أجيال السودان وإهدار التعليم (6)..هل يبدأ الخلاص من الفصل الدراسي؟

عثمان يوسف خليل

في هذه الحلقة السادسة من سلسلة «أجيال السودان وإهدار التعليم»، سوف نعود إلى ذات الجرح، لكن من زاوية أكثر إلحاحًا.

فالإحصائية التي نشرتها مجلة «أفق جديد» — والتي تشير إلى أن نحو 280 ألف طالب وطالبة من إقليمي دارفور وكردفان مهددون بضياع مستقبلهم الدراسي، وتشكل الفتيات منهم 65% — لا يمكن التعامل معها كرقم عابر في خبر، بل كحقيقة صادمة تختصر حجم الخسارة التي تتشكل بصمت.

خلال الحلقات الماضية، حاولنا أن نقترب من هذه الأزمة، لا بوصفها مشكلة تعليم فحسب، بل باعتبارها واحدة من أخطر مظاهر إهدار الإنسان السوداني. وضعنا أسئلة، وفتحنا نوافذ للفهم، وتركنا مساحة لقلق مشروع، لأن ما يحدث لا يحتمل التطمين الزائف.

أما اليوم، فنذهب خطوة أبعد، لنطرح السؤال الذي يحدد الاتجاه كله:

هل يمكن للتعليم أن يكون بداية نهضة لسودان جديد؟

الإجابة، ببساطة: نعم… ولكن. نعم، لأن أي حديث عن نهضة حقيقية، في أي مكان، يبدأ من التعليم. لا من الموارد، ولا من الشعارات، بل من الإنسان نفسه؛ من وعيه، وقدرته على الفهم، وعلى اتخاذ القرار. فالدول لا تُبنى بما تملكه فقط، بل بما تعرف كيف تستخدمه.

لكن هذه الإجابة تظل ناقصة، إن لم نسأل: أي تعليم نريد؟

فالتعليم الذي يمكن أن يصنع الفرق، ليس مجرد مقاعد دراسية، ولا مناهج تُحفظ وتُنسى، بل هو تعليم يعيد تشكيل الإنسان؛ يعلّمه كيف يفكر، لا ماذا يقول، وكيف يسأل، لا كيف يكرر.

ما نراه اليوم في دارفور وكردفان، حيث مئات الآلاف مهددون بالخروج من دائرة التعليم، ليس أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها لاحقًا، بل هو انقطاع في السلسلة التي تربط الحاضر بالمستقبل. وكل طفل يغادر المدرسة، هو خسارة تتراكم، لا تُعوّض بسهولة.

وتبقى المسألة أكثر إيلامًا حين نعلم أن النسبة الأكبر من هذا الفاقد هي من الفتيات. لأن تعليم البنت لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع كله. وحين تُحرم من هذا الحق، فنحن لا نفقد فردًا فقط، بل نفقد إمكانية تغيير أوسع كان يمكن أن يحدث. لهذا، فإن أول ما يجب الاعتراف به، أن التعليم في السودان لم يعد ملفًا خدميًا عاديًا، بل قضية وجود. إما أن نأخذها بجدية، أو نتحمل نتائج إهمالها لسنوات طويلة قادمة.

ومن هنا، لا يبدأ الحل من الخطط الكبرى فقط، بل من أبسط ما يمكن فعله: أن نُبقي الأطفال داخل المدارس. أن نحمي ما تبقى من البيئة التعليمية، وأن نعيد للمدرسة معناها كمساحة آمنة، لا كمكان هش يتأثر بكل اضطراب.

ثم يأتي الدور الأهم: المعلم. فلا إصلاح حقيقي دون معلم مؤهل، مستقر، ومقدَّر. أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، هي دوران حول المشكلة لا مواجهة لها. وبعد ذلك كله، نحتاج إلى إرادة ترى في التعليم مشروعًا وطنيًا طويل المدى، لا مبادرة مؤقتة تنتهي بانتهاء الظروف.

في النهاية، لا يبدو السؤال عن التعليم ترفًا فكريًا، بل سؤالًا مصيريًا يتعلق بشكل السودان الذي نريده، أو الذي سنجد أنفسنا فيه. فالأرقام التي بدأنا بها ليست هي مجرد إحصاءات، بل وجوهٌ غائبة عن الفصول، وأحلامٌ مؤجلة، وربما منسية. وكل تأخير في إنقاذ هذا الواقع، هو مشاركة — بشكل أو بآخر — في تعميق الخسارة.

النهضة ياسادتي لا تأتي دفعة واحدة، لكنها تبدأ حين نُدرك أن ضياع جيل كامل ليس قدرًا، بل نتيجة يمكن تغييرها. وضياع جيل

يعني ضياع امة..

وفي الحلقات القادمة، سنحاول ان نقترب أكثر من التفاصيل التي تُصنع داخل هذه الأزمة: من واقع تعليم البنات، إلى أثر النزوح والحرب، إلى الأسئلة الصعبة حول دور الدولة والمجتمع. لأن الحكاية، في جوهرها، ليست عن التعليم فقط… بل عن مستقبل وطن باكمله..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى