القاهرة تحتفي بملك الجاز

شرحبيل أحمد عطاء ممتد .. ونبل بلا حد
محمد إسماعيل – أفق جديد
في الرابع والعشرين من يناير ، تفتح القاهرة ذراعيها لواحد من أنبل وأجمل تجارب الفن السوداني، وهي تستضيف أكبر احتفاء يليق بقامة إبداعية صنعت الفرح ووسمت الوجدان الجمعي بنغمة لا تخطئها الذاكرة: الفنان الكبير شرحبيل أحمد، الذي استحق عن جدارة لقب «ملك الجاز»، بما قدّمه من أداء متفرّد وألحان راقصة خفيفة، تجمع بين الطرب والتربية، وبين العمق والبساطة.
منذ أغسطس الماضي، تواصل اللجنة العليا لتكريم الفنان شرحبيل أحمد، ومعها لجانها الفرعية، عملاً دؤوباً وجهداً ممتداً، لوضع الخطة المتكاملة لهذا الحدث الاستثنائي، الذي يأتي احتفاءً بتجربة فنية سودانية شاملة، وبسيرة إبداعية تمثل إحدى ركائز الفن في السودان الحديث. وقد تقرر، بالشراكة مع شركة سوداني للاتصالات، أن تُقام فعاليات التكريم على مسرح الجلاء بالقاهرة، في احتفال لا يقتصر على التكريم الرمزي، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة معمّقة ومتخصصة لتجربة شرحبيل ، عبر شهادات ومداخلات لنقاد وباحثين وموسيقيين سودانيين ومصريين، يتناولون مختلف جوانب مسيرته الغنية والحافلة بالعطاء.
السيرة والمسيرة
وُلد شرحبيل أحمد عام 1935 بمدينة أم درمان، تلك المدينة التي شكّلت عبر تاريخها بوتقة للثقافة والفن والتنوّع. تلقّى تعليمه الأولي في كُتّاب بابكر بدري، ثم في كتاب حي العباسية، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى مدينة الأبيض، حيث أكمل تعليمه بمدرسة النهضة التابعة للبعثة التعليمية المصرية. وفي الأبيض، مدينة «عروس الرمال»، تشكّلت أولى ملامح وعيه الموسيقي، متأثراً بالموسيقى التصويرية للأفلام التي كانت تُعرض في سينما المدينة، فتعلم العزف على آلة العود، لتبدأ رحلة الفن مبكراً.
في عام 1949، وبإشارة وتشجيع من الفنان التشكيلي العالمي السوداني إبراهيم الصلحي، التحق بكلية الفنون الجميلة بالمعهد الفني في الخرطوم. وبعد نيله دبلوم الفنون الجميلة، عمل بوزارة التربية والتعليم رساماً في قسم الإخراج الفني بمكتب دار نشر الكتب المدرسية، وأسهم في إعداد مجلات الأطفال وكتب محو الأمية، جامعاً بين الفن والرسالة التربوية.
عالم الطفولة
لم يكن شرحبيل أحمد مطرباً فقط، بل كان مبدعاً متعدد الأدوات. فقد ابتكر الشخصية الكاريكاتيرية الشهيرة «عمك تنقو»، التي ارتبطت بذاكرة أجيال من قرّاء مجلة «الصبيان» في ستينيات القرن الماضي. كما ابتكر شخصية «مريود» وشخصية «جلجل» في مجلة مريود السودانية، وأسهم في رسم شخصية «جحا». وظل يعمل في مجال رسومات مجلات الأطفال منذ عام 1960 وحتى تقاعده من وزارة التربية والتعليم عام 1995، مقدّماً فناً تربوياً راقياً شكّل جزءاً من الوعي الجمعي.
أغنيات الشجن
على الصعيد الغنائي، أسس شرحبيل أحمد فرقة موسيقية متكاملة، قدّمت أعمالها في الحفلات والمهرجانات، وسُجّلت أعمالها في الإذاعة والتلفزيون السودانيين. وضمت الفرقة عدداً من العازفين المتميزين، من بينهم زوجته زكية أبو القاسم، التي عزفت معه على آلة الجيتار، لتكون أول امرأة سودانية تشارك في العزف ضمن فرقة موسيقية محترفة.
حقق هذا المشروع الفني نجاحاً واسعاً داخل السودان وخارجه، وأسهم شرحبيل من خلاله في تطوير الأغنية السودانية الحديثة، ساعياً إلى إعادة موسيقى الجاز إلى جذورها الأفريقية، دون التفريط في الخصوصية المحلية. ومن أشهر أعماله: الليل الهادي، ستار يا ليل، قلبي دقّه، إلى جانب روائع مثل لو تعرف الشوق، البهجة في عينيك، ومين في الأحبة، وهي أغنيات مشبعة بالشجن، عامرة بالشوق واللهفة، ومفعمة ببهجة خاصة.
تمازج الآلات
اعتمد شرحبيل أحمد على آلات النفخ كالساكسفون والترمبيت والترمبون، إلى جانب الباص جيتار والجيتار، ولاحقاً الأورغن، مانحاً أغنياته لوناً موسيقياً متفرّداً. وقد جاء هذا التوظيف في انسجام تام مع الإيقاعات السودانية المختلفة، دون أن يحيد عن الخط الميلودي للموسيقى المعاصرة، مع استخدام واعٍ للهجة السودانية في النصوص الغنائية.
الريادة والتأثير
كان الظهور الأول لفرقة شرحبيل أحمد في افتتاح المسرح القومي عام 1960 حدثاً مفصلياً، حين قُدّمت أغنية يا حلوة العينين في استعراض راقص أعلن ميلاد أسلوب جديد. وبعد انتشار الفرقة في أوائل ستينيات القرن الماضي، ظهرت فرق أخرى تأثرت بتجربته وسارت على نهجه، مثل فرق جاز الديوم، والبلوستارز، والعقارب، والرد لاين، والنسر، وأضواء بحري، وغيرها، لتتحول تجربة شرحبيل إلى مدرسة موسيقية متكاملة.
في الوجدان
امتدت مسيرة شرحبيل أحمد لما يقارب ستة عقود، قدّم خلالها عشرات الأغنيات والمقطوعات التي ما تزال حاضرة في وجدان السودانيين. ويرى نقاد فنيون أن سرّ هذا الحضور الدائم يعود إلى مزجه الخلاق بين شخصية المطرب، والرسام، والمؤلف، والمربي، ما جعل أغنياته تدخل كل بيت سوداني دون حواجز، متوافقة مع قيم المجتمع وأعرافه.
التجربة المسرحية
لم يغب شرحبيل أحمد عن خشبة المسرح، فقد شارك بطلاً في عملين مسرحيين كبيرين: مسرحية «نبتة حبيبتي» في دور المغني «فرماس»، من تأليف الشاعر الراحل هاشم صديق وإخراج مكي سنادة، والتي لم تُعرض إلا بعد الهبة الجماهيرية ضد نظام جعفر نميري، باعتبارها عملاً ذا طابع تعبوي. والعمل الثاني هو مسرحية «سالي فو حمر» للأديب والدبلوماسي الراحل جمال محمد أحمد. وتُعد نبتة حبيبتي من أشهر المسرحيات الاستعراضية في تاريخ المسرح السوداني.
تكريم مستحق
إن تكريم شرحبيل أحمد في القاهرة ليس مجرد احتفاء بفنان، بل هو اعتراف بتجربة وطنية وإنسانية أسهمت في تطوير الأغنية السودانية الراقصة، عبر نهج جمع بين الحداثة والحفاظ على الروح القومية. هو تكريم لمسيرة جعلت من الفن جسراً للبهجة، وصوتاً للجمال، وذاكرةً حيّة لا تنطفئ.





