
بقلم: صلاح الحبو
في عالمٍ تحوّل فيه الانتباه إلى سلعة، لم تعد الحروب تُدار بالسلاح وحده، بل بالصورة والخبروالإشاعة والتدفق الرقمي. فاقتصاد الانتباه، الذي يقوم على جذب التفاعل وتحويله إلى قيمة سياسية أو مالية، وجد في الحروب بيئة مثالية لإنتاج الخوف والغضب والاستقطاب، وهي أكثر المواد قابلية للاستهلاك الرقمي.
ومن هنا تبدو الحالة السودانية نموذجًا معقدًا للتداخل بين اقتصاد الحرب ورأسمالية الانتباه. فمنذ اندلاع الحرب، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل تحوّل إلى ساحة موازية للصراع؛ تُدار فيها المعارك عبر المقاطع القصيرة، والبث المباشر، والخطابات التعبوية، وحملات التضليل، حتى أصبح الوعي العام نفسه جزءًا من ميدان الحرب.
لقد أسهمت المنصات الرقمية في إنتاج حالة من «التعبئة الانفعالية»؛ حيث تتقدّم المشاعر الحادة على التفكير العقلاني. فالخوارزميات تكافئ المحتوى الأكثر إثارة، لا الأكثر دقة، مما جعل الحرب تُستهلك يوميًا بوصفها مادةً بصرية وانفعالية قابلة للتداول السريع. وهنا نشأت مفارقة خطيرة: كلما ازداد الخراب على الأرض، ارتفعت قيمة التفاعل داخل السوق الرقمي.
غير أن السؤال الجوهري هو: هل يخلق ذلك قيمة رأسمالية حقيقية أم يفاقم إنهاك الاقتصاد السوداني؟
من الناحية الرقمية، قد تنتج الحرب تدفقات مالية محدودة لبعض المنصات الإعلامية وصفحات التأثير وصناعة المحتوى، كما ترفع معدلات الاستهلاك الرقمي والإعلانات المرتبطة بالأحداث الساخنة. لكن هذه القيمة تبقى قيمةً طفيلية وغير منتجة، لأنها لا ترتبط بالإنتاج الزراعي أو الصناعي أو التنموي، بل تقوم على استهلاك الأزمة نفسها.
أما الاقتصاد السوداني الحقيقي، فقد ظل يدفع الثمن مضاعفًا. فالحرب لم تُنهك البنية التحتية فقط، بل أضعفت الثقة في السوق، وعطّلت الإنتاج، ودفعت رؤوس الأموال إلى الهروب، كما ساهمت في توسيع الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد المضاربات والندرة. وهنا يمكن توصيف الحالة بمصطلح «الاستنزاف الرقمي للحرب»؛ أي تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة عالية التداول دون أن ينعكس ذلك على أي قيمة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، نشأ ما يمكن تسميته بـ «الوعي المرهَق»؛ وهو وعي يتعرض يوميًا لتدفقات كثيفة من الأخبار والصور والانفعالات، حتى يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والتعبئة النفسية. ومع الوقت يصبح المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب وأقل قدرة على بناء توافقات عقلانية للخروج من الأزمة.
إن أخطر ما تفعله الحروب الحديثة ليس فقط تدمير الاقتصاد، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق منطق الصدمة المستمرة. لذلك فإن السودان لا يواجه أزمة موارد فحسب، بل أزمة إدراك أيضًا؛ حيث أصبح الانتباه الوطني نفسه موزعًا بين الخوف والإشاعة والغضب، بدلًا من أن يتجه نحو إعادة بناء الدولة والاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبدو الحرب رابحة داخل اقتصاد الانتباه، لكنها خاسرة تمامًا داخل الاقتصاد الحقيقي. فالتفاعل الرقمي قد يصنع ضجيجًا واسعًا، لكنه لا يبني مصنعًا، ولا يزرع حقلاً، ولا يعيد إعمار مدينة. ولذلك فإن أي مشروع لإنقاذ الاقتصاد السوداني لا بد أن يبدأ أيضًا باستعادة الوعي من قبضة الضجيج الرقمي، وإعادة الاعتبار للعقل النقدي والمعرفة الرصينة بوصفهما شرطًا للخروج من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الحياة.
هامش المفاهيم
رأسمالية الانتباه:
نظام اقتصادي يقوم على تحويل انتباه الإنسان وتفاعله الرقمي إلى قيمة مالية أو سياسية.
الاستنزاف الرقمي للحرب:
تحويل الحروب والأزمات الإنسانية إلى محتوى عالي التداول يحقق تفاعلًا رقميًا دون إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية.
الوعي المرهَق:
حالة ذهنية تنتج عن التعرض المستمر للأخبار والانفعالات والصدمات الرقمية بما يضعف القدرة على التفكير النقدي.
المراجع والمصادر
[1] The Shallows.
[2] تقارير الاقتصاد الرقمي العالمي – Statista & World Economic Forum.
[3] تقارير عن اقتصاد الحرب والتحول الرقمي في النزاعات – United Nations Development Programme (