*المأزق الإريتري وخيار إثيوبيا* 

 *بقلم محمد رافي أبارايا* 

 _نائب المدير التنفيذي لمعهد الشؤون الخارجية في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية_ 

في العلاقات الدولية، لا تختار الدول جيرانها، فالجغرافيا هي المصير. لكن ما يمكن للدول اختياره هو كيفية تعاملها مع هؤلاء الجيران، سواء بالتعاون في بناء جوار مشترك أو بتقويضه من خلال العداء والريبة. الخيار الاستراتيجي لإثيوبيا واضح: إنه الازدهار المشترك. وعليه، تسعى إثيوبيا إلى بناء منطقة في القرن الأفريقي تدعم النمو المشترك، والتكامل الاقتصادي الإقليمي، والاستقرار طويل الأمد. إلا أن من أبرز العقبات التي تعترض سبيل تحقيق هذه الرؤية موقف وسياسة الحكومة الإريترية.

على مدى العقدين الماضيين، سجلت إثيوبيا معدل نمو اقتصادي سنوي متوسطًا يتجاوز 8.5%. وتتوقع المؤسسات المالية الدولية استمرار هذا الزخم، مع تقديرات نمو تتجاوز 9% في العام المقبل. وتعقد إثيوبيا العزم على الحفاظ على هذا النشاط الاقتصادي لتلبية الاحتياجات التنموية لسكانها الذين يزيد عددهم عن 130 مليون نسمة. فالازدهار ليس مجرد طموح، بل هو ضرورة وجودية. ومع ذلك، فإن مجموعة من التحديات تُعقّد هذا الطموح، ومن أبرز هذه التحديات سلوك الحكومة الإريترية.

على المدى القريب، يتجلى هذا التحدي من خلال تدخل إريتريا الفعال في الشؤون الداخلية لإثيوبيا. ويتخذ هذا التدخل أشكالاً متعددة، أخطرها الدعم العسكري واللوجستي والمالي للجماعات المسلحة والمتمردة العاملة داخل إثيوبيا، ولا سيما جبهة تحرير شعب تيغراي. إن هوس إريتريا بالسياسة الداخلية الإثيوبية لافت للنظر. فالتعليقات العلنية المتكررة للمسؤولين الإريتريين حول الديناميات السياسية الداخلية لإثيوبيا توحي بأنهم شخصيات معارضة ساخطة لا قادة دولة مجاورة ذات سيادة. وبينما قد يُنظر إلى هذا الخطاب على أنه غريب أو حتى مثير للسخرية، لا يمكن تجاهل الدعم المادي المقدم للجماعات المسلحة بهدف صريح هو زعزعة استقرار إثيوبيا. وقد ظل هذا نمطاً سائداً لفترة طويلة. والأكثر إثارة للقلق هو دور إريتريا في دفع الفصائل المتشددة في جبهة تحرير شعب تيغراي إلى التراجع عن اتفاقية بريتوريا للسلام، وهو ما يمثل تصعيداً خطيراً. وقد رفع هذا السلوك إريتريا من كونها متشككة سلبية في العلاقات الطبيعية مع جيرانها إلى مُخربٍ فاعل للسلام الهش أصلاً. ويزداد الأمر تعقيداً بسبب حقيقة أن القوات الإريترية تعمل داخل الأراضي الإثيوبية وتحتلها.

إلى جانب هذه المخاوف المباشرة، يبرز تحدٍّ أكثر أهمية على المدى المتوسط: رفض إريتريا الوفاء بتعهدها بالسماح لإثيوبيا بالوصول إلى ميناء عصب. يتطلب استدامة النمو الاقتصادي السريع لوجستيات فعّالة، وطرق تجارية متنوعة، ووصولاً موثوقاً إلى المنافذ البحرية. بالنسبة للمناطق الداخلية الإثيوبية، يُعدّ ميناء عصب، جغرافياً وتاريخياً، الطريق الأمثل والأكثر فعالية من حيث التكلفة إلى البحر. إن استمرار إريتريا في حصار هذا الميناء – مدفوعاً على ما يبدو بالحقد أكثر من الحسابات الاقتصادية أو السياسية العقلانية – يُقيّد خيارات إثيوبيا بشكل كبير. وهناك أيضاً ما يدعو للاعتقاد بأن الرئيس أسياس يُقوّض عمداً جدوى الميناء لحرمان شبابه من الفرص، إذ إن الوصول إلى الطرق البحرية من شأنه أن يُسهّل هجرة أعداد كبيرة منهم من إريتريا. وبينما تُدافع إثيوبيا باستمرار عن ترتيبات بحرية ولوجستية مُتبادلة المنفعة، تُصرّ إريتريا على سياسة تتسم بالعداء والمواجهة، بما في ذلك استخدام الوكلاء.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو خطر طويل الأمد يلوح في الأفق ويتجاوز حدود إثيوبيا: مستقبل الدولة الإريترية في حقبة ما بعد أسياس. فالرؤساء، حتى الرؤساء مدى الحياة، بشرٌ فانون. وفي معظم الدول، يؤدي موت رئيس الدولة أو رحيله إلى تفعيل إجراءات دستورية تضمن الاستمرارية والاستقرار. إلا أن إريتريا تفتقر إلى الضمانات المؤسسية الأساسية اللازمة لانتقال سلس للسلطة. فلا دستور فعّال، ولا برلمان، ولا خليفة مُعيّن. لقد تحوّلت دولة نالت استقلالها بآمال عريضة إلى دولة جوفاء بفعل عقود من الحكم الفردي.

بدأت العواقب تظهر جلياً. فقد فرّت قطاعات واسعة من سكان إريتريا عبر طرق هجرة محفوفة بالمخاطر، مما أدى إلى واحدة من أكبر موجات النزوح في العصر الحديث. وقد تنذر الاشتباكات العنيفة بين جاليات إريتريا في الخارج بالفوضى الداخلية التي قد تندلع بمجرد تنحي الرئيس عن السلطة. إن عقوداً من التسلح المفرط والصدمات الجماعية تجعل الانتقال السلمي للسلطة أمراً مستبعداً للغاية. هذا الفراغ المؤسسي يجعل إريتريا عرضة لجماعات متطرفة انتهازية تنشط في المنطقة، بما في ذلك منظمات مثل حركة الشباب وداعش. إن ظهور حزام متصل من عدم الاستقرار يمتد من منطقة الساحل عبر السودان وإريتريا إلى اليمن سيكون له عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي وعلى ممر البحر الأحمر الاستراتيجي.

بالنسبة لإثيوبيا، التي تشترك في حدود مع إريتريا تمتد لأكثر من ألف كيلومتر وتستضيف أكبر عدد من اللاجئين الإريتريين، يُعدّ هذا السيناريو مثيراً للقلق البالغ. مع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذا الأمر على أنه شأن إثيوبي بحت. فتدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة، واحتمال ترسيخ وجود جماعات مسلحة غير حكومية على طول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ينبغي أن يُثير قلق جميع الأطراف المعنية في البحر الأحمر والأمن العالمي.

ما العمل إذن؟ لا توجد حلول سريعة أو سهلة. مع ذلك، فإن الخطوة الأولى نحو أي حل دائم هي تشخيص صادق للمشكلة. بالنسبة للمراقبين عن كثب للشأن الإريتري، تتضح القضية الأساسية بشكل متزايد: قيادة لا تُبدي اهتمامًا حقيقيًا برفاهية شعبها أو تنميته أو مستقبله. لا يُمكن توقع أن تسعى قيادة تفتقر إلى رؤية بناءة في الداخل إلى التعاون في الخارج. مستقبل إريتريا رهينة لنخب متقدمة في السن عالقة في سرديات عفا عليها الزمن تعود إلى القرن العشرين.

لا تزال إثيوبيا على استعداد للعمل مع الإريتريين، ومع أصدقاء إريتريا، من خلال الحوار والتواصل لتجاوز هذه التحديات. ويمتد هذا الاستعداد ليشمل التواصل مع القيادة الإريترية الحالية سعياً إلى حل سلمي ودبلوماسي للتوترات بين البلدين. فالإثيوبيون والإريتريون تربطهم الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية العميقة، وهذا واقع لا يمكن تغييره. أما ما يمكن اختياره فهو كيفية تعامل كلا المجتمعين مع إرث ماضيهما المضطرب. وخيار إثيوبيا، ولا سيما لجيلها الحالي، هو مستقبل قائم على التعاون والتكامل الاقتصادي المؤسسي. ويتطلب تحقيق ذلك مواجهة انعدام الثقة والمظالم من خلال حوار مستمر. وتتمثل الخطوة الأولى الضرورية نحو إعادة بناء الثقة في أن تكف الحكومة الإريترية عن التدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا وأن تسحب قواتها من الأراضي الإثيوبية.

عندها فقط يمكن أن تقترب منطقة القرن الأفريقي من أن تصبح منطقة لا تحددها العداوة، بل الازدهار والاستقرار المشترك.

المصدر: Horn Review

Exit mobile version