هل تفرض  التطورات الإقليمية هدنة على حرب الداخل؟ السودان بين جبهات تتجدّد وضغوط تتقاطع 

عثمان فضل الله
عثمان فضل الله

عثمان فضل الله 

تدخل الحرب في السودان طورًا أكثر تعقيدًا، ليس فقط بسبب طول أمدها، بل نتيجة تحوّلها إلى نزاع متعدد المسارات والجبهات. لم يعد الصراع محصورًا في مراكز السلطة التقليدية، بل أخذ طابعًا متحركًا يعيد تشكيل الجغرافيا العسكرية وفق ميزان القوة المتغير. في هذا السياق، يبرز التمييز بين الجبهات كعامل حاسم في فهم طبيعة المرحلة: فبينما تمثل كردفان امتدادًا لحرب قديمة لم تنطفئ جذوتها، تدخل النيل الأزرق المشهد بوصفها ساحة جديدة نسبيًا في إطار الحرب الحالية، ما يعكس انتقال الصراع من طور التمركز إلى طور الانتشار.

هذا التحول لا يعني فقط توسعًا جغرافيًا، بل يكشف عن إعادة توزيع للأدوار والفاعلين. في كردفان، تستند العمليات إلى إرث طويل من النزاع المرتبط بامتدادات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، حيث تتقاطع خطوط القتال القديمة مع حسابات الحرب الراهنة. أما في النيل الأزرق، فإن دخولها المباشر في معادلة الصراع يعكس محاولة لفتح جبهات جديدة، سواء لتخفيف الضغط عن مراكز القتال أو لإعادة رسم توازن القوى. هكذا، لم تعد الحرب خطًا مستقيمًا، بل شبكة متداخلة من النزاعات التي تتغذى على بعضها البعض، وتنتج واقعًا أكثر سيولة وخطورة.

تشابك الحروب

في موازاة هذا التمدد الميداني، يتشكل ضغط دولي متزايد يدفع نحو هدنة إنسانية، دون أن يرتقي بعد إلى مستوى فرضها. الخطاب الذي قُدمه كبير مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس في مجلس الأمن الدولي الجمعة يعكس إجماعًا نظريًا على استحالة الحسم العسكري، لكنه يصطدم بإرادة ميدانية لا تزال ترى في القتال أداة لتحسين الشروط. هذا التناقض بين الدبلوماسية والواقع يعيد إنتاج مأزق كلاسيكي: توافق دولي بلا أدوات تنفيذ، وأطراف محلية بلا حافز للتراجع. وبين الاثنين، تتآكل فرص الهدنة لصالح استمرار الحرب.

عجز دولي

غير أن العامل الأكثر تأثيرًا يتجاوز الداخل السوداني إلى الإقليم، حيث تلقي تطورات الصراع المرتبط بـ إيران بظلالها على المشهد. فمع تصاعد التوترات الإقليمية، يصبح السودان جزءًا من معادلة أوسع، تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية. هذا التداخل قد يدفع في اتجاهين متناقضين: إما تعميق الصراع عبر مزيد من الانخراط غير المباشر، أو فرض تهدئة مؤقتة لتفادي اتساع رقعة التوتر. في الحالتين، يفقد النزاع السوداني استقلاله النسبي، ليصبح رهينة حسابات خارجية تتجاوز حدوده.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: فبينما يزداد العنف على الأرض، تتزايد في المقابل الدعوات إلى هدنة إنسانية. لكن هذه الدعوات، حتى الآن، تظل أقرب إلى أدوات إدارة أزمة لا حلّها. فالأطراف المتحاربة لم تصل بعد إلى لحظة الإنهاك التي تدفعها للتنازل، كما أن الداعمين الإقليميين لم يحسموا خيارهم بين التصعيد والاحتواء. لذلك، تبدو الهدنة المحتملة إن حدثت، نتيجة ضغط خارجي ظرفي، لا تعبيرًا عن تحول داخلي حقيقي في مواقف الأطراف.

في هذا السياق، يتبلور ما يمكن تسميته بـ“المفترق الحاسم”. فهو ليس حدثًا منفردًا، بل لحظة توازن دقيقة بين استمرار الحرب وإمكانية كبحها. يتمثل هذا المفترق في خيارين متوازيين: إما أن يواصل طرفا الصراع الرهان على الحسم العسكري، مدفوعين بتقدمات ميدانية جزئية ودعم خارجي، ما يعني اتساع رقعة القتال لتشمل مزيدًا من المناطق وربما انزلاق البلاد إلى نموذج الحروب المفتوحة؛ أو أن تتكثف الضغوط الدولية والإقليمية إلى حدّ يجبر الطرفين على قبول هدنة إنسانية، ولو مؤقتة، تفتح الباب أمام مسار تفاوضي هش.

العامل الفاصل هنا ليس فقط ميزان القوة داخل السودان، بل موقع الصراع ضمن التوترات الإقليمية الأوسع. فإذا تصاعدت حسابات المواجهة المرتبطة بإيران، قد يُستخدم السودان كساحة إضافية للصراع، ما يرجّح كفة التصعيد. أما إذا اتجهت القوى الدولية نحو احتواء الأزمات المتزامنة، فقد تتحول الهدنة الإنسانية إلى ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار إنساني. وعليه، فإن مستقبل الحرب يتوقف على أي المسارين سيغلب: منطق الميدان، أم منطق الاحتواء.

في نهاية المطاف، لا يبدو السودان قريبًا من لحظة حسم، بل من لحظة إعادة تعريف للصراع نفسه. فالحرب التي بدأت كمواجهة على السلطة، تتجه تدريجيًا لتصبح نزاعًا متعدد المستويات، تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، والمصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية. وبين جبهات قديمة تتجدد في كردفان وأخرى تنفتح في النيل الأزرق، تتسع رقعة المجهول أكثر مما تتضح ملامح النهاية.

في هذا المشهد، لا تبدو الهدنة الإنسانية حلًا بقدر ما هي اختبار: اختبار لقدرة المجتمع الدولي على فرض إيقاع مختلف، واختبار لإرادة الأطراف في الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق التسوية. لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية على أن أياً من هذين الاختبارين قد حُسم.

ويظل السؤال:

هل تكون الهدنة—إن جاءت—بداية مسار يوقف الانهيار، أم مجرد استراحة قصيرة في حرب أطول؟

ورفقاً للمعطيات الماثلة على الأرض، لا تبدو الهدنة—إن تحققت—بداية مسار يوقف الانهيار بقدر ما تبدو أقرب إلى استراحة تكتيكية في حرب لم تنضج شروط نهايتها بعد. فميزان القوى بين طرفي الصراع ما يزال يُقرأ بمنطق التحسن التدريجي لا الإشباع العسكري، ما يعني أن فكرة “التوقف النهائي” لا تجد سندًا حقيقيًا في حسابات الميدان، سواء في كردفان ودارفور حيث تتواصل جبهات الاحتكاك التاريخية، أو في النيل الأزرق التي دخلت إلى الحرب حالياً ويعد دخولها حديثًا نسبيًا إذ أنها في السابق رغم وجود الحركة الشعبية فيها لكنه كان وجوداً محدوداً لذا لابد من وضع تطوراتها الأخيرة في دائرة الاتساع النشط للصراع.

استراحة محاربين

في هذا السياق، تبدو أي هدنة محتملة محكومة بمنطق الضرورة لا التحول والانحناء لا الاقتناع إذ أن الأطراف المتحاربة لا تُظهر حتى الآن مؤشرات على إعادة تعريف أهدافها السياسية أو العسكرية، بل على العكس، ما تزال تعتمد على تحسين مواقعها الميدانية كمدخل للتفاوض المستقبلي. وهذا يعني أن الهدنة—إن فُرضت—ستُستخدم غالبًا لإعادة التموضع، وإعادة الإمداد، وامتصاص الضغط الإنساني والدولي، أكثر من كونها خطوة نحو تسوية نهائية.

كما أن البعد الإقليمي، المتقاطع مع توترات أوسع مرتبطة بـ إيران، لا يدفع نحو تهدئة مستدامة بقدر ما يعزز منطق إدارة الصراع ضمن هوامش أوسع من التدويل. هذا التشابك يجعل الحرب السودانية أقل قابلية للعزل، وأكثر ارتباطًا بتوازنات خارجية متحركة، وهو ما يضعف فرص تحويل الهدنة إلى مسار سياسي صلب، ويجعلها أقرب إلى آلية لتفادي الانفجار الإنساني وليس لإنهاء جذور النزاع.

وعليه، فإن أقصى ما يمكن توقعه في المدى القريب هو هدنة هشة، قابلة للاهتزاز مع أي تغير في ميزان الميدان أو في حسابات الدعم الإقليمي. أما التحول إلى مسار يوقف الانهيار فعليًا، فيتطلب شروطًا لم تتشكل بعد: إنهاك عسكري متبادل، وتوافق إقليمي على التسوية، وإرادة سياسية داخلية تعيد تعريف مفهوم “النصر”. وحتى ذلك الحين، ستبقى الهدنة—إن جاءت—فاصلاً مؤقتًا بين جولات حرب أطول، لا بداية لنهايتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى