3- هل الدولة الآن مطبقة للحدود؟
4- ما هي شروط الإكراه المعتبرة شرعًا؟
5- ما حكم من صرح ببناء الكنائس؟
6- ما حكم من صرح ببناء القبور والأضرحة وأباح الطواف حولها؟
7- ما حكم من وضع قانونًا ينظم به ما حرم الله (وضع زمن لنهاية الحفلات الموسيقية مثلًا)؟
8- ما حكم قيام الدولة على نظام الديمقراطية الكفري؟
9- الحكم في قضية (جريدة الوفاق) كان هزيلًا؛ ولو كانت الدولة جادة لما حدث ذلك؟
(يقصد ما حدث من حيثيات حول المقال الذي نشر في جريدة الوفاق السودانية، التي كان رئيس تحريرها محمد طه محمد أحمد عليه الرحمة والغفران).
10- ما حكم من منع من يريد نصيحة ودعوة من يعبدون القبور تحت دعوى عدم إثارة الفتن؟
11- ما حكم الدخول في المجالس التشريعية والبرلمان مع أنها تعطي لنفسها حق التشريع من دون الله؟
12- في التجربة التركية، هل يجوز لرئيس تركيا البقاء في منصبه مع عجزه عن تغيير العلمانية؟
13- ما حكم إباحة أن يكون رئيس الدولة غير مسلم؟
14- العذر بالجهل: متى يعتبر ومتى لا يعتبر؟
15- من الذي يجوز أخذ الفتوى والعلم عنه؟ وهل يكتفي المسلم بالدخول إلى بعض المواقع على شبكة المعلومات للتلقي عنها؟
16- ما حكم من يقول عن النصراني الكافر: أخونا سلفاكير؟ وعن النصارى: إخواننا الأقباط؟
17- هل العلم بالواقع شرط لصحة الفتوى؟
18- ما هي شروط العمل بالدليل؟
19- ما حكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله عز وجل؟
20- ما حكم من لم يكفر اليهود والنصارى؟
21- النصارى الموجودون الآن: هل هم معاهدون؟
22- متى ينتقض العهد معهم؟ وهل أحداث الاثنين…
(يقصد ما حدث من اقتتال وعنف بعد إعلان وفاة جون قرنق).
23- حسب اتفاقية نيفاشا فإن الجنوب كله أُعطي للحركة الشعبية؛ فهل يجوز ذلك مع وجود مسلمين هناك؟
24- الديمقراطية: هل يُتصور فيها الإكراه؛ بحيث يُجبر الحاكم على العمل بها؟
25- إذا كان الحكم طاغوتيًا، فما حكم الدخول في أجهزة الجيش والشرطة؟
26- إذا عُطلت الحدود من قبل الحاكم، فهل يجوز للأفراد إقامتها؟
27- ما حكم إنكار المنكر من قبل آحاد الناس؟
28- ما حكم العمليات الاستشهادية؟
29- ما حكم قتل النفس في حالة خوف الأسر من قبل الكفار؟
30- ما حكم الصلاة خلف الأئمة المضلين؟
31- قاعدة: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، ما هي تطبيقاتها؟
32- ما حكم الانتساب إلى الحركة الشعبية؟
33- ما حكم الدخول في الأمم المتحدة؟
34- ما هو ضابط المعلوم من الدين بالضرورة؟
35- ما حكم لعن العاصي المُعين؟
36- ما مدى الاحتجاج بالعرف في الشريعة؟
37- هل يجوز حلق اللحية وتغيير الملابس للقيام بعمليات جهادية؟
38- ما هو الأكل بالمعروف؟ وإذا جاءتني ملابس مثلًا لكوني مجاهدًا، ثم انتهى الجهاد، هل يجوز لي الانتفاع بها؟
39- ما حكم تارك الصلاة؟
40- ما قولكم في الداعية عمرو خالد؟
41- السفر للجهاد في أفغانستان والعراق، والتضييق على الإسلاميين وتسليم بعض المجاهدين العرب إلى دولهم؟
42- مشاركة الحركة الشعبية في السلطة؟
43- المجازفة في الانتخابات القادمة وخطورة فوز الحركة الشعبية؟
(يقصد انتخابات 2010).
44- حرية العلمانيين المتاحة في الإعلام، وما يُبث فيه من البدع والشركيات؟
45- بند حق المواطنة في الاتفاقية، ومشاركة العلمانيين في البرلمان وفي وضع الدستور؟
46- التنازل الحاصل في خطاب الدولة الإسلامي؟
47- القوات الدولية وقدومها إلى السودان؟
48- مستقبل السودان في ظل تمدد الحركات المسلحة؟
في الأسئلة السابقة، وهي هنا منقولة كما جاءت في الكتاب، سنلاحظ أن 25 منها على صلة بالسياسة والحكم، و5 عن النصارى والتعامل معهم، و6 على صلة بمفاهيم فقهية وأصولية مثل قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، وكذلك سؤال: هل العلم بالواقع شرط لصحة الفتوى؟، و12 جاءت وكأنها طلبٌ للفتوى، كسؤال: هل يجوز حلق اللحية وتغيير الملابس للقيام بعمليات جهادية؟ أو: ما حكم لعن العاصي المُعين؟ أو: ما حكم الصلاة خلف الأئمة المضلين؟
وسنلاحظ أيضًا:
أن معظمها يحمل حسًا “تجريميًا” خفيًا؛ فهي تصدر عن السائلين وكأنهم قضاة، ومن ذلك مثلًا السؤال
رقم 9.
أنها تستبطن عنفًا حتى في بنائها الأسلوبي، كالسؤال رقم 16، كما يمكن الزعم أنها جاءت بلا سياق يحكمها.
معظم الأسئلة جاءت بسيطة، لكنها تعبر عن احتياج حقيقي لإجابات عن أسئلة ملحة فرضها ـ ويفرضها ـ الواقع المعاصر بتعقيداته وتحولاته الفكرية والاجتماعية والسياسية، ووضعية المسلمين فيه.
وبرغم كثرتها، فإنها تفتقد ما يمكن أن نسميه بـ”الحساسية التوحيدية”، التي تنهض على رؤية كلية للوجود والطبيعة والإنسان والتاريخ، قوامها الرحمة والعزة والكرامة والتسامح، بحسب حسن الترابي. فعلى سبيل المثال، لم نجد سؤالًا واحدًا عن حكم الشرع في حال عدم تمكين المواطنين من الحق في التعليم والعلاج ومياه الشرب النظيفة، أو حرمانهم من التعبير عن آرائهم بحرية، أو عن حق الأجيال القادمة في الموارد، أو عن جواز ـ أو عدم جواز ـ نصرة المستضعف غير المسلم.
حول إجابات الشيخ
سنلاحظ:
أولًا: أن الإحالات المرجعية للشيخ تعود، في الغالب، إلى المدونة الفقهية التراثية، ويأتي في مقدمة أعلام هذه المدونة ابن تيمية، أما الفقهاء المحدثون فلم يظهروا إلا في الأسئلة المتعلقة بالمشاركة في المجالس النيابية، والموسيقى، والقباب.
ثانيًا: إجابات الشيخ لا تنهض على رؤية كلية، ولا يحكمها سياق كلي، ويمكن وصفها بالفروعية والجزئية، وهو التعبير الذي استخدمه أمين حسن عمر في معرض نقده لخطابات التطرف. إذ إن إجابات الشيخ، بالنظر إلى أسلوبها واستشهاداتها، تبدو وكأنها ليست للواقع الذي نعيش فيه.
ومثالنا هنا جواب الشيخ للسؤال رقم 21: “النصارى الموجودون الآن، هل هم معاهدون؟”، فقد جاءت إجابته:
(المعلوم من أحكام الإسلام التي دلت عليها نصوص الشرع وأقوال أهل العلم أن الكفار ـ في الجملة ـ على قسمين:
القسم الأول: أهل حرب، وهؤلاء دماؤهم وأموالهم حلال.
والقسم الثاني: أهل عهد، وهذا شامل للكفار الذميين والمعاهدين والمستأمنين، وهؤلاء تحرم دماؤهم وأموالهم لأنهم أهل عهد).
ثم أورد الشيخ تفاصيل كثيرة عن: من هم الكفار الحربيون؟ ومن هم الكفار الذميون؟ ومن هم الكفار المعاهدون؟ ومن هم الكفار المستأمنون؟ وكيفية التعامل مع كل صنف منهم، ويمكن الرجوع إليها في الصفحات 77، 78، 79، 80، 81، 82 من الكتاب.
وسنلاحظ أن الإجابات لا تعبر عن مواطنة متساوية، ولا تنشغل بما جاء في وثيقة الحقوق في دستور 2005. ومع هذا، نجد أنها مثلت خطوة في المواجهة الفكرية للتطرف والتطرف العنيف، فقد كشفت عن الطريقة التي يفكر بها هؤلاء الشباب، وعن الأسئلة التي تشغلهم، كما اختبرت ـ وبشكل غير مباشر ـ الكثير من مسلمات الفكر السلفي في قضايا الدولة والمجتمع، وفي حقوق غير المسلمين، وفي مسائل البراء والولاء وتكفير المسلمين وغيرها.
وكمثال، إليك إجابة الشيخ للسؤال رقم 8، والذي نصه:
“ما حكم قيام الدولة على نظام الديمقراطية الكفري؟”
يقول الشيخ، في الصفحات 29، 30، 31:
(فالديمقراطية، إذا كانت بالمعنى الفلسفي الغربي للكلمة، وهي حكم الشعب بالشعب، أي أن ما رآه الشعب حسنًا حُكم به ولو عارض حكم الله، فلا شك أنه معنى كفري لا يحل لمسلم اعتقاده ولا العمل به. أما إذا كان المراد من هذه اللفظة أن يكون للشعب الحق في اختيار حكامه ومحاسبتهم، وأن يُحال بين الناس والاستبداد المستلزم إهدار كرامتهم وتضييع حقوقهم، فكل هذه معانٍ شرعية معتبرة).
إلى أن يقول:
(… وهذا النظام الإسلامي، الذي هو أعدل الأنظمة وأوسطها، معدوم الآن فيما نعلم، ولا وجود له في بلاد المسلمين عامة، والناس بين خيارين فقط: بين النظام الاستبدادي الذي يصادر كل الحريات ولا يقبل النقد، ولا يمكن الرقابة على تصرفاته، ويصادر قيم الشعب وممتلكاته، فيصرفها هو فيما أراد من مصالح، وإذا قدم منها خدمة لشعبه يمنّ بها عليه، ويؤثر بها بعض الناس على بعض في مقابل شراء الضمائر ونحو ذلك، ونظام آخر ديمقراطي، وهو الطرف البديل، يصل فيه الناس إلى حرياتهم وحقوقهم، وتقام فيه الرقابة على الحاكم، ويشارك الناس في اختياره، ويقع فيه التناوب السلمي على الحكم عن طريق الأصوات وثقة الناس، وعن طريق الإقناع بالبرامج المقدمة. وهذا النظام قد رضيت به جماعات إسلامية كثيرة، لا لأنه النظام الأمثل، بل من باب ارتكاب أدنى المفسدتين تجنبًا لأعلاهما، ولأن النظام الاستبدادي مخالف للشرع من كل وجه، والنظام الديمقراطي ـ على عجره وبجره ـ مخالف للشرع من بعض الوجوه فقط، فمن اختاره أو دعا إليه في مثل الظروف التي يعيشها المسلمون الآن فهو معذور، وقد قال النبي ﷺ: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم”).
كما تلاحظون، فإن الإجابة أفاضت في ذكر مساوئ النظام الاستبدادي ومحاسن النظام الديمقراطي، وبلغة معاصرة جدًا، وفي الوقت نفسه تشككت في النظام الديمقراطي واعتبرته مفسدة أقل من الاستبداد، وهو ما يُعد تفكيكًا للفكرة الرافضة للديمقراطية جملةً وتفصيلًا، كما أنها أبانت لهؤلاء الشباب أن في التجربة الإنسانية ما يتفق مع الإسلام.
خاتمة
قيمة هذه الإصدارة تكمن في تأكيدها على أهمية الحوار، وأنه الوسيلة الأمثل لاختبار الأفكار، وفي إشارتها إلى الفضاء الضيق الذي يتحرك فيه المتطرف.