السودان.. أنين الحاجة وصمود الإنسان!
بتنا أرقاماً مجردة، تُعددها وكالات الأنباء، وتحصيها فوهات البنادق
حسام حامد
منذ القدم تمتزج حضارة النيل بصلابة الصحراء وروح الإنسان السوداني التي لا تنكسر، إذّ يقف السودان أمام واحدة من أعقد أزماته الإنسانية في التاريخ الحديث؛ فالأرقام التي تصدر تباعاً من المنظمات الدولية لم تعُد مجرّد إحصاءات جامدة، بل تحوّلت إلى صرخة مدوّية تعبّر عن معاناة أمة بأكملها، وعن واقعٍ تتنازعه الحرب والجوع والنزوح، وتكاد خيوط الأمل فيه تتلاشى إن لم تُمد له يد العون سريعاً.
وفي السياق، أحدث تلك الأرقام جاءت في تقرير منظمة الهجرة الدولية، الذي كشف عن مؤشرات إنسانية صادمة ترسم صورة قاتمة للوضع في السودان.. 86% من الأسر تواجه صعوبة في شراء الإحتياجات الأساسية، 70% من المستشفيات خارج الخدمة، 22% من الأسر لا تملك وصولاً إلى مياه آمنة، و66% من الأسر لا تستطيع تلبية إحتياجات التعليم.
هذه الأرقام ليست مجرد نسبٍ جامدة على الورق، بل هي وجوهٌ لأطفالٍ ناموا جائعين، وأمهاتٍ إنتظرن الدواء الذي لم يأتِ، وطلابٍ فقدوا مدارسهم، وأسرٍ تحلم -فقط- بيومٍ عادي بلا رعب أو نزوح.
إقتصاد الحرب.. وإنكسار الحياة اليومية
حين يقال إن 86% من الأسر تواجه صعوبة في شراء الإحتياجات الأساسية، فإن ذلك يعني ببساطة أن غالبية السودانيين بالداخل من الصامدين في مناطق النزاع أو المخدوعين بشعار “العودة الطوعية” يعيشون على حافة الجوع، إذّ أنّ الأسعار تضاعفت مرات عديدة، والعملة الوطنية فقدت معظم قيمتها، والأسواق التي كانت تنبض بالحياة أُغلقت أو دُمّرت، وأصبح الوصول إلى الغذاء تحدياً يومياً.
إلى ذلك، في العاصمة الخرطوم ومدن دارفور وكردفان وما يُحيط بالنيلين، تحول “الخبز” إلى رمز للمعاناة اليومية، و”الوقود” إلى حلم صعب المنال، و”الدواء” إلى سلعة نادرة تُباع بأضعاف سعرها؛ هذا الإنهيار الإقتصادي المتسارع لا يعود فقط إلى الحرب الدائرة، بل أيضاً إلى توقف سلاسل الإمداد وإنهيار الخدمات البنكية وتعطل الإنتاج الزراعي والصناعي، ما أدى إلى شلل شبه تام في دورة الحياة اليومية، وفي ظل سُلطات ترفض فتح الطُرق والممرات الآمنة لمنظمات “العون الإنساني”.
لكن خلف هذا الإنهيار الإقتصادي، تكمن معاناة إنسانية أكثر قسوة، ملايين فقدوا وظائفهم، وآلاف الأسر أُجبرت على النزوح، بينما يعيش كثيرون في مساكن مؤقتة بلا كهرباء أو مياه أو أمن، وحتى تلك المساكن العشوائية تعرضت للهدم من قبل السُلطات، بحجة تمثيلها “أوكاراً للجريمة”؛ وفي المُجمل إنها ليست أزمة اقتصاد فحسب، بل أزمة كرامة إنسانية وحق في الحياة.
القطاع الصحي.. موت بطيء بلا دواء
أن يكون 70% من المستشفيات خارج الخدمة، فذلك يعني أن أرواح الملايين أصبحت معلقة بخيط رفيع من الأمل، فالمرافق الطبية في السودان كانت تعاني أصلاً من ضعف التمويل ونقص الكوادر والمعدات قبل الحرب، وجاءت الصراعات الأخيرة لتقضي على ما تبقى منها.
في مدن دارفور والخرطوم والجزيرة، تحولت المستشفيات إلى مناطق خطر، بعضها تعرض للتدمير أو النهب، والبعض الآخر توقف عن العمل بسبب إنقطاع الكهرباء والمياه ونقص الإمدادات؛ كما أنّ الأطباء والممرضون يعملون في ظروف أقرب إلى المستحيلة، في ظل إنعدام الأمن والوقود وحتى الأدوية الأساسية.
وفي السياق، نجد نساء حوامل يلدن في المنازل بلا إشراف طبي، ومرضى الكلى لا يجدون جلسات غسيل منتظمة، وأطفال يفقدون حياتهم بسبب أمراض كان يمكن علاجها بسهولة؛ هذه المشاهد ليست إستثناءً، بل أصبحت القاعدة اليومية في بلدٍ يعاني الإنهيار في كافة المرافق الخدمية.
العطش في أرض النيل
إزاء ذلك، قد يبدو غريباً أن 22% من الأسر لا تملك وصولاً إلى مياه آمنة في بلد يجري فيه أطول نهر في العالم، لكن الحرب دمّرت شبكات المياه وقطعت خطوط الإمداد، وأجبرت ملايين السودانيين على الاعتماد على مصادر ملوثة أو بعيدة، لا سيما في مناطق كردفان التي ظلت تعاني في سبيل الوصول إلى المياه.
كما أنّ المياه التي كانت رمزاً للحياة في السودان أصبحت اليوم مصدراً للأمراض والأوبئة، تقارير منظمات الإغاثة تشير إلى ارتفاع حاد في حالات الكوليرا والإسهالات المائية في بعض المناطق، خاصةً تلك التي تأوي نازحين يعيشون في ظروف بيئية قاسية بجانب “حمى الضنك” التي يسببها البعوض عادةً.
وفي السياق، وفي مناطق كثيرة، تضطر النساء والأطفال إلى السير لساعات يومياً لجلب المياه من آبار غير محمية، ما يزيد من خطر الاعتداءات الجسدية والنفسية، إن أزمة المياه في السودان ليست مجرد مشكلة لوجستية، بل مأساة إنسانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكرامة الإنسان وحقه في الحياة ولا كرامة للناس في استمرار “الحرب”.
التعليم المعلّق بين الحرب والنزوح
إلى ذلك، وحين يُقال إن 66% من الأسر لا تستطيع تلبية احتياجات التعليم، فذلك يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال مهدد بالضياع؛ آلاف المدارس أغلقت أبوابها أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين، والمعلمون بلا رواتب منذ شهور، والمناهج مجمدة، والمستقبل مؤجل إلى أجلٍ غير مسمى.
من جهة أخرى، في مخيمات النزوح، ترى الأطفال يلعبون في التراب بأدوات بدائية بينما تذبل أحلامهم البريئة في أن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو معلمين؛ التعليم، الذي كان نافذة الأمل الوحيدة نحو غدٍ أفضل، أصبح رفاهية لا يمكن لمعظم الأسر تحملها.
لكن رغم ذلك، لا يزال هناك بصيص ضوء في هذا الظلام، فمبادرات محلية وشبابية ظهرت في بعض الولايات لإقامة فصول مؤقتة أو دروس تطوعية للأطفال؛ هؤلاء الشباب يمثلون الوجه الآخر للسودان، الوجه الذي يرفض الاستسلام رغم الجراح، حيث ظل العمل الطوعي نشطاً منذ اندلاع الحرب في البلاد.
صمود الإنسان السوداني.. معجزة وسط الركام
إلى ذلك، وسط كل هذه الكوارث، تبرز أعظم معجزة سودانية.. صمود الإنسان نفسه، فبرغم الجوع والخوف، لا يزال السودانيون يتشبثون بالحياة، ويتبادلون المساعدة في ما بينهم، وينشئون مبادرات مجتمعية لتوفير الغذاء أو الدواء أو المأوى، لقد علمتهم الأزمات الطويلة أن التضامن ليس خياراً، بل وسيلة للبقاء.
في الأسواق المدمّرة، ترى من يقاسمك رغيفه الأخير، في الأحياء المهجّرة، تجد من أعاد بناء مدرسة من الصفر، وفي القرى النائية، تسمع أصوات الأمهات وهن يرددن الأغاني الشعبية القديمة كي يخففن عن أطفالهن وطأة الخوف، إنها ملامح الإنسانية التي ترفض أن تُطفأ، حتى في أحلك اللحظات، رغم أنّ البقاء ارتبط بقِّلة سبل النجاة أو التوفر على أموال تكفي حتى للنزوح الداخلي.
الأرقام والواجب الإنساني
إلى ذلك؛ التقارير الأممية يمكنها أن توثق الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تنقل عمق الألم الإنساني كما هو، فكل رقم في هذا التقرير هو قصة، وكل قصة تستحق أن تُروى؛ السودان وفي ظلال الحرب لا يحتاج إلى تعاطف وحسب، بل إلى تحرك دولي حقيقي لإيقاف الحرب، وتأمين الممرات الإنسانية، وإعادة بناء ما تهدّم من بنية تحتية وخدمات، الأهم من كل ذلك حصار طرفي النزاع للجلوس إلى طاولة التفاوض.
كما أن الحل لا يمكن أن يكون فقط في المساعدات الطارئة، بل في رؤية شاملة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، تعيد للسودانيين القدرة على الاعتماد على أنفسهم من جديد؛ فالشعب الذي بنى دولته بالعلم والعمل يمكنه أن ينهض من جديد، إذا ما توافرت له بيئة آمنة ودعم صادق، وليس الاستمرار في حرب لا نهاية لها بغير “التفاوض”.
وطن لا يُهزم بالإحصاءات
الأرقام قاسية، لكنها لا تختزل الحقيقة الكاملة، فالسودان ليس فقط بلداً يعاني، بل بلداً يقاوم؛ في كل بيتٍ فقد قوت يومه، هناك يدٌ تُطعم الجار، وفي كل مدرسة أُغلقت، هناك طفل يرسم مستقبله على الجدران، وفي كل مستشفى توقف، هناك طبيب يواصل عمله بإصرار خارق، إنها حكاية بلدٍ جريح، لكنه ما زال حياً، حكاية السودان، الإنسان الذي لا ينكسر مهما اشتدت العواصف فهل تنجح مساعي “الرباعية” لتخفف على الناس “الآلام الجماعية”؟!





