حكاية من بيئتي (28) دَرَادِر العطا 

محمد احمد الفيلابي

ــ شفت درادر العطا أخوي؟

ــ العطا الشقي؟

ــ شقايا نحن مع الحراية دي المن الله خلقنا لا شفناها لا سمعنا بيها.

حين تكمل الجملة تكون قد خرجت من دائرة السمع، والتي باتت تضيق لديها كثيراً في الآونة الأخيرة.

أقعت تحت حائط المدرسة، وأعملت طرف ثوبها تمسح العرق من وجهها وساعديها. ولعلها غفت في اتكاءتها تلك، أتاها صوت آذان العصر، فهبّت متحاملة على الجدار، وتناولت عكازتها ومضت غير سامعة لمن كان ينادي عليها..

ــ الخسيسة.. يا الخسيسة

عبر الحائط احتج المساعد الطبي حديث العهد بالقرية حين سمع الاسم أول مرة، فقد أعاده في ذهنه إلى معنى (الخسّة). كان حينها يلعب الورق مع المعلمين في (الميز) جوار المدرسة، فعاجله من كان يُعنى بـ(حلّة الغداء)، على مقربة منهم.

ــ لكن الخسيسة ما من الخسّة. من (خسّ) الجسم، يعني نقص وزنه. 

وتداخل آخر: بي كده تبقى الخسيسة (ذات الوزن الخاس)، يعني (الهيفاء). وممكن عادي تقول لي (الخسيسة) دي (أيتها الهيفاء).

ــ طيب اليومين ديل هي مدورة في أخوها العطا الشقي، شقاوتو شنو؟

ــ قصة الإسم دي فيها صدفة عجيبة يا السيد (الحكيم)، (العطا) اشتغل في السكة حديد (عطشقي)، وعشان إسمو العطا بقت العطشقي (العطا الشقي).

ــ الزول في حَلَّتْكُم دي محتاج قاموس أسماء. 

فضج الميز بالضحك، فقد أرادها (حِلَّتكُم)، فنطقها (حَلَّتْكُم)، ما يشير أن (ريحة الحَلَّة) مرقت، كما يقولون، أو أن السيد المساعد الطبي كان جائعاً جداَ.

ــ ما شفتوا درادر العطا أخوي.

ظن البعض أن مفردة (دَرَادِر) في لازمة (الخسيسة) هذه الأيام من (الدّردّرة) بمعنى التعب. لأن مهنة (العطا) في بالسكة حديد كانت قاسية. قبل أن يتبّدل حال عمال السكة حديد، ليمتهنوا ما لا علاقة لهم بهم في بداية حياتهم، كما في وصف الشاعر الشعبي..

دردني الفقر لامن جفاني النوم

تاجر كل شيء حتى البصل والتوم

أما (دَرَادِر) هنا، فهي جمع (دُرْدُر) وهو الكوخ المشيد في أسفله بالطين، والحطب والقصب في أعلاه. ولو أنه كان من القصب والحطب فحسب، لأصبح قطية. كما ذكر قاموس اللهجة العامية في السودان.

حين وصل القطار إلى منتهى رحلته تلك، نزل (العطا) دون أن يدور بخلده أنها منتهى رحلة السكة حديد نفسها، وأنه لن يركب القطار مرة أخرى. فقد حدثهم إهمال الورش بأن وظائفهم إلى زوال. أو أنها ستتبدل، مثلما تبدّلت مهام (العطشجي) أو (العطشقي) من إلقام الموتور، ليصبح مسؤولاً مع السائق عن “الاستعداد قبل مسير القطار”، حيث يتم الكشف على زيت الجرار ومنسوب السولار، والكشف على الكهرباء والفرامل، وذلك قبل القيام بساعتين، بالإضافة إلى الكشف عن الأعطال في عربات القطار. 

فكر يومها.. 

هل ستأتي قطارات بلا حاجة لأمثاله، أو أن توقف السكة حديد نفسها بات مسألة حتمية؟

وهذا ما حدث. وقد بقي هناك لأعوام أربعة، دون أن يعرف الكثيرون عنه شيئاً. وكان آخر خطاب وصل منه من (بابنوسة)، وانتشرت الشائعات بأنه توغل غرباً، وأنه غرق في الملذات كالكثيرين، ولا يعود مرة أخرى، لكنه فاجأهم بالعودة، دون ضجة، يقرأ ما في عيون الناس من الأسئلة دون أن يقول الكثير. 

ـ الزول ده ما ساكت ساي.. لازم ساكت فوق راي.

فتح داره القديمة في طرف القرية، واستعان باثنين من العرب الرحل على مدى أيام لهدم الغرف عدا المخزن في أحد الأركان، وقد حوله إلى غرفة مؤقتة كما أوجز (رزوقة) أحد مساعديه، قليل الكلام هو الآخر حين سألوه، بينما كان الآخر أبكماً. وكلاهما لم يتمكنا من إرواء ظمأ المعرفة لدى أهل حب الاستطلاع بما يدور في الداخل، خاصة حمولة اللوري النسيان الذي جاء أكثر من مرة ليلاً. وزادت جملة (رزوقة) الأخيرة الأمر التباساً، حتى أن علامتي التعجب كان ترتسم على وجهه المخدّد قبل أن تظهر في كلماته، وهو يهز رأسه. 

ــ جنس درادر!!

مجموعة قليلة من خارج دائرة الأهل كانوا يتابعون الأمر، وحتى هؤلاء ظلوا يمارسون الصمت حيال تلك الفئة، من روجوا إشاعة انغماسه هناك، وحتى بعد أن اشرأبت رؤوس (الدرادر)، وباتت تُرى فوق السور العالي من الشارع، ظل (العطا) وخاصته يمارسون الصمت حين يلتقون بهم.

ــ ناذر صيام زكريا.

علق أحدهم ساخراً.

كان صيفاً مختلفاً، حتى أن الزرازير أحجمت عن الطيران، واتخذت العشرات منها المزاير وفروع الأشجار موائل شبه دائمة. وفي بيت (العطا) كان التجمع الأكبر للزرازير والقماري ومختلف أنواع الطيور. وحين تدفّق ماء البئر عبر المضخة الجديدة (الكرجاكة)، وامتلأت الجداول الصغيرة بالماء، كان حفلاً للاستحمام والتراشق والزقزقات. 

ركّب (العطا) المضخة، لكنه أبقى على (الدلو) القديم (عرفاناً)، فقد كانت تستخدمه شقيقته (الخسيسة) في غيابه لري الأشجار والأغنام. وأبقى على معظم الأشجار الكبيرة، وشيّد الدرادر الثلاثة على ذات النهج الذي رآه هناك، لكنه عمل على أن تكون الجدران أكثر سمكاً، وأن تقع ظلال الأشجار الكبيرة على السقوف والأبواب والنوافذ التي أفلح في توجيهها. وربط بين الدرادر بجداول ماء تروي سرابات القصب التي تتخللها أشجار الـ(تمر هندي)، وأشجار (البان) ينظر إليها شغف، وهو ينتظر أن تفوق القصب طولاً بعد شهور قليلة، أما سرابات البان بمحاذاة جدران الحوش فقد غرس بينها عدداً من أشجار النخيل والفواكه في اتساق مدهش، وكان قد جاء بشتولها من إدارة البساتين بالمدينة، ومن الغابات جاء بمختلف أشجار الظل.

في ذلك النهار القائظ كانت (الخسيسة) مخزن أسرار (العطا) قد أنهت معه المفاكرة حول كيفية إرواء ظمأ تلك الفئة لمعرفة ما كان يدور وراء الجدران. وقر رأيهما أن يولم (كرامة) بمناسبة وصول أسرته من عطبرة. وأن تتم دعوة الأهل والأعيان وضيوف البلدة من معلمين وكادر صحي (المساعد الطبي، المعاون البيطري، مساعد ملاحظ الصحة)، حتى يشرح لهم فكرته حول ضرورة التحريض على العودة إلى البيوت البيئية. وفي البال أنه حين جاء الإنجليز بالسكة حديد اختاروا أن تكون بيوت العمال في مختلف البيئات على شكل القطية المفتوحة من أعلى لإخراج الهواء الساخن، ويمنع الغطاء المعدني فوق رأسها دخول المطر والشمس. وسيحدثهم أن البيت الدائري يقاوم الظروف الجوية القاسية، ويوفّر استهلاك الطاقة بسبب انسيابية الهواء. كما أنه يتميّز بتوفير مساحات داخلية واسعة ومنفتحة، مما يمنح إحساساً بالراحة والترابط الاجتماعي، ويسهل توظيف الإضاءة.

أفلح (العطا)، حين أبان أنه ليس (الشقي)، بل هو (السعيد) بالتكيُّف مع بيئة بلدته حين عاد إليها ليقضي ما تبقى له من عمر. واسعده أن يجد شقيقته الوفية (الخسيسة) قد حافظت على الأشجار والأغنام بمساعدة (رزوقة)، يزرعان القصب ويشذبان الأشجار مثلما أوصاهما في خطابه الأخير.

كان (العطا) قد وجد نفسه بلا عمل، وبحوزته مبلغ معاشي يمكنه من بداية مشروع إنتاجي ذي علاقة بالزراعة (مهنة الأجداد) ففعل، ونجح في الأمر أيما نجاح. وخطط لاستمرارية عمله هناك، بجانب حلم أن تصبح البيوت في الشمال السوداني على النمط الدائري، دون أن يدرك أن العالم مؤخراً بات يهتم بالشأن من زاوية أن الفجوة بين الأداء المناخي لقطاع البناء ومسار إزالة الكربون لعام 2050م آخذة في الاتساع. ووفقاً لتقرير التحالف العالمي للمباني والتشييد، فإن الفولاذ والخرسانة والأسمنت تساهم بالفعل في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. بيد أن التطبيقات الصديقة للبيئة تصطدم بمجموعة الأنظمة الرسمية والخاصة، والعادات التي ترسخت في قطاع البناء، كالنُظٌم السائدة.

فيما كانت البيوت حوله تتطاول، وتتجمّل بالألوان الزاهية، وتنكتم تحت وطأة الجو الخانق، خاصة حين ينقطع التيار الكهربائي، وحينها تسمع جلبة فتح الأبواب والشبابيك الحديدية التي لا تأتي إلا بالمزيد من السمائم، كان (العطا) على عنقريبه (الهبّاب) يتلقّى وبلا (خوتة) تلك النسمات الباردات يغشين القصب الطري الرطب، ويعبرن فوق جداول الماء، لتصله لطيفة، فيُحس أن بيته أجمل من كل بيوت القرية، حيث تمتزج الخضرة والغباش على الجدران، مع الأرض الرملية، وتنعشه رقرقة المياه، وكورالات العصافير تقول لـ(العطا) أنه على حق. 

وبات يحدث الناس عن العودة للطبيعة، وقد شاركه الكثيرون نتائج عمله، لتتحول الاستفسارات إلى أسئلة أكثر عمقاً (كم التكلفة؟ وكم يعيش مثل هذا المبنى؟وماذا لو زادت حدة الأمطار؟… و…. و…)

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى