
عثمان يوسف خليل
عندما اقترحنا إلغاء الامتحان، لم يكن ذلك بدافع التمرد على النظام التعليمي بقدر ما كان بحثاً عن عدالة أكبر، وتخفيفاً للعبء عن الأطفال. كنا نرى في الامتحان، بصورته الحالية، عبئاً نفسياً يفوق أحياناً قدرته على قياس الفهم الحقيقي.
لكن، ومع إعادة النظر، بدا لنا أن المسألة ليست بهذه البساطة. فإلغاء الامتحانات لا يعني بالضرورة حل المشكلة، بل قد يخلق فراغاً في قياس مستوى التعلم. القضية، في جوهرها، ليست في وجود التقييم، بل في فلسفته وطريقته.
تخفيف ضغوط الامتحانات لا يتحقق بإلغائها، بل بإعادة تعريفها. أن ننتقل من امتحان يقيس الحفظ، إلى تقييم يكشف الفهم، ويختبر القدرة على التفكير وحل المشكلات.
يمكن تحقيق ذلك عبر مسارات متعددة:
أولاً، اعتماد التقييم المستمر، بحيث لا يصبح مصير الطالب مرهوناً بيوم واحد. توزيع الدرجات على أنشطة متنوعة خلال العام—من واجبات ومشاركات ومشاريع واختبارات قصيرة—يمنح صورة أدق وأكثر عدلاً عن مستوى الطالب، ويكسر رهبة الامتحان.
ثانياً، تنويع أساليب التقييم. لم يعد كافياً أن يُسأل الطالب عما يحفظ، بل الأجدر أن يُسأل كيف يفكر. الأسئلة التطبيقية، الحالات العملية، والتقييمات التي تحاكي الواقع، كلها أدوات تجعل التعلم أكثر عمقاً وحيوية.
ثالثاً، التركيز على مهارات حل المشكلات. حين نربط المعرفة بالحياة اليومية، وندرب الطالب على التفكير النقدي واتخاذ القرار، فإننا نخرّج عقلاً قادراً، لا ذاكرة ممتلئة.
رابعاً، تقليل الاعتماد على الحفظ، عبر مناهج تُبنى على الفهم، وامتحانات تسمح بالتحليل، بل وحتى باستخدام الكتاب المفتوح، حيث تكون القيمة في كيفية استخدام المعلومة لا في استظهارها.
خامساً، الاهتمام بالصحة النفسية للطلاب. فالبيئة الآمنة التي تسمح بالخطأ والتجربة، وتخفف من رهبة التقييم، تصنع متعلماً أكثر ثقة واستقراراً.
سادساً، دور المعلم، الذي يجب أن يتحول من ناقل للمعلومة إلى ميسر للتعلم، يقدم تغذية راجعة مستمرة بدلاً من حكم نهائي قاسٍ.
وأخيراً، يجب مراعاة الفروق بين المراحل التعليمية: في الأساس يكون التعلم باللعب والملاحظة، وفي الثانوي بالمشاريع والنقاش، وفي الجامعة بالبحث والتطبيق.
الخلاصة أن التقييم ليس عدواً للتعليم، بل جزء أصيل منه—إذا أُحسن تصميمه. وعندما يصبح التقييم امتداداً لعملية التعلم، لا نهايتها، يخف التوتر، ويزداد الفهم، ويتحول الطالب من حافظٍ للمعلومة إلى مفكرٍ قادر على التعامل مع الحياة