1000يوم حرب.. “كتلة” سنجة تعيد طرح الأسئلة

بقلم : ابراهيم هباني
بعد ألف يوم من الحرب، يصبح الإصرار على ترديد الشعارات نوعا من العناد لا أكثر.
فالوقائع، مهما جرى تطويعها في الخطب والبيانات، لها عنادها الخاص أيضا.
نعم، استعيدت العاصمة، وعادت الحكومة إلى الخرطوم.
ونعم، جرى الترويج لسلاح نوعي، ولتحرير أجزاء واسعة من كردفان، وللاقتراب من إنهاء سيطرة الخصم في أكبر أقاليم السودان.
كل ذلك قيل، وأعيد قوله، حتى استقر في الخطاب العام كأنه خلاصة المسار.
ثم جاءت مسيرة سنجة.
لم تقع الضربة على خط تماس، ولا في منطقة رمادية، ولا في بقعة متنازع عليها.
بل وقعت في مدينة تصنّف، نظريا، بعيدا عن مسرح العمليات المباشرة.
والأخطر أنها استهدفت اجتماعا قياديا، لا موقعًا عشوائيا ولا هدفا ثانويا.
هنا بالضبط، لا تعود الأسئلة ترفا سياسيا.
فما معنى امتلاك (السلاح النوعي) إذا كانت القيادة نفسها مكشوفة؟
وما قيمة دعاية التحرير إذا كانت الحرب قادرة على اختراق العمق الهادئ؟
وما الذي تغير، فعليا، بعد ألف يوم، غير اتساع دائرة الخطر؟
هذه ليست محاولة للتقليل من إنجاز عسكري، ولا إنكار لتحول ميداني.
لكن التجربة السودانية، خلال السنوات الأخيرة، تعلمنا درسا صارما:
استعادة الجغرافيا لا تعني بالضرورة استعادة الدولة.
الدولة تقاس بقدرتها على حماية قرارها، وإدارة أمنها، وضبط مساراتها، لا بمجرد تغيير مقر الحكومة أو رفع العلم فوق مبنى سيادي.
وحين تصبح الاجتماعات القيادية نفسها أهدافًا مباشرة، فإن الخلل لم يعد في (ساحة القتال)، بل في منطق إدارة الحرب.
الأخطر من ذلك أن الحرب، بعد ألف يوم، لم تعد مشروع دفاع بقدر ما أصبحت حالة قائمة بذاتها؛ آلة تبرر استمرارها بذاتها، وتغذي خطابها بخوف الناس، وتستثمر في الاستقطاب، وتبقي البلاد معلقة بين نصر مؤجل وسلام مستحيل.
فالمواطن، في كل ذلك، خارج المعادلة.
فلا أمن استعاد، ولا اقتصاد نهض، ولا أفق سياسي تشكل.
وحتى عودة الحكومة، التي كان يفترض أن تكون علامة استقرار، تحولت إلى تفصيل في مشهد أكبر عنوانه:
الحرب أطول من الدولة.
مسيّرة سنجة لم تغير ميزان القوى بقدر ما غيّرت زاوية النظر.
ذكّرت الجميع أن هذه الحرب، مهما طال أمدها، لا تنتج يقينا، وأن ألف يوم ليست رقما عابرا في رزنامة الصراع، بل محاكمة مفتوحة لخياراته.
بعد ألف يوم، السؤال لم يعد:
من ينتصر؟
بل: إلى أين تمضي دولة تدار بمنطق الحرب الدائمة؟
ذلك هو السؤال الذي أعادته المسيرة، بهدوء قاتل، إلى واجهة المشهد.





