العنف .. كأداة تاريخية

"محاولات إجهاض التغيير الثوري في السودان من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة 3/يونيو/2019، إنقلاب 25/أكتوبر/2021 إلى حرب 15/أبريل/ 2023_"

عبدالخالق محمد بابكر

إلى روح ،،،

كشة.. كهربا، ساري و آخرين ذهبوا إلى عليائهم باسمين،،،

إلى حر .. قلبا وهم يأكلون مسامير الوقت،،،

إلى بت الجون وأخريات جالسات إلي العتمة كتفاً بكتف،،،

إلى من أكلتهم البلاد على طاولة الرحيل و تغوطتهم في المنفى“`

 

*تقديـــــــــــم*:

شهد السودان منذ العام 2019 سلسلة من التحولات العنيفة التي أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، فهي لم تكن مجرد أزمات سياسية متعاقبة، بل تعبيرًا عن بنية عميقة من العنف المتجذر في تكوين الدولة كبنية تنظيمية مستمرة تُستخدم لإدارة الصراع السياسي والإجتماعي وإعادة إنتاج السلطة. لا يمكن إختزال العنف في السودان كونه أداة قمعية ظرفية أو إنعكاسًا عابرًا لتوترات سياسية، بل آلية متجذّرة في صلب تشكّل الدولة منذ تأسيسها، كشرطٍ لازم لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة الطبقية، حيث لا تقف الدولة على مسافةٍ محايدة من القوى الإجتماعية بل تعمل كجهاز تاريخي لتنظيم مصالح الطبقة المسيطرة حيث يتداخل العسكري مع الاقتصادي و يتماهى السياسي مع آليات التراكم في بنيةٍ هجينة من الرأسمالية الطفيلية والتابعة، فلا يُمارَس العنف فقط لضبط المجال السياسي بل يُعاد توظيفه كأداة لإعادة تشكيل التوازنات الطبقية كلما انتظمت قوى للتغيير الإجتماعي في مشروع يقوم على إعادة توزيع السلطة والثروة، “*إنه عنف وظيفي*” مندمج في منطق التراكم ذاته ويُستخدم لإعادة هندسة المجال العام وفق آليات الإقصاء و الاحتكار، بما يضمن إستمرار سيطرة النخب الحاكمة وتحالفاتها مع رأس المال الطفيلي، فيتحول العنف إلى استراتيجية واعية، لا تستهدف فقط قمع الفعل الثوري بل تقويض شروط حدوثه، عبر ضرب قواعده الاجتماعية، تفكيك بنياته التنظيمية، ومنع تبلور أي وعيٍ إجتماعي قائم على مشروعٍ بديل، فيُمارَس العنف كسياسة قائمة بذاتها لا كاستثناء أو انحراف عن القاعدة، فحينما تقترب لحظة التحول التاريخي وتبدأ التناقضات البنيوية في الظهور، تلجأ السلطة إلى تكثيف العنف كأداة لإعادة ضبط المسار وإجهاض أي تغيير محتمل نحو إعادة تأسيس الدولة.

لا يمكن قراءة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة 3/يونيو/2019، إنقلاب 25/أكتوبر/2021 وحرب 15/أبريل/ 2023 كوقائع منفصلة أو أزمات متعاقبة بل سلسلة تاريخية مترابطة تعبّر عن منطق بنيوي ثابت في إدارة السلطة للصراع، فكل حدث من تلك الإحداث يمثل نقطة انعطاف يُعاد فيها تفعيل العنف كأداة لترتيب الدولة، تقويض إمكانيات التغيير الاجتماعي وإعادة ترسيخ الهيمنة في أكثر أشكالها قسرًا ودموية، ليقف العنف في تاريخ الدولة السودانية كأحد شروط تكوينها، إستمرارها وأكثر تجلياتها كثافة في التعبير عن طبيعة السلطة وبنيتها الدموية التي تعيد إنتاج ذاتها عبر الإكراه المادي والرمزي في سياق نظامٍ رأسمالي طرفي يعجز عن إعادة إنتاج نفسه دون القمع كآلية مركزية لضبط المجتمع.

 

*العنف ضد الوعي*: مجزرة _فض اعتصام القيادة العامة (3/ يونيو/2019)_

لم يكن اعتصام القيادة العامة مجرد لحظة احتجاجية عابرة، بل مثّل تكثيفًا تاريخيًا نادرًا لتشكّل الوعي الاجتماعي الثوري في السودان، حيث انتظمت الجماهير حول مطلب إسقاط  نظام الثلاثين من يوينو القمعي وتفكيك منظومته المهيمنة بإعادة تأسيس الدولة على أسس الحرية والسلام والعدالة، لقد شكّل الاعتصام انزياحًا نوعيًا من الخضوع التاريخي لمنظومة الدولة العسكرية/الريعية إلى أفق تحرري يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة، سياسيًا واقتصاديًا، بما يهدد البنية العميقة للنظام القائم، لا يمكن فهم رد فعل السلطة بمعزل عن موقعها داخل علاقات الإنتاج وإعادة إنتاج السيطرة الطبقية. فالسلطة، بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن تحالف بين المؤسسة العسكرية ورأس المال الطفيلي، لم تتعامل مع الاعتصام كفعل سياسي مشروع، بل كتهديد وجودي يستهدف إعادة توزيع السلطة والثروة، ويقوّض آليات التراكم غير المتكافئ التي تقوم عليها الرأسمالية الطرفية. لذلك جاءت مجزرة فض الاعتصام كفعل منسجم مع منطق العنف البنيوي، لا كاستثناء عنه، حينما يتعرّض نظام الامتيازات للاهتزاز.

إن الاستخدام المنهجي للرصاص الحي، التنظيم المحكم للقوة العسكرية والاستعانة بميليشيات مسلحة جرى إعدادها وتوجيهها ضمن اقتصاد عنفٍ موازٍ، يكشف أن ما حدث لم يكن فوضى عابرة بل ممارسة مؤسسية للعنف كأداة لإعادة ضبط التوازنات الطبقية. فهذه التشكيلات ليست مجرد أدوات قمع، بل جزء من بنية اقتصاد سياسي يقوم على تسليع العنف ودمجه في آليات التراكم، حيث يتحول القمع إلى مورد، وتغدو القوة العسكرية عنصرًا في إنتاج القيمة داخل اقتصاد ريعي/أمني، غير أن اختزال المجزرة في بعدها المادي يحجب وظيفتها الأعمق بوصفها عملية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، فالعنف لم يُوجَّه إلى الأجساد فحسب، بل استهدف البنية الرمزية للثورة، عبر كسر إمكانات التضامن وتفكيك اللحظة التي شهدت تبلور وعي جمعي مضاد للهيمنة. لقد سعت السلطة، من خلال هذا العنف، إلى إعادة إنتاج “الاغتراب السياسي”، بدفع الجماهير إلى موقع العجز، وإعادة ترميز الواقع بحيث يبدو القمع كقدر محتوم. لتكشف المجزرة عن صدامٍ بنيوي بين مشروعين متناقضين: مشروع جماهيري يسعى إلى تفكيك البنية الرأسمالية الطرفية التابعة وإعادة تأسيس النظام السياسي والاجتماعي على قاعدة العدالة؛ ومشروع سلطوي يعمل كوسيط لإعادة إنتاج هذه البنية عبر الإكراه والعنف. عليه، فإن العنف لا يظهر كردّ فعل على الفعل الثوري، بل كشرط تأسيسي لاستمرارية النظام، يُستخدم كآلية استباقية لإجهاض أي أفق تحولي، وإعادة فرض الهيمنة بوصفها نظامًا طبيعيًا، رغم كونها نتاجًا تاريخيًا لعلاقات قوة غير متكافئة، وعن الطبيعة العارية للدولة في سياق الرأسمالية الطرفية، دولة لا تكتفي بإدارة العنف، بل تعيد إنتاجه كآلية مركزية لضمان استمرار التراكم غير العادل، حتى وإن كان الثمن سحق الوعي الجمعي في لحظته الأكثر انبثاقًا. 

 

*العنف المؤسساتي كإستراتيجية*: _إنقلاب (25/ أكتوبر/2021 )_

مثّل انقلاب 25/ أكتوبر/2021  الردة التاريخية لإعادة تركيب بنية السلطة، حيث لم يعد العنف مجرد أداة لإدارة الأزمة بل ارتقى إلى كونه مبدأ تأسيسي لتكوين الدولة وإعادة إنتاج الهيمنة، فبعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي كشفت عن العنف في صيغته العارية بوصفه قوة مادية تستهدف تحطيم الكتلة الثورية، دخلت السلطة طورًا أكثر ترعقيداً وهو طور العنف المؤسسي حيث يُعاد إنتاج السيطرة لا عبر الإبادة المباشرة فحسب بل عبر تفكيك شروط الإمكان السياسي التي تجعل الفعل الثوري ممكنًا، ليغادر العنف طابعه الحدثي المرئي و يغدو بنية كامنة متغلغلة داخل أجهزة الدولة وتعمل بصمت على إعادة تشكيلها وفق منطق السيطرة الطبقية، حيث لم يكن تقويض هياكل السلطة الانتقالية مجرد تعطيل إجرائي لمسار سياسي بل عملية نزع لمضمونها التاريخي بوصفها تعبيرًا عن إرادة جماهيرية سعت إلى إعادة تعريف الدولة، هنا يتحول العنف إلى ما يمكن تسميته بـ”الهندسة المضادة للثورة” وهي ممارسة منهجية تستهدف ليس فقط نتائج الفعل الثوري، بل شروط إنتاجه ذاتها، أي التنظيم، الوعي، والشرعية بوصفها عناصر مادية في الصراع، هنا يتجلي العنف كفعل استباقي يهدف إلى إغلاق الأفق التاريخي الذي فتحته الثورة، فالسلطة وقد أدركت الطابع البنيوي للتهديد الذي تمثله ديناميات الوعي الثوري، سعت إلى إعادة تموضعها عبر استعادة احتكارها لأدوات التراكم، عليه فإن إزاحة الحكومة لم يكن هدفًا نهائيًا بل لحظة ضمن عملية أوسع لإعادة ضبط التوازن الطبقي بما يضمن استمرار السيطرة على الموارد، تنظيم تدفقات رأس المال وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة ضمن الحقلين الداخلي والخارجي. فتغدو الدولة ذاتها موضع الصراع ومادته في آن واحد، فهي ليست إطارًا محايدًا لتنافس القوى الإجتماعية بل جهاز مادي/رمزي لإدارة العنف المنظم يُعاد تشكيله كلما اقتربت الجماهير من تحويله إلى أداة تعبير عن مصالحها التاريخية، ليكشف انقلاب25/أكتوبرعن حقيقة بنيوية حاسمة، _أن السلطة في لحظات التهديد الجذري لا تكتفي باستخدام العنف بل تعيد تنظيمه في شكل نظام، ولا تكتفي بحماية الهيمنة بل تعيد إنتاجها كبنية مغلقة تستبطن العنف كشرط دائم لوجودها_.

* *جدل الانقلاب وفض الإعتصام*

لا يجب أن يُفهم الانقلاب كخيانة لمسار الثورة فحسب بل إمتداد منطقي لفضّ الاعتصام، الأول دمّر الجسد الثوري والثاني استهدف وعيه وإمكاناته، يظهر من خلال هذا الترابط أن الصراع لم يُحسم بل انتقل من مواجهة مفتوحة في الشارع إلى صراع أكثر تعقيدًا، داخل بنية الدولة نفسها بهدف حماية البنية الطبقية القائمة ومنع انتقال السلطة من كونها احتكارًا نخبوياً إلى مجال اجتماعي مفتوح، غير أن هذا الجدل لا ينتهي عند حدود الاحتواء، فكما أن العنف أعاد إنتاج السلطة فإنه في الوقت ذاته عمّق التناقضات داخلها ووسّع الفجوة بينها وبين الكتلة الشعبية، إن العلاقة بين فضّ الاعتصام والانقلاب لا تُفهم فقط كمسار للهيمنة بل أيضًا كمسار لتراكم شروط الانفجار حيث تتحول أدوات السيطرة نفسها إلى عوامل تفكيك وهو ما يمهّد جدليًا لتحولات لاحقة أكثر عنفًا وتشظيًا.

*من العنف المباشر إلى العنف المؤسسي*:  إذا كانت مجزرة فضّ اعتصام القيادة العامة قد مثّلت ذروة العنف المباشر، حيث استُخدم الجسد الجماعي للثورة كحقل لإنتاج الرعب و كسر الإرادة الجماهيرية فإن انقلاب 25/أكتوبر يكشف عن انتقال نوعي نحو نمط أكثر تعقيدًا وتجريدًا وهو العنف المؤسسي، ففي الحالة الأولى كان الهدف إحداث صدمة قسرية عبر الإبادة والعنف الفيزيائي لشلّ الفعل الثوري أما في الحالة الثانية فقد تمثّل الهدف في تفكيك البنية السياسية التي تحرض هذا الفعل وتمنحه إمكانية الاستمرار، فتجاوز العنف حدود الأجساد إلي شروط الفعل السياسي ذاته، التنظيم، التمثيل  والشرعية، فتتجلى خطورته إذ يتحول من أداة قمع مرئية إلى آلية بنيوية خفية تعمل داخل أجهزة الدولة و تعيد تشكيل الحقل السياسي عبر نزع مضمونه، إفراغ مؤسساته وتحويل السياسة إلى شكل بلا قدرة بالتالي يغدو العنف أكثر فاعلية لا لأنه أشدّ مباشرة بل لأنه يستهدف إمكان الثورة في مستوى تكوينها لا في لحظة تجليها فقط.

*إجهاض التغيير كفعل طبقي* : لم يكن الانقلاب مجرد صراع على السلطة بين مدنيين وعسكريين بل تعبيرًا عن صراع طبقي بين مشروعين متناقضين، مشروع يسعى لإعادة توزيع السلطة والثروة و إعادة تعريف الدولة بوصفها أداة اجتماعية ومشروع نخبوي يعمل على تثبيت البنية الريعية–الزبائنية للاقتصاد السياسي السوداني، بما تتيحه من احتكار للموارد وإعادة إنتاج الامتيازات ليظهر الجيش ليس كفاعل محايد أو ضامن للاستقرار بل كجهاز طبقي مندمج في شبكة مصالح اقتصادية عميقة، تشمل السيطرة على قطاعات استراتيجية  متشابكة مع رأس المال المحلي والإقليمي مما يجعله طرفًا مباشرًا في معادلة التراكم لا مجرد حارس لها، لذلك فإن إستبدال الحكومة الانتقالية لم يكن خيارًا سياسيًا عابرًا بل ضرورة بنيوية فرضتها الحاجة إلى حماية هذه المصالح من أي تهديد خصوصاً مع إرتفاع مطالبة القوى الثورية بإستكمال مهام الثورة و تقدم تنظيمها نحو انتزاع السلطة، ليصبح الانقلاب لحظة دفاع طبقي منظم تُستخدم فيها أدوات الدولة، في مقدمتها العنف لإعادة تثبيت التوازن القائم، ومنع انتقال السلطة من كونها احتكارًا نخبوياً إلى مجال قابل لإعادة التوزيع الاجتماعي.

*توحيد النخب ضد الكتلة الشعبية*: كما في لحظة فض الاعتصام، أعاد الانقلاب إنتاج تحالف موضوعي مستتر ومخفي بين مكونات النخبة العسكرية، الاقتصادية وبعض القوى السياسية التقليدية  في قوالب غير تقليدية و مضللة، هذا التحالف لا يُفهم كاتفاق واعٍ دائم بل كتقاطع مصالح حول هدف مشترك، منع تشكّل سلطة شعبية مستقلة يمكن أن تهدد بنية الهيمنة القائمة ليتجلى ما يمكن تسميته بـ”الكتلة التاريخية المضادة”، التي تتوحد عند لحظات الخطر الوجودي أي عندما يقترب الشعب من إعادة تعريف الدولة.

*الاستمرارية الدموية كخطاب ردعي*: لم تكن الدماء التي سُفكت في مجزرة فضّ الاعتصام مجرد نتائج للعنف العشوائي أو كما تدعي السلطة “حدث ما حدث” بل مثلت رسالة سياسية ورمزية واضحة فحواها أن أي محاولة لكسر البنية السلطوية ستُواجَه بأقصى درجات القمع، هذه اللحظة أرست ما يمكن تسميته بـ”الذاكرة الرادعة” للثورة حيث يصبح العنف لغة مُوجهة لإنتاج الخوف الجماعي وفرض حدود الإمكان السياسي، وجاء الإنقلاب  ليعيد تأكيد هذه الرسالة، بصيغة أكثر تعقيدًا حيث لم يعد العنف مجرد وسيلة ردع تجاه الجماهير، بل أصبح جزءًا من بنية الحكم نفسها، أداة استباقية لإغلاق أفق التغيير ليتحول من فعل تكتيكي إلى شرط هيكلي لاستمرار السلطة بحيث يُعاد تنظيم المؤسسات، القوانين وآليات الحكم، فتصبح كل محاولة ثورية محتملة تحت المراقبة المزدوجة للعنف المباشر والمؤسسي.

* *التناقض بين الوعي الثوري والهيمنة البنيوية*:

يكشف إنقلاب 25/ أكتوبر/2021 عن تناقض بنيوي عميق لا يمكن اختزاله في صراع سياسي سطحي أو ثنائية “مدني/عسكري”، بل يتموضع في صلب العلاقة الجدلية بين تشكّل الوعي وإعادة إنتاج السلطة فمن جهة، يتبلور وعي ثوري جماهيري بوصفه حصيلة تاريخية لتراكمات القهر والاستغلال، يسعى لا إلى استبدال نخب بأخرى، بل إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة ديمقراطية اجتماعية تعيد تعريف السلطة كملكية اجتماعية وتفكك احتكار القرار والثروة، في المقابل تقف بنية سلطوية متجذرة لا كجهاز حكم فحسب بل كتركيب تاريخي مادي معقد يعيد إنتاج نفسه عبر تضافر الأجهزة القسرية والأيديولوجية مستندًا إلى شبكة مصالح طبقية متشابكة تمتد عبر الحقول العسكرية، الاقتصادية والسياسية، وتتقاطع مع امتدادات إقليمية ودولية.

هذا التناقض لا يُحل عبر التسويات السياسية الشكلية لأنه لا يتعلق بتقاسم السلطة داخل نفس البنية، بل بطبيعة هذه البنية ذاتها ووظيفتها، فالسؤال الحاسم  هنا ليس من يحكم بل كيف ولمصلحة من، هل الدولة أداة لتجسيد الإرادة العامة أم جهاز لإدارة الهيمنة وإعادة إنتاج الامتيازات .. ؟. علي هذا الأفق يتحول الوعي الثوري من مجرد حالة إدراكية إلى قوة مادية تعمل على نزع طابع “الاعتياد” عن الهيمنة وكشفها كعلاقة تاريخية قابلة للتفكيك، في المقابل تتحرك البنية السلطوية لإعادة تثبيت ذاتها ليس فقط عبر القمع المباشر، بل عبر إعادة تشكيل الحقل السياسي برمّته مؤسسيا وإجتماعياً بما يفرغ هذا الوعي من قابليته للتحول إلى قوة تنظيمية فاعلة عبر تعنيف الفاعلين، إفراغ المؤسسات  وإعادة تعريف الشرعية بوصفها امتثالًا لا تمثيلًا.

* *العنف كآلية لإعادة إنتاج الدولة*

يتجاوز العنف كون أنه إستثناء أو انحراف عن وظيفة الدولة إلي أنه عنصر بنيوي في تكوينها الطبقي وشرط من شروط استمراريتها، فالدولة ليست وسيطًا محايدًا بين المصالح، بل جهاز يحتكر العنف المنظم ويستخدمه لضبط علاقات الإنتاج وإعادة إنتاجها، يقدّم إنقلاب 25/ أكتوبر/2021 تجسيدًا واضحًا لهذا المنطق حيث لا يُستخدم العنف فقط كأداة لحماية سلطة قائمة، بل كوسيلة لإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع متطلبات التراكم الرأسمالي فإعادة السيطرة على الدولة تعني إعادة إحكام القبضة على الموارد الطبيعية، تنظيم تدفقات رأس المال وضبط العلاقات الدولية بما يضمن إستمرار الامتيازات المرتبطة بالنخب العسكرية والاقتصادية، فلا يعمل العنف كأداة قسر فقط بل كآلية تنظيم وهيكلة تعيد إنتاج النظام الاجتماعي حتى في أقصي  لحظات أزمته، فلا يحافظ على الدولة فحسب بل يعيد بناءها كلما تعرضت للاهتزاز عبر تفكيك أي إمكانية تاريخية لبديل يمكن أن يعيد توزيع السلطة أو يعيد تعريفها خارج منطق الهيمنة، إن العنف لا يحرس الدولة فقط بل يُعيد إنتاجها كجهاز طبقي مغلق يعيد تدوير السيطرة ويؤجل دون أن يلغي شروط انفجاره.

* *من الدولة الانتقالية إلى الدولة الأمنية* “_تحول بنيوي_”

يمثّل إنقلاب 25/ أكتوبر/2021 قطيعة جوهرية مع أفق الانتقال الديمقراطي في السودان ونفي تاريخي لإمكان الديمقراطية نفسها عبر إعادة توجيه الدولة نحو نموذج أمني بيروقراطي مغلق، يغير مفهوم الدولة من كونها حيزًا للتفاوض الاجتماعي أو المشاركة شعبية في صنع القرار إلى جهاز مركزي لإدارة السيطرة يعيد إنتاج الهيمنة الطبقية في أبعادها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في نموذج تتجسد فيه أدوات السلطة في مستويات متعددة من التفكيك البنيوي:

١. *تقييد المؤسسات المدنية*: لا يقتصر تقويض المؤسسات على تعطيلها شكليًا، بل نزع مضمونها التاريخي بوصفها أدوات تمثيلية للجماهير وتحويلها إلى هياكل شكلية تخدم استدامة السلطة المركزية فتتحول من حوامل لمشروع اجتماعي بديل إلى واجهات رمزية للشرعية الزائفة.

٢. *إعادة توجيه القانون كأداة انتقائية للسلطة*: لا يعود القانون معيارًا للعدالة، بل يصبح تقنية حكم تُوظَّف بشكل انتقائي لتقنين ممارسات السلطة  وضبط المجتمع وفق مصالح النخبة بما يحوّله إلى أداة رمزية لتنظيم الطاعة ليس لضمان الحقوق. 

٣. *السياسة كإدارة مستمرة للأزمات*: تُختزل السياسة من فضاء التفاوض الاجتماعي وحلّ الصراعات إلى إدارة متواصلة للأزمات بحيث تتحول الأزمة نفسها إلى آلية لإدامة حالة الطوارئ، من خلال هذه الديناميكية يُعاد إنتاج القلق الاجتماعي والسيطرة عليه ما يتيح استمرار الدولة كجهاز أمني بيروقراطي متحكم في الحركة الاجتماعية ويُبقي إمكان التغيير خارج نطاق الفعل التاريخي. 

من خلال هذه الإستراتيجيات يتحوّل العنف إلى شرط بنيوي لإمكانية الدولة، بنية تحتية خفية تحافظ على النظام وتعيد تأسيسه باستمرار حيث يدمج العنف المباشر والمؤسساتي مع الإدارة البيروقراطية في تواشج يُعيد إنتاج الهيمنة الطبقية ويغلق الفضاء الديمقراطي، فينتفي عن الدولة موضعتها كمشروع  اجتماعي للتحول التاريخي لتصبح جهازًا مغلقًا يحوّل الهيمنة إلى بنية دائمة ويعيد تدوير السيطرة تحت ستار الاستقرار ما يجعل أي محاولة للتغيير تبدو كمهدد ليس فقط للنظام السياسي  بل حتي لشروط إنتاجه ذاتها. هذا التوتر المستمر بين الإمكان الثوري والاحتواء السلطوي، مهّد للانفجار التالي في أبريل 2023، حيث وصل العنف إلى مستوى أخر، و أدخل البلاد في طور مختلف من الصراع.

 

*العنف كمنطق لإستمرار للصراع*: _حرب (15/أبريل/2023)_ 

تفاقمت حدة الصراع السياسي والاجتماعي في السودان إلى مستوى مأساوي مع اندلاع الحرب، التي لا يمكن مقاربتها ضمن أطر النزاعات التقليدية أو اختزالها في صراع على السلطة أو تنافس بين فاعلين سياسيين بل يقتضي فهمها تفكيك البنية العميقة التي تُنتج العنف بوصفه عنصرًا تأسيسيًا في تكوين الدولة ذاتها بتجليها  كجهاز طبقي يحتكر العنف المنظم من أجل إعادة علاقات الإنتاج وضمان استمرارية الهيمنة كشرط لتمكين الدولة الطبقية وأداتها التي تجمع بين بعدي القسر والرضا.

تعكس حرب 15/أبريل/2023 توترات بنيوية عميقة داخل الكتلة الحاكمة وتجسّد مسارًا تاريخيًا ممتدًا من العنف البنيوي لا سيما في ظل إصرار القوى الثورية على استكمال مهام الثورة ومقاومة ردة انقلاب 25 أكتوبر 2021،  فهي ليست حدثًا عرضيًا أو ظرفيًا بل إستمرار لدورة عنف متجذرة بدأت مع مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو/2019، و محاولة تفكيك الإمكان الثوري الشعبي عبر القمع المباشر و تعمّقت أكثر مع انقلاب أكتوبر/2021 الذي أعاد إنتاج البنية السلطوية نفسها من خلال العنف المؤسسي والقانوني، وتستمر هذه الدورة ضمن مسار جدلي بلغ ذروته بتحوّل العنف إلى منطق شامل للصراع، إذ لم يعد يُستخدم لإدارة الأزمة فحسب بل لإعادة إنتاجها، حيث لا تعود الدولة إطارًا للصراع السياسي والاجتماعي بل تصبح هي ذاتها موضوعه وميدانه فتتفكك إلى قوى متصارعة داخل البنية الطبقية نفسها. لذلك، لا يمكن فهم دور المؤسسة العسكرية خارج موقعها داخل هذه البنية،  فالجيش في السودان لا يعمل كجهاز وطني محايد، بل كفاعل اقتصادي/سياسي مركزي منخرط في شبكات معقدة من المصالح تشمل السيطرة على قطاعات استراتيجية من الاقتصاد، الارتباط برأس المال المحلي والإقليمي والتأثير في مسارات التراكم وإعادة توزيع الموارد، فتتحول المؤسسة العسكرية إلى شريحة طبقية (Class Fraction) تعمل على إعادة إنتاج الهيمنة عبر الجمع بين العنف والتنظيم فهي لا تستخدم القوة لحماية المجتمع بقدر ما توظفها لإدارة الصراع السياسي والاجتماعي بما يضمن استمرار الامتيازات، عليه، فإن الحرب لا تمثل انحرافًا عن وظيفة الجيش بل امتدادًا لها، إذ تكشف عن التناقضات داخل الكتلة الحاكمة ويغدو العنف وسيلة لإعادة توزيع السلطة داخلها دون الخروج عن منطق الهيمنة الذي يؤطرها، ومنطق مستمر يحدد طبيعة الصراع نفسه، بحماية مصالح النخبة الاقتصادية والسياسية على حساب أي أفق للتمثيل الشعبي أو المشاركة الديمقراطية.  فهي بالتالي مرحلة تصعيدية في دورة العنف البنيوي السوداني، حيث تتفاعل مستويات متعددة من العنف المباشر، المؤسسي والرمزي في إطار جدلي يضمن إعادة إنتاج الدولة كجهاز طبقي مغلق و يؤجل أي إمكانية لتحوّل تاريخي يعيد توزيع السلطة والثروة خارج نطاق الهيمنة القائمة.

تكشف الحرب عن تحوّل نوعي عميق في وظيفة العنف داخل البنية السياسية والإجتماعية السودانية حيث لم يعد مجرّد أداة ظرفية تُستدعى لإخماد الأزمات أو إحتوائها، بل آلية بنيوية لإدارتها و إعادة إنتاجها، ومكوّن داخلي في منطقها التشغيلي يُعاد إنتاجه وتدويره بوصفه شرطًا لاستمرار الهيمنة. لتتخذ الحرب وظائف مركّبة تتجاوز بعدها العسكري المباشر وهي:

– تُوظَّف كأداة لإعادة توزيع موازين القوة داخل الكتلة الحاكمة حيث يصبح العنف وسيلة لإعادة ترتيب مواقع النفوذ بين مكوّناتها دون المساس بالبنية الطبقية ذاتها. 

– تُستثمر حالة الفوضى بوصفها بيئة ملائمة لإعادة هيكلة السيطرة على الموارد سواء عبر التوسع في الاقتصاد الحربي أو عبر إعادة توجيه مسارات التراكم لصالح الفاعلين المهيمنين. 

– يُعاد تشكيل الحقل السياسي تحت غطاء الطوارئ بحيث تُفرغ السياسة من مضمونها التمثيلي و تُختزل في إدارة أمنية للأزمة، تُقنَّن عبر خطاب الضرورة والاستقرار. 

فلا يعود الاستقرار نقيضًا للعنف، بل يصبح نتاجًا له ووظيفة من وظائفه ويُعاد تعريف الإستقرار بوصفه حالة من الضبط القسري المستدام لا تعبيرًا عن توازن اجتماعي أو سياسي، هكذا تتحول الدولة إلى جهاز لإدارة الأزمات الدائمة و يُنتج العنف شروط استمراره بذاته، فيغدو كل انفراج محتمل مجرد لحظة مؤقتة داخل دورة أعمق من إعادة إنتاج السيطرة.

* *العنف كأداة لترسيخ السلطة*

يُمارَس العنف في سياق الدولة الطبقية كآلية بنيوية لإعادة تثبيت السلطة وترسيخها على المدى الطويل فهو لا يقتصر على القمع المباشر للمعارضة بل يعمل على إعادة تشكيل الصراع السياسي والاجتماعي بما يضمن استدامة الهيمنة عبر إنتاج بيئة يُعاد فيها تعريف حدود الممكن والمسموح، كما يسهم في تفكيك البنى التنظيمية للقوى الاجتماعية وإضعاف قدرتها على الفعل الجماعي من خلال الاستهداف المباشر أو عبر خلق شروط من الخوف وعدم اليقين تُقوّض إمكانات التنظيم والمبادرة، بذلك لا يُخضع العنف الأفراد فحسب بل يعيد هندسة الواقع الاجتماعي واليومي بحيث يُصبح التفكك والتشظي حالة اجتماعية عامة لا تعيق فقط إمكانات الفعل الجماعي بل تُفرغ النشاط العام من قدرته على توليد مشروع بديل و يتحول الأفراد إلى وحدات معزولة فاقدة لروابطها التنظيمية والرمزية بما يقطع إمكان تشكّل وعي جماعي قادر على بلورة بديل تاريخي.

كما يعمل العنف على إعادة إنتاج الطاعة عبر تحويلها من خيار سياسي إلى ضرورة وجودية و يُعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الانضباط القسري لا التمثيل أو التوافق عبر خطاب يُضفي على القمع طابعًا شرعيًا، ويقدّمه كوسيلة لحماية النظام العام بما يساهم في تطبيع السيطرة وتوسيع قبولها على مستوى أعمق، يُستخدم أيضاً لإعادة ضبط التوازنات داخل الكتلة الحاكمة نفسها من خلال إدارة التناقضات بين مكوناتها بما يضمن استمرار النظام ككل حتى وإن تبدّلت مواقع القوى داخله، هكذا يصبح العنف ليس فقط أداة لحماية السلطة بل آلية لإعادة إنتاجها وتكييفها مع تحولات الصراع بما يحافظ على استمرارية البنية السلطوية رغم أزماتها المتكررة.

*العنف ضد المواطنين*: تستمر السلطة في استخدام القوة المفرطة ضد المواطنين من خلال الهجمات العشوائية، إستعمال الأسلحة الثقيلة في مناطق مأهولة بالسكان وإرتفاع حدة الإنتهاكات، هذا الاستخدام المفرط للعنف لا يقتصر على القمع المباشر بل يهدف الرعب الجماعي وترسيخ الطاعة مما يحوّل المواطنين العزل إلى أدوات ضمن منطق السيطرة الطبقية بما يضمن بقاء الهيمنة دون قيود أخلاقية أو سياسية. 

*الهيمنة الاقتصادية*: توفر الحرب غطاءً مثاليًا لتفادي المحاسبة والمساءلة وتتيح للنخب الاقتصادية السيطرة على الموارد الحيوية للدولة وإستثمار الأزمة لتحقيق مكاسب خاصة و فرصة لإعادة ترتيب أنماط التراكم فيتحول العنف إلى أداة لاستدامة التراكم غير المتكافئ للثروة، و يصبح التدمير المادي والاجتماعي وسيلة لإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية عبر تفكيك أنماط الملكية القائمة وإعادة توزيع الموارد بما يعزز تمركزها في يد الطبقة المهيمنة ويخدم مصالحها. تتقاطع الحرب مع منطق التراكم بالإقصاء وتُستخدم الفوضى والعنف لإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية على نحو يعمّق التبعية  ويُعيد إنتاج الهيمنة ضمن شروط أكثر اختلالًا وعدم مساواة.

*إجهاض أي مشروع شعبي*: كما في مجزرة فض الاعتصام وانقلاب أكتوبر/2021، تُستغل الحرب أيضاً لإجهاض أي محاولة للتغيير الاجتماعي أو السياسي بتحويل الدولة إلى حلبة صراع بين النخب المتنازعة، فالعنف هنا ليس فقط وسيلة لإخماد المعارضة بل آلية لإعادة إنتاج البنية السلطوية نفسها من خلال تفكيك الفاعلين الاجتماعيين، وتشتيت قواهم التنظيمية، وإعادة توجيه الصراع بعيدًا عن قضاياه الجذرية نحو تناقضات داخلية بين مراكز السلطة بحيث تبقى إمكانات الثورة محاصرة وتظل مسارات المشاركة الشعبية مغلقة بما يمنع تشكّل بديل تاريخي قادر على كسر منطق الهيمنة.

*إعادة إنتاج الشرعية*: لا تكتفي السلطة بتوظيف العنف كأداة للسيطرة بل تعمل على إعادة إنتاجه بوصفه مصدرًا للشرعية ذاتها، بإعادة تأطيره خطابيًا عبر أجهزة الدولة السياسية والإعلامية ويقدم باعتباره ضرورة موضوعية لحفظ الأمن والاستقرار، بهذا لا يعود العنف مجرد وسيلة قسرية بل يتحول إلى تقنية حكم تُعيد تعريف معايير الشرعية وحدودها، ليفرغ الشرعية من مضمونها التمثيلي/الديمقراطي ويعيد صياغتها وفق منطق القدرة على الضبط والسيطرة. أي أن معيار المشروعية لا يُقاس بمدى تعبير السلطة عن الإرادة الإجتماعية بل بمدى قدرتها على فرض النظام عبر العنف، هنا تتجلى المفارقة البنيوية فكلما توسّع استخدام العنف ازداد توظيفه كدليل على ضرورة بقاء النظام لا على أزمته كما أن هذا التحول لا يقتصر على المجال الدعائي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي و إنتاج القبول بالعنف عبر تطبيع حضوره في الحياة اليومية وربطه بخطاب الخطر الدائم أو التهديد المستمر ليتداخل القسر مع القبول في بنية الهيمنة، ليظهر نوع من السلطة  يقوم على مزيج معقد من الإكراه والرض وشرعية الإمتثالً للقوة لا تعبيرًا عن الإرادة.

 

*التأثير الاجتماعي للعنف في السودان*:

تجاوز العنف بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة (مرحلة النهوض الجماهيري)، حدود كونه أداة قسر سياسي وكبح لفعل الاحتجاجي إلى آلية مادية لإعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية بما يضمن استمرار الامتيازات الطبقية وإعادة إنتاج السيطرة في أشكال أكثر تعقيدًا ووفق متطلبات الهيمنة، مستهدفة تفكيك شروط الفعل الثوري عبر استهداف البنى التنظيمية، إضعاف شبكات التضامن والمقاومة وإنتاج حالة من التذرّر الاجتماعي تمنع تحويل الوعي إلى قوة مادية فاعلة، يُظهر هذا التحول أن العنف لم يعد وظيفة ظرفية مرتبطة بلحظة الأزمة بل غدا نمطًا من أنماط الحكم يُستخدم لإعادة هندسة المجتمع ذاته وتعريف حدود الفعل السياسي بما يحاصر إمكانات التغيير داخل شروط الهيمنة، فهو يعيد تشكيل الروابط الاجتماعية التي يمكن أن تتحول إلى قاعدة للفعل الجماعي وينظم العلاقات بما يخدم منطق التراكم والسيطرة، ما يجعل العنف قوة إنتاج اجتماعي تعيد تركيب المجتمع في صورة مجزأة قابلة للاحتواء ومنزوعة الإمكانيات الثورية، ما أضعف الروابط الاجتماعية التقليدية والحديثة على حد سواء، عبر تفكيك الفضاءات العامة التي تُشكل حواضن للتنظيم السياسي والاجتماعي وتوجيه الطاقات من الفعل الجماعي إلى استراتيجيات البقاء الفردي ضمن اقتصاد حرب يعيد ترتيب الأولويات وفق منطق الضرورة الذي أعاد تشكيل الوعي نفسه حيث تراجعت فكرة المصلحة العامة لصالح حسابات فردية قصيرة المدى، وهو شرط مثالي لإعادة إنتاج الهيمنة.

 

*مستقبل التغيير، المقاومة وإمكان الفعل الثوري في ظل العنف:*

أثبت التجربة التاريخية أن العنف أداة بنيوية لإغلاق مسارات التغيير وحماية البنية الطبقية القائمة، في الوقت نفسه يُفرَض على الوعي الجماهيري أرضية جديدة لتطوير أشكال مبتكرة للمقاومة، فكلما اشتد القمع وتكثفت سياسات الهيمنة، تعمّقت شروط الانفجار الاجتماعي وكلما أُغلقت القنوات الديمقراطية للتغيير أعاد الوعي الثوري إنتاج نفسه في صيغ متجددة تواجه القيود المفروضة وتوظف استراتيجيات مقاومة أكثر تطورًا، يعكس هذا التفاعل بين القوة السلطوية والوعي الثوري دورة عنف بنيوي مستمرة، حيث لا يمكن فصل الإمكان الثوري عن صراعه مع الهيمنة الطبقية، كما لا يمكن تصور المقاومة بمعزل عن قيود القوة المنظمة للدولة، هذه الدورة الجدلية تكشف الطبيعة المتغيرة للدولة السودانية كجهاز طبقي يحتكر العنف ويعيد إنتاج السلطة والسيطرة في حين يولد الإمكان الثوري إمكانات مستمرة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي، بما يجعل الصراع عملية مستمرة بين إعادة إنتاج الهيمنة وإمكانية التغيير. على المستوى الطبقي، يعمل العنف كآلية لإعادة هيكلة التشكيل الاجتماعي عبر تعميق التفاوتات وتكثيف تمركز الثروة والموارد في يد النخب المسيطرة، فالحرب ليست مجرد دمار بل عملية إعادة توزيع قسرية تعيد تشكيل علاقات الملكية بما يخدم تراكم الثروة في شروطه العنيفة، غير أن هذه العملية نفسها تُنتج تناقضات موضوعية حادة، حيث تتسع الفجوة بين البنية الاقتصادية ومطالب الفئات الشعبية، ما يراكم شروطًا مادية لانفجارات اجتماعية لاحقة. ويعيد صياغة الفعل الثوري في مستويات أكثر عمقاً، يوازي تفكيك الروابط الاجتماعية و يراكم لأشكال جديدة من الوعي النقدي الذي تولد من تجربة العنف والاستغلال، حيث لا تنتج الصدمات الخضوع فقط، بل تولد وعيًا متوترًا يعيد تأويل الواقع ويكشف طابعه التاريخي بما يتيح إعادة تشكّل المقاومة حتى لو اتخذت في البداية أشكالًا غير مرئية أو غير منظمة.

رغم هذا الواقع المعقد و أحداثه المتلاحقة لم يلغي العنف بكل تشكلاته التايخية إمكان الفعل الثوري بل أعاد إنتاج شروطه عبر تكييف مستمر مع تحولات الصراع وتصاعد سياسات الهيمنة، وكشف عن التناقض البنيوي المركزي بين “قوة ثورية شعبية تسعى لإعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية إجتماعية مستندًا إلى تاريخ نضالي ثر وتجربة طويلة من الاحتجاج والمقاومة” ضد “نخبة سلطوية تعيد إنتاج نفسها عبر العنف بهدف الحفاظ على إمتيازاتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية و إعادة إنتاج علاقات الهيمنة داخل الدولة والمجتمع”، هذا التناقض هو جوهر الصراع السياسي و الإجتماعي السوداني ذي الطابع الديناميكي التاريخي والذي يُعاد إنتاجه في كل مرحلة بآليات أكثر تعقيدًا وتكثيفًا.

بناءً على ذلك، لا يمكن تصور التغيير الثوري بوصفه مسارًا خطيًا أو حتميًا، بل كعملية تاريخية مفتوحة تحدد عبر التفاعل الجدلي بين آليات القمع وإعادة إنتاج الوعي، رغم دور العنف في تثبيت الهيمنة إلا أنه يحمل في داخله شروط تقويضها، إذ كلما تعمّقت سياسات الإقصاء تعاظمت التناقضات التي تغذي إمكانات الانفجار.

إن مستقبل التغيير في السودان لا يعتمد فقط على مواجهة العنف الظاهر بل على تفكيك شروطه البنيوية من خلال إعادة بناء الروابط الاجتماعية وتطوير أشكال تنظيمية قادرة على تجاوز التذرّر، وربط الوعي بالممارسة السياسية، فالمهمة الأساسية لا تكمن في مقاومة القمع فحسب بل في إعادة إنتاج المجتمع كذات تاريخية قادرة على الفعل بما يفتح أفقًا لتجاوز الدولة في صيغتها الحالية  أو بوصفها جهازًا لإعادة إنتاج الهيمنة وإعادة تأسيسها على قاعدة ديمقراطية/اجتماعية جديدة.

رغم إستمرار الحرب، سياسات القمع المفرط والتنكيل اليومي بالمجتمع، يظل بث الوعي الإجتماعي وترسيخ المقاومة الركيزتين الأساسيتين للحفاظ على إمكان الثورة في الذاكرة الجماعية للقوي الثورية، فالوعي الشعبي لا يقتصر على المعرفة النظرية أو التذكر التاريخي فحسب، بل يتشكل في أطر عملية وديناميكية للتغيير تتحوّل فيها المعاناة اليومية إلى أدوات تكتيكية واستراتيجيات مواجهة متجددة، مستفيدة من خبرات النضال السابقة وتجارب الاحتجاج الشعبي، و تصبح الجماهير فاعل إنتاجي للقدرة الثورية يمتلك إمكانات التحول من حالة الضحية إلى حالة الفعل المقاوم ضمن بنية سلطوية طبقية معقدة، إن المعايشة اليومية للوعي الجماعي مثل تنظيم الاحتجاجات الصغيرة، المقاومة القسرية والرمزية و إعادة تفسير الخبرة المتراكمة، تشكل سلسلة من التدابير الثورية الدقيقة التي تحافظ على إستمرار القدرة على التغيير رغم الظروف القهرية، و تقوم هذه المقاومة بوظيفتين متوازيتين “تكتيكية، للتكيف مع واقع العنف والقمع” و “إستراتيجية، لتحويل الأزمات والمعاناة إلى فرص لإعادة إنتاج الوعي النقدي وتعميق إمكان الثورة على المدى الطويل”، بهذا تتحول الأزمات المستمرة إلى ميدان لإعادة بناء الوعي الجمعي وصقل أدوات المقاومة، حتى لو اتخذت هذه الممارسات أشكالًا غير مرئية أو غير رسمية، وتصبح المقاومة شبكة مترابطة بين الفعل والوعي  تتجاوز مواجهة القمع العاجل و تعيد تعريف الحدود الرمزية والسياسية للمجتمع.

تكشف هذه الديناميات أن الثورة ليست مجرد لحظة انفجار أو صدام مباشر بل عملية مستمرة لإنتاج إمكان الفعل الثوري داخل بنية سلطوية قسرية فحتى في أقسى حالات الحرب والقمع إشتداداً، و يظل الشعب السوداني قادرًا على تجسيد إرادة التغيير وإعادة تشكيل إمكانات الثورة من خلال تراكم الخبرة التاريخية مع الواقع اليومي، مستندًا إلى تفاعل جدلي بين الوعي الجماعي والممارسة الميدانية اليومية.

من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة 3/يونيو/2019، إنقلاب 25/أكتوبر/2021 إلي حرب 15/أبريل/ 2023″، يتضح أن العنف في السودان أداة تاريخية للنخبة لإجهاض أي محاولة للتغيير الثوري. الشهداء، الجرحى، المفقودون ،المحتجزون قسراً، و كل ضحايا العنف، ليسوا حوادث عابرة أو أرقامًا في سجلات القمع، بل رموز لمقاومة مستمرة ضد الهيمنة وتجسيدًا لصراع طويل بين البنية السلطوية الطبقية وإمكانات الثورة الجماهيرية.

رغم كل هذا العنف لم تنطفئ روح الثورة و الوعي بها ما زال متقدًا، فالتاريخ يُقرأ، والدروس تُستخلص، وتجارب النضال تتحول إلى أدوات تكتيكية واستراتيجية لإعادة إنتاج المقاومة، قد يفني العنف الجسد، لكنه يتحول إلى تراث مادي ووعي تراكمي يشحذ إرادة الشعب ويقوي قدرته على الصمود ليجعل من التجربة القهرية قوة معرفية وثورية و تصبح مقاومة  العنف عنصرًا لإثراء الوعي الثوري حيث تولّد الصدمات الجماعية قدرة على إعادة تأويل الواقع وفهم طبيعة السلطة وقوانينها، وهو ما يمكّن الشعب من النهوض والإستمرار في إنجاز مهام التغيير الجذري المقبلة حتى في وجه أعتى أدوات القمع مؤكداً أن الثورة ليست مجرد لحظة، بل مسار تاريخي مستمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

25/مارس/2029

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى