(حصان طروادة الكيزاني) حين تتحول الحرب إلى فخٍ لصانعها

مؤيد الأمين

في السياسة، قد يخطئ اللاعب تقدير خطوة، لكن الإسلامويين في السودان أخطأوا تقدير اللعبة كلها. ظنّوا أن إطالة أمد الحرب ستكون طريق عودتهم إلى السلطة، وأن الفوضى التي أشعلوها في جسد الوطن ستفتح لهم باباً إلى القصر الجمهوري. لكن ما حدث هو العكس تماماً: انقلب السحر على الساحر، وتحولت الحرب التي أرادوها سلماً للصعود إلى حفرةٍ تتسع تحت أقدامهم.

منذ الرصاصة الأولى، لم تكن معركتهم الحقيقية مع قوات الدعم السريع بقدر ما كانت مع الثورة والقوى المدنية. الحرب بالنسبة لهم لم تكن سوى وسيلة لإعادة عقارب الساعة إلى زمنٍ كانوا فيه سادة الدولة وأصحاب القرار. لذلك عملت ماكينة إعلامهم بكامل طاقتها؛ مقاطع فيديو مقصوصة، روايات مصطنعة، وقصص تُقدَّم بثقةٍ وكأنها حقائق راسخة.

الفكرة كانت بسيطة: خلط الأوراق حتى يضيع الناس بين من هو الجيش ومن هو الإسلاموي، ومن يقود الحرب ومن يختبئ خلفها. وبالفعل نجحوا جزئياً في تضليل بعض الرأي العام؛ فهناك من صدّق أن الإسلامويين هم المنقذ، وهناك من توهّم أن الإسلامويين هم الجيش نفسه. كان ذلك مكسبهم السياسي المؤقت الذي راهنوا عليه.

لكن المشكلة الكبرى أن الطمع السياسي غالباً ما يفسد الحسابات. فبدلاً من الاكتفاء بما حققوه من تشويش، قرروا الذهاب أبعد: إطالة الحرب، وتوسيع الفوضى، والرهان على أن العالم سيتعاطف معهم بوصفهم المدافعين عن الوطن والمواطن.

غير أن العالم لم يكن ساذجاً إلى هذا الحد. فجاء الرد الأميركي بوضع الحركة الإسلاموية السودانية في القائمة السوداء، ليُسقط فجأة كل الرواية التي حاولت ماكينة الدعاية تثبيتها طوال شهور الحرب. ضربة واحدة أعادت ترتيب المشهد كله، وتركت الإسلامويين في حالة ارتباك وهذيان سياسي، يتخبطون يميناً ويساراً وهم يرون ما بنوه من سرديات ينهار دفعة واحدة.

وسط هذا المشهد يقف عبد الفتاح البرهان، الرجل الذي ظن أن الإسلامويين هم الجواد الذي سيحمله إلى قصر الرئاسة. لكن الجواد الذي راهن عليه بدأ يتحول إلى حصان طروادة مشتعل، قد ينفجر قبل أن يخطو به خطوة واحدة نحو العرش الذي حلم به.

لقد تناثرت الأحلام سريعاً. فالبطل الذي صُوِّر قبل قليل في عيون بعض أنصاره، صار فجأة جزءاً من معادلة دولية أكثر تعقيداً، وأصبح المشروع الذي بُني على الدماء والرهانات الخاطئة يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى السلطة.

والتاريخ السوداني يعرف جيداً هذه اللحظات: لحظة يتبخر فيها الحلم السياسي تحت ضغط الواقع، وكأن الدماء التي سالت في الشوارع تطلق لعنتها على من حاولوا تحويل المأساة إلى سلّمٍ للحكم.

اليوم يبدو المشهد واضحاً أكثر من أي وقت مضى. الحرب التي أشعلها الإسلامويون انتقاماً وتسويقاً لبضاعتهم السياسية، تقترب شيئاً فشيئاً من أن تحرقهم هم قبل غيرهم.

ويبقى السؤال المعلّق في الهواء ، عندما تشتعل النار في حصان طروادة نفسه… إلى أين سيهرب الفرسان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى