تجليات الروح في شعر محمد الحسن سالم حميد…

يوسف الغوث
آه يا وطني المستف،،في المطارات القصية،
آه يا كفني المنتف،،في مدارات القضية
آه يا صمتي المكتف في العبارات الندية،،
آه يا نفسي الملطف،بالنهارات الصبية،،
آه من رفع المصاحف بالرماح الأجنبية،،
ثمة شعراء لا يكتبون بأحبار الأرض وحدها، بل تمتد أصابعهم إلى ضوء لا يرى،، فتخرج الكلمات من بين أضلعهم كأنها أنفاسُ راهبٍ في صومعة، أو شهقةُ عاشقٍ على أعتاب الحضرة.،،منهم محمد الحسن سالم حميد، شاعر النيل والهامش والذي ظنناه محبوساً في سجون السياسة وأوجاع الفقراء، فإذا به في لحظات من شعره يرفع رأسه إلى سماء لا تعرف الحدود، ويمضي بروحه في رحلة لا توصف، يتحول الحجر في حضرته إلى نور، والتراب إلى حضرة، والصمت إلى لغة لا تنطق إلا لله.
نحن لا نقرأ التصوف مذهباً، بل نراه تجلياً ولا نحلل النص، بل نغوص فيه كما يغوص الصوفي في بحر لا شاطئ له،،إنها محاولة لالتقاط ما لا يلتقط، ولملمة ما تناثر من أنوار في ثنايا لغةٍ ظنها الناس عامية، فإذا بها تصلّي في خشوع….
إن الوطن في شعر حميد ليس مجرد بقعة على الخريطة، ولا شريطاً من تراب يبكي عليه الحزين.،،الوطن عنده حضرة، وجود أزلي نزع من الروح، فظل الإنسان يتيه في مطارات الكون البعيدة،، كل مكان صار منفى، وكل أرض أصبحت غربة. وهو الاغتراب الأنطولوجي الذي لا دواء له،،ان تكون هنا وأنت هناك، أن تمشي على الأرض وقلبك معلق في علياء لا ترى.
تلك هي مأساة الإنسان المناضل،، وطن واحد، لكن أبوابه لا تفتح إلا للذين ماتوا قبل أن يموتوا. فحين يقول حميد “وطني المستف”، كأنما يبوح بسر الوجود،، أو كأننا مسلوبون حتى من أوطاننا الأصلية،ولا نملك من الأرض إلا ما يكفي لدفن أحلامنا.
أما الكفن في لغة حميد فليس قماشاً أبيض يُلف به الجسد، بل هو رمز الموت الذي لم يكتمل.فهو ممزق، منتوف، مرفوع عن الجسد وكأن الموت نفسه قد تجاوز ذاته.. فهنا يتحدث حميد عن موت لا يموت، عن فناء في الفناء، عن لحظة يصير فيها العدم أكثر حضوراً من الوجود….
إن مدارات القضية هي أفلاك القدر التي تدور فيها الأقدار، والكفن الممزق يطير في تلك المدارات كأنه روح خرجت من سجن الجسد، فلم تجد سقفاً يحجبها او سماء يبلغ منتهاها،،،،،
إنها لحظة يتساقط فيها كل شي،، الجسد، الكفن، حتى القبر نفسه يصير فضاء مفتوحاً على اللانهاية وارقام مبعثرة لا يمكن احصاء عددها،،،
إن الصمت، ليس سكوتاً عادياً. فهو صمت مكتف، متكئى على ذاته، لا يحتاج إلى ضجيج ليؤكد وجوده. وهذا الصمت يسكن في قلب العبارات الندية، كأن الكلام الرقيق هو حضن دافئ لصمت أعمق،،فهل يمكن للصمت أن ينطق عند حميد،؟؟؟

نعم. إنه لسان حال، لغة العارفين الذين لا تحبسهم الأبجدية…
تلك العبارات الندية هي كالأذكار الخفية، تنساب كالندى في الفجر، لا تسمعها الأذن لكن الروح تسمعها. والصمت المكتف هو السكينة التي تنزل على القلب، فلا يبقى للكلام معنى، ولا للصمت تفسير، بل يصير الجميع حضوراً مكتملا..
ثم النفس. ليست النفس الأمارة بالسوء، بل النفس التي تلطفت حتى انفكت عن كثافة المادة، وصارت مرآة صقيلة تعكس أنواراً لا تغيب. و النهارات الصبية”هي أيام الاشراق تلك اللحظات التي تتفتح فيها بصيرة القلب فترى ما لا تراه العين.
إنها النفس التي تحررت من امتلاك الأشياء، فامتلأت بالأنوار. في مقام الفتوة حيث لا تملك ولا تملكك، بل تكون كما يكون الضوء،حاضرا دون أن يمسك بشيء، منيرا،، دون أن يمسك…
وفي ذروة الرؤية، حيث يلتقي القدسي بالارضي، يكشف حميد عن جرح لا يندمل رفع المصاحف بالرماح وهنا تبلغ القصيدة قمتها، حيث تتصادم السماء مع الأرض، ويتحول المقدس إلى أداة في أيدي لا تعرف قدسيته او تفهم جوهره…
فالمصاحف رموز الوحي والرحمة والرماح رموز الحرب والقسوة.و حين برفع الأول ضد الثاني، تنقلب القيم، ويصير الدين سلاحاً، والنص سيفاً. ..وبين هذا وذاك وفي داخل العمق الميتافيزيقي، يكشف حميد عن الفرق بين الصورة والحقيقة.،فالعارف يميز بين جسد المصحف وروحه، بين الورق والحبر وبين النور الذي لا يمس المصاحف والتي ترفع بالرماح، لكن الحقيقة تبقى طاهرة، لا تمسها الأيدي، ولا تدنسها النوايا.
إنها لحظة كشف، لحظة ينكشف فيها القناع عن وجه لا يليق بالجمال، عن إله يصنع في الهيكل ليباع، عن دين يرفع على أطراف الحديد ليقتل به….
ان حميد لا يكتب عن قصيدة وطنية او صوفية، بل يكتب قصيدة الوجود.،، ويرسم أنطولوجيا مغتربة،، أنطولوجيا الإنسان الذي الا يجد موطناً حقيقياً إلا في أعماق الرحلة بين النفي والقضاء، بين الصمت والكلام، بين ظلمة الجسد ونور النفس.
إن الجمال الصوفي لا يأتي من مصطلحات جاهزة، بل من صدق الرؤية الميتافيزيقية التي ترى في كل ظاهر إشارة إلى باطن. ومن يمتلك أذنا روحية يسمع في هذه النصوص صدى أسئلة أزلية.
فهنالك اسئلة تظل معلقة بين السماء والأرض، لا تجيب عنها القصيدة، لكنها تجعلنا نعيشها، ثم نرتقي عبرها في مدارات لا تعرف السقف، ونتحول للحظة واحدة وطناً لأنفسنا، قبل أن نهوي مرة أخرى إلى أرض المنافي….
لقد كان شعر حميد يحمل كثافة الصورة،
وعمق الاشارة،،،مع شاعرية روحية وميتافيزيقية متكاملة .





