السودان ..حين تتقدم المأساة على السياسة…

حاتم أيوب أبو الحسن

 حاتم أيوب أبو الحسن 

في السودان اليوم، لم تعد الأسئلة الكبرى تدور حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يستطيع البقاء حيًا فوقها. الحرب التي اندلعت 

تجاوزت كونها صراعًا على السلطة، لتتحول إلى واقع إنساني قاسٍ يسبق السياسة بخطوات، ويعيد تعريف الأولويات: الماء قبل الحكم، الغذاء قبل الشرعية، والأمان قبل الدولة.

المشهد القريب لا يوحي بانفراج سياسي حقيقي، بل بانحدار تدريجي نحو شكل جديد من “اللا دولة”. في مدن عدة اليوم لم تعد خطوط القتال هي أخطر ما يواجه السكان، بل الفراغ الذي تتركه الدولة حين تختفي: مستشفيات بلا دواء، مدارس بلا طلاب، وأسواق تتحكم فيها الندرة لا القوانين. ما يحدث ليس فقط انهيار خدمات، بل انهيار معنى الحياة اليومية نفسها.

الواقع  يفرض الاعتراف ويترك سؤال ؟

 من يملك القدرة على حسم الصراع في المدى القريب. هذا العجز لا يقود تلقائيًا إلى السلام، بل غالبًا إلى ما هو أسوأ: حرب طويلة منخفضة الحدة، لكنها عالية التأثير على المدنيين. ومع كل يوم إضافي، تتآكل البنية الاجتماعية والاقتصادية، ويصبح إعادة بناء الدولة أكثر كلفة وتعقيدًا.

في هذا السياق، تتحول مناطق واسعة من البلاد، خاصة في دارفور، إلى مسارح لأزمات مركبة: نزاعات قبلية، انهيار أمني، وغياب شبه كامل لأي سلطة فعلية

 الخطر هنا لا يكمن فقط في استمرار العنف، بل في ترسخ أنماط محلية للحكم خارج إطار الدولة، وهو ما يفتح الباب أمام تفكك السودان بشكل  فعلي حتى دون إعلان رسمي.

إقليميًا، لا يبدو أن هناك إرادة حاسمة لفرض تسوية عاجلة، رغم تحركات من دول عديدة من الجوار والاقليم  وتدخلات عبر الأمم المتحدة. لكن هذه الجهود، حتى الآن، أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها. السودان بالنسبة لكثير من الفاعلين الخارجيين اليوم  أصبح ملفًا يجب احتواؤه، لا أزمة يجب إنهاؤها فورًا.

الزاوية الأكثر قسوة في هذا المشهد هي أن الانهيار الإنساني لم يعد نتيجة للحرب فقط، بل أصبح عاملًا يغذي استمرارها. الجوع، النزوح، وانعدام الخدمات تدفع مزيدًا من الشباب إلى الانخراط في اقتصاد الحرب، سواء عبر القتال أو عبر شبكات التهريب والبقاء. وهكذا تدور الحلقة: الحرب تنتج الأزمة، والأزمة تعيد إنتاج الحرب.

أما القوى المدنية، التي قادت سابقًا ثورة ديسمبر 2018، فهي اليوم في وضع أضعف من أن تفرض مسارًا بديلًا. ليس بسبب غياب الرغبة، بل بسبب تفكك البنية التنظيمية وضغط الواقع الإنساني الذي يجعل الأولوية للبقاء لا للتغيير السياسي. ومع ذلك، يبقى هذا العامل هو الوحيد القادر—نظريًا—على كسر المعادلة الحالية إذا أعاد تنظيم نفسه.

المستقبل القريب، إذاً، لا يحمل مؤشرات على نهاية سريعة للحرب، بل على تحولها إلى حالة مزمنة. السودان قد يبقى موحدًا على الخريطة، لكنه عمليًا يتجه نحو تعدد مراكز السلطة وتفاوت حاد في مستويات الاستقرار بين مناطقه. شرق أكثر هدوءًا، غرب أكثر اضطرابًا، ووسط عالق في صراع مفتوح.

الخلاصة الصعبة هي أن السودان لا يقف اليوم على حافة الانهيار، بل يعيش داخله بالفعل. وما لم تُفرض تسوية سياسية برغبة الاطراف أو مدفوعة بضغط إقليمي حقيقي وإرادة داخلية

فان ما تبقى من الدولة سيتحول تدريجيًا إلى مجرد إطار شكلي يغطي واقعًا من الانقسام والتآكل.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: متى تنتهي الحرب؟

بل: كم سيتبقى من السودان عندما تنتهي؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى