الجنرال البرهان.. ثمانية أعياد فوق أنقاض السودان

إبراهيم هباني 

الأربعاء المقبل، يدخل السودانيون عيدهم الثامن منذ إندلاع حرب 15 أبريل 2023.

ثمانية أعياد كاملة مرت على بلد كان يملك كل شيء تقريباً، قبل أن يتحول إلى واحدة من أكبر مآسي العالم المعاصر.

في البلدان الطبيعية، يأتي العيد برائحة المخبوزات، وازدحام الأسواق، وفرح الأطفال. أما في السودان، فقد صار العيد موسماً لتفقد المفقودين، وعد الناجين، والبحث عن قريب انقطعت أخباره تحت ركام مدينة، أو في معسكر نزوح، أو على حدود دولة مجاورة.

هذه ليست حرباً عادية، ولا مجرد صراع بين جنرالين. إنها لحظة انهيار دولة كاملة، بكل ما فيها من مؤسسات ومعنى وأمل.

قالوا إنها “حرب كرامة”.

لكن الحروب التي تحفظ كرامة الشعوب لا تنتهي بملايين اللاجئين والنازحين، ولا بمدن مدمرة، ولا بشعب صار موزعا بين المطارات والخيام وأرصفة الانتظار.

الحقيقة التي يهرب منها الجميع أن هذه الحرب اندلعت أساساً لأن الدولة القديمة شعرت بالخطر.

الاتفاق الإطاري، بكل ما عليه من ملاحظات، كان يعني شيئاً بالغ الخطورة بالنسبة للإسلاميين وشبكات النفوذ داخل الجيش والأمن: بداية نهاية السيطرة المطلقة على الدولة التي احتكروها منذ انقلاب 1989. وكان المطلوب إيقاف ذلك بأي ثمن.

فكان الثمن هو السودان نفسه.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يتحدث عن المستقبل.

الناس يريدون فقط النجاة.

كهرباء، ماء، دواء، طريق آمن، وسقف لا يسقط فوق رؤوس الأطفال.

أما الخطاب الرسمي، فلا يزال يتحدث عن “السيادة” و”المعركة الوطنية”، كأن السودانيين لا يرون الخراب بأعينهم.

والأكثر قسوة أن الحرب لم تدمر المدن وحدها، بل دمرت المعاني أيضا.

فبعض الذين خرجوا من رحم الثورة، وانتموا إلى خطاب المدنية والتغيير، انتهى بهم الأمر جزءا من سلطة الحرب نفسها.

يخرج أمجد فريد، الذي عمل مساعداً لمستشار رئيس حكومة الثورة عبد الله حمدوك، ليتحدث اليوم بصفته مستشاراً للبرهان عن “شروط” عودة القوى المدنية إلى البلاد.

أي مفارقة أكثر مرارة من هذه؟

كأن الذين فروا من القصف يحتاجون إلى إذن للعودة إلى وطنهم.

وكأن المشكلة كانت دائماً في المدنيين، لا في الذين حولوا السودان إلى ساحة خراب مفتوحة.

ثمانية أعياد مرت يا جنرال البرهان، والسودانيون لا يسألون من انتصر، لأن الجميع يعرف أن الوطن هو الذي هزم.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق هذه الحرب طويلاً:

إذا كان هذا كله باسم “الكرامة”… فكيف يكون شكل  الإهانة؟

Exit mobile version