الترابي.. عراب الإرهاب الذي اختطف دولة فأسقط وطنا

بقلم : إبراهيم هباني
ليست هذه قراءة في سيرة رجل، بل في سيرة مشروع. فـ حسن الترابي لم يكن سياسيا عاديا، بل مهندس تجربة كاملة نقلت الإسلام السياسي في السودان من الهامش إلى قلب الدولة، ثم تركته يتآكل من الداخل حتى انهار على أصحابه وعلى البلاد.
بدأت القصة بانقلاب 1989، حيث لم يكن الهدف مجرد تغيير سلطة، بل إعادة تعريف الدولة نفسها. لم تعد المؤسسات كيانات مستقلة، بل أدوات ضمن مشروع تنظيمي مغلق. وهنا وقع التحول الأخطر: حين تدار الدولة بعقلية تنظيم، تفقد توازنها، وتتحول إلى ساحة صراع لا إطار استقرار.
في تسعينات الخرطوم، لم يكن السودان مجرد دولة تعاني عزلة، بل صار جزءا من شبكة أوسع، استضافت شخصيات وتنظيمات مطاردة، في مقدمتها أسامة بن لادن. لم تكن تلك الاستضافة تفصيلا عابرا، بل تعبيرا عن رؤية ترى في السودان منصة، لا وطنا فقط. وكانت النتيجة عزلة دولية، وعقوبات، وارتباط اسم البلاد بأحداث عنف هزت العالم.
غير أن الخطر الأكبر لم يكن في الخارج، بل في الداخل. مشروع التمكين أعاد تشكيل الاقتصاد لخدمة التنظيم، وحول الأجهزة الأمنية إلى أدوات ضبط، وأضعف مهنية الجيش لصالح الولاء. ومع مرور الوقت، لم تعد هناك دولة بالمعنى المؤسسي، بل شبكة مصالح متداخلة، تتغذى على السلطة وتخشى فقدانها.
حين اندلعت الأزمات لاحقا، لم تكن مفاجئة. فالدولة التي تبنى على الإقصاء لا تنتج إلا الانفجار. وما جرى من أحداث دامية، وصولا إلى الانهيار الكبير في أبريل، كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من تفكيك المؤسسات وبناء مراكز قوة موازية.
اليوم، مع تصنيف تنظيم الإخوان كمنظمة إرهابية، لا يعاد فقط توصيف جماعة سياسية، بل يغلق فصل طويل من الالتباس. فالقضية لم تكن يوما صراعا مع الدين، بل مع توظيفه في مشروع سلطة.
والسودان، بتجربته القاسية، قدم الدليل الأوضح على أن الخلط بين الدعوي والسياسي، وبين العقيدة والحكم، يقود في النهاية إلى إضعاف الاثنين معا.
هنا، تبرز المفارقة: الشعب الذي دفع الثمن، هو نفسه الذي كشف الحقيقة. لم تكن المواجهة شعارات، بل تجربة معيشة، قدم فيها السودانيون تضحيات جسام، وواجهوا نظاما متماسكا بالشجاعة والصبر. هذه ليست بطولة عاطفية، بل موقف تاريخي أعاد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة.
لقد حاول المشروع أن يعود بأشكال مختلفة، مستفيدا من الفوضى، لكن الفارق اليوم أن الوعي تغير. لم تعد الشعارات كافية، ولم يعد القناع صالحا. فالتجربة كشفت ما كان مخفيا، وأثبتت أن الدولة لا يمكن أن تدار كتنظيم، ولا أن تختزل في أيديولوجيا.
*الخلاصة*:
أن قصة دكتور الترابي ليست قصة صعود وسقوط رجل، بل قصة درس قاس لدولة وشعب. درس يقول إن اختطاف الدولة باسم الدين لا يقود إلا إلى نتيجة واحدة: إضعاف الدولة، وإرباك المجتمع، وفتح الباب أمام العنف.
أما السودانيون، فقد كتبوا فصلا مختلفا. دفعوا الثمن، لكنهم أيضا أعادوا تعريف الحقيقة.
*اعز الضحايا وثبت أن الحق ابلج*





