الشهادة السودانية.. جسر لوحدة البلاد

الهادي الشواف
ظلت امتحانات الشهادة السودانية منذ تأسيسها تمثل عامل وحدة لجميع الطلاب السودانيين، وعملت على توحيد وجدان الأسر السودانية حيث تتوجه الانظار سنويًا صوب الأجهزة الاعلامية لمتابعة اعلان النتيجة، التي تمثل حدثًا تاريخياً قوميًا سنويًا يحتفى به مثلما يتم الاحتفاء بالاعياد الوطنية، ويتبادل فيه الهداية والتهاني وتوزع فيها المشروبات وتقدم فيها الحلويات احتفاء بالناجحين مع أمنيات للذين لم يحالفهم الحظ بفرص اوسع في الامتحانات القادمة، وقبل هذا وذاك يبرز الاهتمام من خلال الاعداد والاستعداد المبكر من قبل المدارس والأسر و المعلمين والطلاب برفع حالة الطوارئ والاستنفار وتوظيف كل الامكانيات من أجل قيادة منافسة قومية في امتحانات موحدة لكل طلاب السودان.
ورغم عدم تكافؤ الفرص وتباين مستويات المدارس والبيئة التعليمية والامكانيات من مدرس مؤهل وتوفير الادوات والمعينات الدراسية على مستوى السودان، ورغم الاشكالات الأخرى المتعلقة بتطوير المناهج والمقررات الدراسية، ورغم توجيه العملية التعلمية لخدمة ايدلوجية الاسلامويين في فترة حكم نظام الثلاثين من يونيو 1989م، وتدهور التعليم في كثير من مناطق السودان خاصة المناطق الطرفية، الا أن الامتحانات الموحدة للشهادة السودانية ظلت وما زالت تمثل جسر لوحدة البلاد.
تنظيم امتحان موازي.. مهدد لوحدة البلاد:
وفي ذات السياق فأن تنظيم واقامة امتحانات موازية للشهادة السودانية في مناطق سيطرة أطراف النزاع يشكل تهديدًا خطيرًا ومباشرًا لوحدة البلاد، وينتهك حق الطلاب السودانيين في تعليم عادل والحق في تنافس شريف ونزيه وفرص متساوية للجميع في مختلف مناطق وأقاليم وولايات السودان، لان ببساطة شديدة ان الشهادة السودانية تعتبر اليوم أحد أهم الرموز الوطنية التي يمكن أن تساهم في الحفاظ على وحدة السودان، في ظل الانقسام الكبير والتفكك الذي طال مؤسسات الدولة والمجتمع بسبب الحرب الدائرة الان.
إذ أن توحيد الامتحانات على مستوى البلاد يمثل ضمانة لعدم انقسام النظام التعليمي بين مناطق مختلفة، خاصة في ظل الحرب والانقسامات السياسية الراهنة، وتأتي المبادرات الأخيرة من لجان المعلمين والتحالفات المدنية والمقترحات التي قدمها دكتور الشفيع خضر في مقاله بصحيفة القدس وتقرير مجلة افق وغيرها من المقالات، بالاضافة إلى مبادرة دكتور: شمس الدين ضو البيت وغيرها، تؤكد أن التعليم يجب أن يحيد عن الصراع ويجب وأن لا يتم استخدامه سياسيًا من قبل أي طرف من أطراف الحرب، ويجب ان يظل رغم اشكالاته الكثيرة جسر جامع بين أبناء الوطن الواحد.
دور الشهادة السودانية في وحدة البلاد:
امتحانات الشهادة السودانية الموحدة تمثل رمز وطني جامع تعطي الطلاب من مختلف الولايات فرصة متساوية، وأحساس الطالب في أي بقعة من السودان لحظة الامتحان بأنه ينافس زميله في بقعة أخرى رغم اختلاف البيئات والظروف والامكانيات، وجميع الطلاب يتنافسون على ذات الجامعات القومية، والتي تمثل بوتقة يتفاعل ويتحاور فيها طلاب السودان بمختلف أشكالهم واللوانهم وخبراتهم، بهذا المعنى ترسخ الامحانات الموحدة فكرة أن التعليم حق قومي لا يتجزأ.
ويبرز اهتمام اسر الطلاب على مستوى اقاليم البلاد المختلفة، وتوجه انظار كل السودانيين نحو مراكز الامتحانات سنويًا وانتظارهم للحظة اعلان النتيجة، ومظاهر الاحتفال بالذين نجحوا والتعاطف مع من لم يحالفهم الحظ يعكس شكل من أشكال التضامن والوحدة الوجدانية، فضلا عن القيم والمعاني التي تبثها هذه الامتحانات الموحدة تمثل جسر لوحدة البلاد، وفي مقابل ذلك فأن وجود امتحانات منفصلة في مناطق خارج سيطرة الحكومة يهدد وحدة السودان ويخلق أنظمة تعليمية متوازية، ويضع الطلاب امام تحديات كبيرة متعلقة بمستقبلهم الدراسي والاكاديمي، ويهدم كل ما تم بناءه في الفترة السابقة عبر توحيد وجدان الطلاب السودانيين من خلال الامتحان الموحد.
المبادرات والتحديات الراهنة:
المبادرات الحالية مثل مبادرة لجنة المعلمين (مارس 2026) التي تهدف لإنقاذ مستقبل نحو 280 ألف طالب وطالبة، خاصة في دارفور وكردفان، بعد حرمانهم من الامتحانات لثلاث سنوات متتالية، ركزت على ضرورة إيجاد ترتيبات آمنة لعقد الامتحانات، وكذلك المبادرة القومية لإنقاذ الطلاب، وجدت دعم من قطاعات واسعة من الشعب السوداني، وتحالف “صمود” اعتبرها خطوة وطنية مهمة لضمان امتحانات عادلة وآمنة في جميع مناطق السودان بعيداً عن التسييس والعسكرة، كثير من التقارير ابرزت مخاطر الانقسام وأشارت إلى تكوين لجان امتحانات منفصلة يهدد وحدة النظام التعليمي ويزيد من الانقسام، هذا يعكس درجة الاهتمام وأهمية توحيد امتحانات الشهادة السودانية رغم عدم استجابة طرفي الحرب حتى لحظة كتابة هذه السطور.
صحيح هنالك تحديات ماثلة مثل استمرار الحرب واتساع رقعتها، مما أدى إلى تعطيل المسيرة الأكاديمية وحرمان آلاف الطلاب من التعليم وارتفاع معدلات التسرب، بالاضافة للآثار الاجتماعية والتجنيد القسري وزواج القاصرات نتيجة غياب التعليم الآمن، وكذلك غياب البنية التحتية وانهيار المدارس وصعوبة الوصول إلى مراكز الامتحانات في بعض المناطق، الا أنه غم ذلك يظل توحيد امتحانات الشهادة السودانية أخر فرص المحافظة على وحدة البلاد من الانقسام والتشظي.
الخلاصة.. والحلول المقترحة:
رغم ظروف الحرب والتحديات الاخرى الماثلة، يجب إبعاد العملية التعليمية عن الصراع من خلال اعتماد مقاربة إنسانية تضمن أن التعليم يظل حقاً أساسياً بعيداً عن التجاذبات السياسية، من خلال اتفاق جاد وواضح بين اطراف النزاع مثلما تم التوافق حول حقل البترول في هجليج، وعليه لا بد من إجراء امتحانات موحدة على مستوى السودان مع ترتيبات أمنية خاصة في مناطق النزاع، عبر دعوة المجتمع الدولي لتقديم دعم عاجل لإنجاح المبادرة وضمان بيئة مناسبة للامتحانات، بالاضافة إلى توحيد الجهة المشرفة على الامتحانات من خلال إنشاء لجنة قومية مستقلة لإدارة امتحانات الشهادة السودانية بعيدًا عن الانقسامات.
وتأتي أهمية تأمين مراكز اللامتحانات في مثل هذه الظروف ذات اولوية قصوى، ويتم ذلك عبر توفير ترتيبات أمنية خاصة في مناطق النزاع لضمان وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات بأمان، مع توفير الدعم اللوجستي من خلال فتح مراكز بديلة في المدن الآمنة للطلاب النازحين، مع توفير وسائل نقل مجانية أو مدعومة، ويجب أن يتم كل ذلك عبر التنسيق الدولي بدعوة المنظمات الدولية (اليونيسف، اليونسكو) لتقديم دعم عاجل في الطباعة ولتوزيع والمراقبة لضمان النزاهة والتنافس الشريف.
وقبل هذا وذاك يجب العمل على حل أزمة الطلاب المحرومين بوضع خطة عاجلة لاستيعاب نحو 280 ألف طالب حرموا من الامتحانات خلال السنوات الماضية عبر امتحانات استثنائية أو فرص بديلة، اضف إلى ذلك اطلاق حملة توعية مجتمعية من خلال تنظيم حملات إعلامية تؤكد أن الشهادة السودانية رمز وطني جامع وأن الحفاظ على وحدتها مسؤولية جماعية.
هذه التوصيات يمكن أن تنفذ فورًا إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي، وهي كفيلة بأن تجعل الشهادة السودانية أداة حقيقية لحماية وحدة البلاد، وتمنع الانقسام التعليمي الذي قد يعمق الأزمة الوطنية، وتؤكد أن الشهادة السودانية ليست مجرد امتحان، بل أداة استراتيجية للحفاظ على وحدة السودان في ظل الانقسامات الراهنة، إن نجاح المبادرات القومية في توحيد الامتحانات ستعيد الثقة في النظام التعليمي، وترسخ الانتماء الوطني وتجنب البلاد خطر الانقسام التعليمي الذي قد يعمق الأزمة السياسية والاجتماعية.





