وطن واحد أو فوضى بلا نهاية 

حيدر المكاشفي 

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، وفي الوقت الذي تتكاثر فيه مشاريع التشظي وتعلو فيه أصوات الكراهية والانقسام، تبرز مبادرة مجموعة الأعلام البيضاء وهي تطلق حملتها الوطنية الكبرى تحت شعار (وطن واحد..السودان يوحدنا والانقسام يفرقنا)، كصرخة وطنية شجاعة في وجه كل من يحاول العبث بوحدة السودان أو تحويله إلى جغرافيا ممزقة تتنازعها المليشيات والمصالح الإقليمية والدولية.. إن هذه المبادرة ليست نشاط عابر أو بيان للاستهلاك الإعلامي، بل تعكس وعياً وطنياً عميقاً بخطورة المرحلة، وإدراكاً حقيقياً بأن السودان يقف اليوم أمام أحد أخطر المنعطفات في تاريخه الحديث، فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى بوابة مفتوحة لمشاريع التفكيك وإعادة رسم الخرائط على حساب الدم السوداني. ولقد أصابت المبادرة كبد الحقيقة حين تحدثت بوضوح عن وجود قوى داخلية وإقليمية تستثمر في الفوضى وتسعى إلى تقسيم البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي خدمة لمصالح ضيقة. فكلما طال أمد الحرب، تمددت سوق الكراهية، ووجد دعاة الانفصال والتقسيم فرصتهم الذهبية لتسويق أوهام الدويلات والكانتونات المسلحة. وكشفت المبادرة إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الرصاص، بل محاولات قتل فكرة الوطن نفسها. فحين يتحول الانتماء القبلي أو الجهوي إلى بديل عن الهوية الوطنية، وحين تصبح لغة التخوين والإقصاء أعلى من صوت العقل، يكون الوطن كله على حافة الهاوية. ومن هنا تأتي أهمية حملة (وطن واحد) باعتبارها مشروع مقاومة وطنية ضد الانهيار الشامل، ومحاولة لإعادة التذكير بجوهر ثورة ديسمبر التي خرج السودانيون فيها مطالبين بدولة الحرية والسلام والعدالة، لا بدويلات الخوف والاحتراب الأهلي. إن وحدة السودان ليست شعاراً رومانسياً، بل شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها. فالتجارب حولنا تؤكد أن التقسيم لا يصنع السلام، بل يفتح أبواباً لا تنتهي للحروب والنزاعات والدمار. وكل دولة تفككت تحت دعاوى الإنقاذ أو الحماية تحولت لاحقاً إلى ساحات صراع دائم وتدخل أجنبي وفوضى بلا نهاية. وإذا كان من حق الناس أن يختلفوا سياسياً، لكن ليس من حق أحد أن يغامر بوحدة البلاد أو يتعامل مع الوطن كغنيمة حرب. السودان أكبر من الجنرالات، وأبقى من المليشيات، وأعمق من الحسابات الحزبية الضيقة. إن الرسالة الأهم التي تطرحها مبادرة الأعلام البيضاء هي أن معركة السودانيين الحقيقية اليوم ليست فقط وقف الحرب، بل وإنقاذ فكرة السودان نفسها. ولذلك فإن الاصطفاف خلف مشروع وطني جامع أصبح ضرورة وجودية لا ترفاً سياسياً. والمطلوب الآن من القوى السياسية والمدنية والنخب الثقافية والإعلامية أن ترتقي إلى مستوى الخطر، وأن تتوقف عن المناورات الصغيرة والخطابات المسمومة، وأن تدرك أن التاريخ لن يرحم من ساهموا بالصمت أو التواطؤ أو التحريض في تفكيك هذا الوطن. وسيظل السودان وطناً واحداً بإذن الله وستسقط كل مشاريع التقسيم لأن الشعوب الحية قد تنكسر لكنها لا تموت، ولأن الأوطان التي سقيت بدماء أبنائها لا يمكن أن تتحول إلى خرائط للبيع في مزادات السياسة والحرب..والتحية لمبادرة الأعلام البيضاء التي أحسنت برفعها عالياً شعار (وطن واحد)، لأن اللحظة لم تعد تحتمل الرماديات. إما دولة موحدة تتسع للجميع، أو فوضى شاملة لن ينجو منها أحد.. 

وبهذه المناسبة اذكر ان أحد أقربائي كان عند بداية الحرب (بلبوسيا) على السكين، وعبثا كنت أحاول اقناعه بأن لا خير يرجى من الحرب بل هو الدمار والخراب والخير كل الخير في ايقافها، وظل قريبي هذا على (بلبسته) على مدى نحو ستة أشهر، كانت خلالها داره الفخيمة بضاحية شرق النيل قائمة لم يطالها أي أذى ولم يمسسها سؤ ولم يخسر شيئا من أملاكه، ورغم أني كنت أنبهه بأن داره وأملاكه لن تسلم من الخراب وسيطالها الدمار و(الشفشفة) يوما ما طالما استمرت هذه الحرب، ولكن رغم تحذيري له ظل على ضلال (بلبسته)، الى أن جاء ذلك اليوم الذي هجمت فيه المليشيا والشفشافة على داره ولم تبق فيها (نفاخ النار)، وتم الناقصة طيران الجيش الذي أخطأ تمركزات المليشيا ودمر جزءا كبيرا من الدار وأحالها الى رماد، ومن يومها (عرف صاحبنا أن الله حق وأن الحرب لعنة) وتخلى صاحبنا عن البلبسة وأصبح من أكبر لاعني الحرب والمطالبين بايقافها، واليوم بحمد الله أدرك الكثير من البلابسة عبثية الحرب وعدميتها وتبينوا رشد السلام من غي الحرب، وحكاية قريبي ومن كان بلبوسيا على شاكلته و(انشق) عن البلابسة وانضم الى ركب السلام، هي حكاية جحا التي تنطبق على كل البلابسة الذين مازالوا مغيبين مخمومين من قطيع (السواقة بالخلاء)، فعندما قيل لجحا حسب الرواية وهو بعيد عن بيته لقد شبت النارفي قريتك يا جحا، وعليك أن تعود لتساعد الناس على إطفائها. قال جحا بيني وبين ناسها خلاف قديم، لا شأن لي بهم. المهم أن الحي الذي أسكنه في أمان. ثم جاء من يقول له النار وصلت إلى حيّك يا جحا، فأجاب لست معنيًّا به، حي بائس ومُتخلِّف، المهم بيتي. وفي الطريق أخبره أحدهم أن النار امتدت الآن إلى بيتك. لم يتردّد جحا كثيرا، فقال لمُخاطبه بيت متهالك، ليس خسارة. المهم رأسي وما عداه لا يعنيني. لكن ما سكتت عنه الحكاية، هو أنه عندما جاء من يقول لجحا إن النار شبت في رأسك، كان كل شيء قد انتهى..منذ الأيام الأولى للحرب، كان واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة فيما عدا مشعلي الحرب من الكيزان وفلولهم والمستفيدين من نظامهم وقيادات الجيش المختطف، أن تطاول أمد هذه الحرب سيؤدي لنتائج كارثية مهلكة على البلاد والعباد، وأن كل يوم يمر على الحرب يعني المزيد من الخراب والدمار والضحايا وتوسع رقعة الحرب وجغرافيتها، وهذا ما حدث بالفعل الى أن وصلت الكارثة الآن إلى ما يهدد وحدة البلاد وينذر بتقسيمها و تفتيت كيانها الحالي..فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات حسوماً أضحى خطر تفكيك البلاد وتقسيمها ماثلاً، تجسده مجموعة من سياسات حكومة الامر الواقع، وتغذية جملة من الممارسات يأتي على رأسها خطاب الكراهية الجهوي والعنصري الذي أحدث زلزلة في النسيج الإجتماعي بما يهدد الوجدان الوطني والتماسك المجتمعي والسلام الاجتماعي بالتدابر والتباغض والتباعد والانقسام، وعززت هذا الخطر الماحق وجعلته واقعاً معاشاً، ما اتخذته سلطة الأمر الواقع من سياسات مقصودة، تمثلت في قرار تغيير العملة الذي فرض على الولايات التي تقع تحت سيطرة الجيش التعامل بعملة مختلفة عن تلك التي يتم تداولها في مناطق سيطرة الدعم السريع. وكذلك كان قرار إجراء إمتحانات الشهادة السودانية في الولايات التي يسيطر عليها الجيش وعدم قيامها في الولايات التي يسيطر عليها الدعم السريع، إضافة إلى عدم إستطاعة قطاعات واسعة من الشعب السوداني إستخراج الأوراق الثبوتية، بل وحرمان البعض منها لأسباب سياسية وجهوية، وقد أدت هذه السياسات الممنهجة والمتعمدة إلى تكريس الانقسام القائم أصلاً بسبب الحرب التي تقاسم فيها طرفيها السيطرة على أجزاء البلاد، فقد قسمت الحرب السودان إلى جزئين، جزء تحت سيطرة ونفوذ قوات الدعم السريع، وجزء آخر تحت سيطرة ونفوذ الجيش، في تجسيد عملي على الأرض لما يسمى دولة النهر والبحر أو قل النسخة المحدثة والمطورة لما يعرف بمثلث حمدي، وأصبحت المناطق تحت سيطرة الدعم السريع تتبع لها بالكامل عسكرياً وإدارياً، وشكلت فيها حكومة موازية هي ما يعرف بحكومة تأسيس وانشأت مجالس للحكم، وقد مثلت هذه الخطوات البداية الفعلية لتقسيم البلاد، ولا تتقاسم قوات الدعم السريع والجيش السوداني المناطق في السودان لوحدهما، فهناك فصائل مسلحة تشاركهما السيطرة والنفوذ، فهناك الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها عبد العزيز الحلو، وتسيطر على مناطق واسعة في ولاية جنوب كردفان، وايضاً تسيطر حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور على عدد من المناطق في إقليم دارفور. ولو استمر هذا الحال مع استمرار الحرب ربما يؤدي لانقسام السودان ليس فقط لدولتين بل عدة دويلات وربما لمشيخات وسلطنات، فبلادنا تعاني أساساً من هشاشة بائنة في وحدتها الوطنية ولحمتها القومية، ولا أجدني مبالغاً إذا قلت أننا من نسمي أنفسنا سودانيين ونعيش على هذه الأرض المسماة السودان، مازلنا أمة تحت التكوين ووطن تحت التأسيس ودولة لم تتأسس بعد على أسس الدولة الحديثة، وينتظرنا الكثير على هذا المسار الشاق، ولكن للأسف بدلاً من أن تتجه العزائم لإنجاز هذا الهدف الكبير، إذا بهذه الحرب اللعينة تزيدها ضعفاً وتمزقاً بإعادتها إلى تقسيمات المستعمر، الذي قسم البلاد على نهج (فرق تسد) إلى ديار للقبائل حتى تسهل له السيطرة على كل قبيلة على حدة، فكانت هناك دار داجو، دارتنجر، دار ميدوب، دار زغاوة، دار كبابيش، دار حمر، دار مسيرية، دار برتي، داربرقد، دار مساليت، الخ الخ، ومثل هذا التقسيم الاستعماري الذي سارت على نهجه (الانقاذ) المدحورة، وتكرسه الآن هذه الحرب العبثية يهزم تماماً مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي عرفها العالم وترسخت خلال القرون الأخيرة، وهو مفهوم يقوم على فكرة أن الدولة كيان ضروري لحياة البشر، وأنها تبنى على أساس فكرة جوهرية هي أن الدولة لكل مواطنيها دون تمييز بينهم على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو المستوى الاجتماعي أو المذهب أو أي تباين في أي من الصفات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبلادنا وفقاً لهذا المفهوم العصري الحديث، ملك لكل السودانيين، وكل جزء فيها متاح لإقامة وعمل وتملك أي سوداني وسودانية دون تمييز بسبب القبيلة أو العرق أو النوع أو الدين.. إن حاجة بلادنا الضرورية والملحة اليوم، هي لتكوين الأمة الواحدة وتأسيس الوطن الواحد وبناء الدولة الحديثة، وأن تتوحد كل الجهود وينصرف الكل بالكلية لاداء هذا الواجب المقدس، الذي يحتاج إلى تضافر الجميع وتناغمهم بلا أي نشاز ودون أن يشذ أحد، وهل مثل هذه الغاية الكبرى ستكون موضع خلاف وتنازع، ومن هذا الذي سيجادل ويصارع في أمر بناء وطن متماسك وتأسيس دولة قوية ناهضة وفتية..المؤكد أن لا أحد يغالط في هذا الواجب المقدس ولا يتخلف عنه إلا متخلف ومن يعملون الآن عامدين على إعادة البلاد إلى عهود المشيخات والسلطنات..

Exit mobile version