شرق السودان على “فوهة بركان”

تقاطعات إقليمية ودولية وسلاح منفلت وحركات تتناسل

شهاب إبراهيم: كل الاحتمالات تظل واردة في بيئة مضطربة

اللواء معتصم: أخطاء وفشل متراكم غذي إحساس الظلم في الأقاليم

أمير بابكر: المشهد «مفخخ» منذ سنوات طويلة

قيادي من الشرق

: افورقي أعاد اتموضوعه وهذا ما نخشاه

أفق جديد

في شرق السودان، لا يبدو المشهد مجرد توصيف سياسي عابر، بل حالة معيشة كاملة التفاصيل. الإقليم يقف، بكل ثقله الاجتماعي والجغرافي، على «فوهة بركان» يمكن أن ينفجر في أية لحظة. الناس متوجسون، يمشون في الطرقات وهم يلتفتون يمنة ويسرى، كأن الخطر يسكن الهواء. لا شيء يدعو إلى الطمأنينة، ولا مؤشر واحد يوحي بأن الغد أقرب إلى الأمان من اليوم. في هذا الفضاء القلق، يتعايش الشرق مع أحد عشر فصيلاً مسلحاً، متناقضي الأهداف، متصادمي المصالح، يجمعهم سباق محموم نحو النفوذ، غالباً على حساب الإنسان البسيط الذي لا يملك سوى دفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. معظم هذه القيادات، إن لم يكن كلها، تنتمي بطريقة أو بأخرى إلى النظام البائد، أو خرجت من عباءته، وتحمل في جيوبها ارتباطات إقليمية ودولية معقدة. في مدن الشرق، يتردد همس عن وجود كل أجهزة المخابرات العالمية تقريباً، ولا أحد يدري على وجه الدقة ماذا تفعل أو لأي غاية تعمل. أما الحدود مع إثيوبيا وإريتريا، فهي تعج بالمسلحين من الطرفين، في مشهد مفتوح على كل الاحتمالات.

مشهد مفخخ

في هذا السياق المشحون، يقدّم الكاتب الصحافي والمحلل السياسي أمير بابكر عبد الله قراءته للموقف، وهو يضع إصبعه مباشرة على جذور الأزمة. بالنسبة له، المشهد في شرق السودان ليس وليد اللحظة، بل هو مشهد «مفخخ» منذ سنوات طويلة، زادته سنوات حكم الإنقاذ احتقاناً فوق احتقان. تلك السنوات لم تكتف بإدارة البلاد بعقلية الإقصاء، بل استخدمت القبلية كسلاح سياسي، ورافعة مقصودة لخلق بيئة مليئة بالتوترات، كما حدث في أقاليم السودان المختلفة. كانت تلك استراتيجية واضحة تخدم بقاء النظام في الحكم، وتحد في الوقت نفسه من أي تمدد مدني في المناطق الأقل نمواً. لذلك، ليس مستغرباً، في نظره، أن نرى اليوم تداعيات تلك الاستراتيجية تمشي على قدمين في ظل الوضع الراهن.

ومع ذلك، لا ينكر أمير أن يكون هناك جانب إيجابي في المشهد، يتمثل في وجود تحالف يتبنى حمل السلاح كآلية، لكنه يرفض الانخراط في الحرب ويدعو إلى السلام. من حيث المبدأ، يرى أن هذا الموقف جيد، بل ومهم في لحظة تتغلب فيها لغة الرصاص على كل ما عداها. غير أن المشكلة، كما يوضح، لا تتعلق بالأمنيات أو النوايا المعلنة، وإنما بالخطوات العملية التي تعكس هذا الموقف وتمنحه مصداقية حقيقية. فإلى أن تتحول الدعوة إلى السلام إلى أفعال واضحة تدعم صوت الداعين إليه وسط ضجيج الحرب المرتفع، ستظل هذه الحركات المسلحة المتحالفة في شرق السودان متوائمة، بشكل أو بآخر، مع سياسات التمليش التي تتم أحياناً بضوء أخضر من الدولة، وأحياناً بغض الطرف عنها، وفي الحالتين يكون الثمن مدفوعاً من حساب الجيش الواحد، ومن حساب احتكار الدولة للعنف المشروع.

قبيلة مسيسة

وعندما يُطرح السؤال حول ما إذا كان هذا الموقف يشكل خطوة لحماية الإقليم من الانزلاق إلى العنف، أم مجرد تموضع سياسي قد يفتح الباب لتعقيدات أمنية جديدة، يأتي رد أمير حاسماً. بصيغته الراهنة، يقول، هذا الموقف بالتأكيد ليس خطوة لحماية الإقليم من العنف. وهو، في جوهره، ليس تموضعاً سياسياً بقدر ما هو تموضع يتخذ من القبلية منصة للانطلاق. هذا التمركز القبلي أفرز، بالفعل، موقفاً واستقطاباً موازياً له، يحمل المواصفات نفسها تقريباً، وإن اختلفت الأهداف والرؤى. حماية الإقليم من العنف، في نظره، تتطلب موقفاً صارماً تجاه الحرب، ودعوة مباشرة لنزع السلاح من القبائل، مع ضغط حقيقي على الدولة لتحمل مسؤولياتها كاملة دون مواربة.

القلق المتصاعد من احتمال تحول الخلافات السياسية في الشرق إلى صراعات قبلية مسلحة ليس قلقاً نظرياً. للشرق تاريخ قريب مع هذا النوع من الصراعات، وكانت السياسة دائماً هي المحرك الأساسي لها. الدولة، أو السلطة الحاكمة، كرست عبر عقود استخدام القبيلة كرافعة سياسية، ما أدى إلى انحراف دور الإدارات الأهلية من كونها حارسة للقيم الاجتماعية وحكيمة للأمة، إلى لاعبة رئيسية في الدوري السياسي بكل تناقضاته وتعقيداته. ومع هذا الانخراط، فقدت القيادات الأهلية هيبتها ووقارها، وصارت جزءاً من الأزمة بدل أن تكون جزءاً من الحل.

في الوقت ذاته، لعبت القيادات والمنظمات السياسية دوراً رئيسياً في تراجع العمل السياسي والمدني وسط الجماهير، خاصة في المجتمعات المحلية والريفية المرتبطة بالقبيلة. تكلست هذه القيادات، وعجزت، وربما لم ترغب أصلاً، في ترسيخ مفاهيم العمل المدني الديمقراطي. تحولت إلى صالونات تنتج أفكاراً ورؤى وبرامج لا تستصحب الواقع السوداني المعقد، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء لوسائل وآليات قصيرة المدى. هذه الطرق المختصرة فتحت الباب واسعاً أمام حمل السلاح، أو التحالف مع من يحمله، أو حتى اختراق مؤسسة الدولة العسكرية للتحكم في عنف الدولة وتجييره لصالح أجندات ضيقة.

صوت العقل

أمام هذا كله، يرى أمير أن المطلوب الآن هو إعمال صوت العقل. أن تعود القيادات الأهلية إلى قواعدها الاجتماعية، وأن تعمل على تقوية الروابط وحمايتها، وأن تستعيد دورها الحقيقي بعيداً عن وحل السياسة. وهذا الأمر، كما يؤكد، لا يخص شرق السودان وحده. بالتوازي، يجب على القيادات السياسية أن ترتقي بمنظوماتها الحزبية، وأن تعمل بجدية على الارتقاء بالعمل المدني الديمقراطي. على الجميع أن يضع «السودان أولاً» عبر صياغة عقد اجتماعي جديد، يقوم على التراضي والتوافق، ويعبر عن الجميع دون استثناء. وهي خطوة ليست بالبساطة التي قد يتخيلها البعض، بل عملية معقدة تتطلب مجهودات كبيرة وتنازلات حقيقية. وربما، كما يقول، كان من قدر الله أن تأتي هذه الحرب القاسية لتجبرنا على إعادة النظر، وأن نرجع البصر كرتين لعلنا نهتدي إلى المسار الصحيح.

أما فيما يتعلق بمشروعية مطالب الحركات المسلحة في شرق السودان بالحكم الذاتي أو إدارة موارد الإقليم، فيوضح أمير أن هذه المطالب ليست وليدة اللحظة، ولا مرتبطة فقط بتداعيات الحرب الراهنة. هي مطالب قديمة، تزامنت مع بدايات الحكم الوطني نفسه، وهي نتيجة مباشرة لخلل بنيوي عميق في الدولة السودانية. الحرب الحالية ليست سوى أبرز تجليات هذا الخلل، إذ كشفت ظهر الدولة وعرّت هشاشتها وضعف بنيتها وبنيانها. أول ما كشفته هذه الحرب هو فقدان الدولة لعقيدة شاملة جامعة، تقوم عليها مؤسساتها، وتمثل المنصة الصلبة التي تنطلق منها لتحقيق أهدافها وتطلعات شعبها.

دولة غائبة

هذا الخلل البنيوي هو الذي قاد إلى المشهد الماثل أمامنا اليوم. ويمكن، في ظل هذا الواقع، لأي مجموعة تحمل السلاح أن تتبنى هذه المطالب لتبرير موقفها. لكن المحك الأساسي، كما يشدد أمير، هو السؤال الجوهري: هل لدينا دولة نطالبها بهذه الحقوق، أم أننا نطالب أشخاصاً أو قوى قائمة على أمر السلطة؟

تحقيق هذه المطالب عبر مسار سياسي سلمي، بعيداً عن لغة السلاح، يظل ممكناً من حيث المبدأ، لكنه مشروط بتوافر مواعين سياسية حقيقية تُطرح داخلها هذه المطالب، وتكون لديها من السعة والقدرة ما يعزز الثقة فيها. هذه المواعين يجب أن تستوعب الجميع وفق مشروع وطني متفق عليه. عندما تجد المجتمعات المحلية نفسها مساهمة بفعالية في إنشاء وتشكيل هذه الأطر، سترتقي إلى تبني رؤية الدولة والدفاع عنها، وهو ما سيدفع بتطور المسار المدني الديمقراطي إلى الأمام.

لكن طالما ظلت هذه المواعين تُؤسس على مقاس رؤى أحادية إقصائية، تستفيد من الوضع الدستوري المؤقت الذي لازم الحكومات الوطنية منذ الاستقلال، سيظل الاحتقان مستمراً، وسيظل السلاح هو الآلية الأسهل للتعبير عن المطالب. وهي آلية مجربة، لا تحتاج إلى كثير اجتهاد أو عناء. لذلك، فإن أي تسوية سياسية شاملة لا تضع هذا الأمر في حساباتها، ولا تُصاغ وفق رؤية مستقبلية تستوعب المطالب الإقليمية وتؤسس لحكم فدرالي قائم على التعددية ومصالح الجميع، لن تحل الأزمة، بل قد تؤجلها، مع تعميقها بصورة أكبر.

الارتباط الارتري

وعن مسألة الارتباط التاريخي لبعض فصائل الشرق بإريتريا، يوضح أمير أنه لا يوجد في الأصل ارتباط تاريخي من هذا النوع. فعندما خاضت الثورة الإرترية حربها ضد إثيوبيا، لم تكن هناك فصائل سودانية مسلحة في الشرق. ما يحدث اليوم هو ارتباط مصلحي، تحكمه علاقات السلطة الحاكمة سواء في إريتريا أو في السودان. هناك تداخل قبلي بين الدولتين، كما هو الحال بين السودان ودول حدودية أخرى، لكن أصل هذه الارتباطات يعود إلى طبيعة العلاقة بين الأنظمة. وقد لعب نظام الحركة الإسلامية دوراً أساسياً حين تبنى تنظيمات معارضة للنظام الإريتري على أسس عقائدية وإثنية، ما دفع الطرف الآخر في مرحلة ما إلى تبني تنظيمات معارضة سودانية.

المثير للدهشة، في رأيه، أن فصائل مسلحة تلقت تدريبها داخل الأراضي الإرترية تجد دعماً من الحكومة السودانية، وكأنما هناك تنسيقاً أو اتفاقاً غير معلن بين الحكومتين. بل إن هذا الوضع دفع أحد الموقعين على اتفاقية سلام جوبا من شمال السودان إلى الإعلان عن أن لديه قوات ستتدرب في إريتريا. مصدر القلق الحقيقي، هنا، هو مدى ارتباط هذه الفصائل بالنظام في إريتريا، خاصة في ظل السيولة السياسية والأمنية التي يعيشها السودان. فطالما كانت مرتبطة بنظام خارجي، ستعمل على رعاية أجندته وأجندة حلفائه، حتى وإن تعارض ذلك مع السيادة الوطنية السودانية. والعلاقات القائمة على المصالح وحدها تظل دائماً عرضة للاهتزاز، وهو ما سينعكس مباشرة على الإقليم ثم على البلاد بأسرها.

موقف موحد

وفي ظل وجود تكتلين رئيسيين في شرق السودان، أحدهما موالٍ للجيش، والآخر يتخذ موقف الحياد من الحرب، يرى أمير أن بناء موقف موحد لأهل الشرق يتطلب أولاً وضوحاً في تعريف المواقف. الانقسام المجتمعي والسياسي الذي أحدثته الحرب عميق في كل السودان، لكن، في تقديره، لا يوجد موقف محايد فعلياً من الحرب. هناك موقفان لا ثالث لهما: موقف مع الحرب، ويشمل الأطراف التي تخوضها وتدعو لاستمرارها، وموقف مع السلام. أما الحياد، فهو موقف ملتبس، يتأثر بالدعاية والرؤى الإقصائية. كما لا يرى أن موقف السلام يناقض الوقوف مع الجيش كمؤسسة وطنية، بل يعتبر السلام فرصة حقيقية لاستعادة الجيش قوته ودوره، خاصة وأن تصدره للمشهد الآن جاء نتيجة لغياب الدولة التي يُفترض أن يكون إحدى مؤسساتها.

الموقف الموحد لأهل الشرق، في نهاية المطاف، لا يجب أن يُبنى على الحرب، بل على السلام. لأن الانقسام القائم سيتسع أكثر مع إطالة أمد الحرب، وقد يقود إلى انفجار الوضع في الإقليم. فالتحالف الداعي للحرب تحالف مسلح، والرافض للحرب أيضاً تحالف مسلح، ومن الطبيعي ألا يقف أي منهما مكتوف الأيدي إذا استفزه الطرف الآخر. وإذا سادت لغة الحرب، فإنها قد تجرفهما معاً. المطلوب، كما يختم أمير، هو استعادة الدولة. فبدون الدولة، ستسد القبيلة الفراغ، وستسود العصبية وتداعياتها، تماماً كما وصفها ابن خلدون قبل قرون.

وغير بعيد عن مقاربة أمير بابكر عبد الله، يذهب قائد رفيع من قيادات شرق السودان، فضّل حجب اسمه لحساسية الأوضاع في الإقليم، إلى تشخيص لا يقل حدة، وإن بدا أكثر حذرًا في لغته، كمن يمشي فوق أرض رخوة يعرف أنها قد تنهار في أي لحظة. حديثه لا يبدأ من الشعارات، بل من إدراك عميق لطبيعة الحرب نفسها، وللمكان الذي يقف فيه الشرق داخل هذه المعادلة القاسية.

يرى القيادي أن موقف تحالف «شرق السودان» الرافض للانخراط في الحرب الدائرة هو، من حيث المبدأ، موقف عقلاني ومسؤول. فالحرب، كما يقول، ذات طابع تدميري شامل، لا تخدم أي مشروع وطني ولا تمنح الأقاليم الهامشية سوى مزيد من الخسائر. وهي حرب لا يربح فيها أحد، بينما تُستنزف فيها المجتمعات المحلية كوقود بشري بلا مقابل سياسي حقيقي. من هذه الزاوية، ينسجم رفض الانخراط مع خصوصية إقليم الشرق، الذي عانى تاريخيًا من التهميش والإقصاء، ويدرك بحكم التجربة أن الزج به في حرب مركزية لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج المأساة نفسها، بوجوه جديدة.

تقاطع مصالح

غير أن هذا الموقف، على وجاهته، لا يكفي وحده لحماية الإقليم. فالعقلانية، إن لم تُسند برؤية سياسية واضحة، وبآليات أمن مجتمعي فعالة، وبنسيج من التنسيق الحقيقي مع القوى المدنية والإدارات الأهلية، قد تتحول إلى عبء. ويخشى القيادي أن يُفسَّر هذا الرفض من أطراف الصراع كحياد سلبي، أو كفراغ أمني قابل للاختراق، في إقليم مفتوح على الاحتمالات، تتقاطع فيه المصالح والسلاح والحدود.

الرفض المعلن للحرب، في تقديره، يحمي الشرق جزئيًا من الاستنزاف العسكري المباشر، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب لتعقيدات أمنية جديدة إذا لم يُدار بحكمة. فالإقليم قد يتحول إلى ساحة نفوذ غير مباشر لقوى متصارعة، أو إلى مساحة لتجنيد شباب الشرق خارج الأطر الرسمية، أو إلى مسرح لاستخدام الورقة القبلية لإشعال صراعات محلية، كبديل أقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة. وهنا يخلص إلى خلاصة موجعة: الحياد غير المنظم قد يكون خطرًا بقدر الانخراط غير المحسوب.

صراع مسلح

القلق الأكبر، في رأيه، يكمن في احتمال انزلاق الخلافات السياسية إلى صراعات قبلية مسلحة. تفادي هذا السيناريو، كما يقول، لا يتحقق بالنيات الحسنة وحدها، بل بإجراءات صارمة وواضحة. أول هذه الإجراءات هو الفصل الصريح بين السياسي والقبلي، ورفض استخدام القبيلة كأداة تعبئة أو ضغط. ويلي ذلك تحريم الخطاب التحريضي الصادر عن القيادات السياسية، ومحاسبة كل من يستخدم لغة الإقصاء أو التخوين لتصفية حساباته. كما يشدد على ضرورة تفعيل آليات الإدارة الأهلية في حل النزاعات، ولكن ضمن إطار وطني لا يتجاوز الدولة ولا ينازعها سلطتها. إلى جانب ذلك، يرى أهمية إطلاق منصات حوار مجتمعي حقيقية، تضم الشباب والنساء، لا أن تظل محصورة في دوائر النخب التقليدية التي فقدت قدرتها على تمثيل الواقع.

أما الدور المطلوب من القيادات الأهلية والسياسية، فيصفه القيادي بعبارات مباشرة لا تحتمل التأويل. المطلوب هو حماية النسيج الاجتماعي عبر خطاب جامع لا إقصائي، ورفض عسكرة الخلافات المحلية تحت أي ذريعة، وتقديم نماذج قيادية مستعدة للتضحية بالمكاسب الضيقة من أجل الاستقرار العام. ويضيف أن التنسيق بين القيادات الأهلية والسياسية بات ضرورة وجودية، لأن التنافس المدمر بينهما لا يخدم سوى الفوضى. في هذه اللحظة التاريخية، يؤكد، القيادة ليست امتيازًا ولا وجاهة اجتماعية، بل مسؤولية ثقيلة سيحاسَب عليها أصحابها.

وحين ينتقل الحديث إلى مطالب الحكم الذاتي أو إدارة الموارد في شرق السودان، يتعامل معها القيادي من زاوية قانونية وسياسية واضحة. هذه المطالب، في رأيه، مشروعة ما دامت تُطرح داخل إطار وحدة الدولة السودانية، وتحترم الدستور، وتسعى إلى تحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة. هي مطالب لا تنطوي بطبيعتها على نزعة انفصالية، بل تعكس فشل الدولة المركزية في إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة.

تحقيق هذه المطالب، كما يرى، لا يكون إلا عبر مسار سياسي سلمي. بل يذهب أبعد من ذلك ليقول إن هذا المسار ليس خيارًا، بل ضرورة. مسار يبدأ بمؤتمر إقليمي جامع لشرق السودان، يضمن تمثيلًا حقيقيًا لا يقوم على القبلية ولا يُفرض من المركز، ويربط مطالب الإقليم بمشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة. السلاح، كما يؤكد، لم يحقق للسودان سوى المزيد من التفكك، ولن يكون أداة ناجعة لتحقيق مطالب الشرق، مهما بدت المظالم عميقة.

إعادة تموضوع

وعند سؤاله عن موقف الرئيس الإريتري أسياس أفورقي من الحرب، يختار القيادي توصيفًا براغماتيًا. موقف أسياس، في تقديره، لم يتغير جذريًا، بل أعاد التموضع وفق حسابات تتعلق بأمن الحدود، وتوازن القوى الإقليمي، ومنع انتقال الفوضى إلى الداخل الإريتري. هو موقف تحكمه حسابات أمن قومي صارمة، لا دوافع أيديولوجية ثابتة.

أما ما يتردد عن تدريب إريتري لمجموعات سودانية من شرق السودان، فيشير إلى وجود مؤشرات وشهادات غير رسمية تتحدث عن ذلك، لكنه يحذر في الوقت نفسه من خطورة أي دعم خارجي لمجموعات سودانية خارج إطار الدولة. مثل هذا الدعم، في نظره، يشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الإقليمي، ويعمّق هشاشة الوضع الداخلي.

وفي ما يتعلق بتقاطع أسياس أفورقي مع الإخوان المسلمين، يرى القيادي أن العداء التاريخي بين الطرفين لم يُلغَ على المستوى الأيديولوجي، لكنه تراجع تكتيكيًا بفعل تغيرات الإقليم، وضعف البدائل، والحاجة إلى أدوات نفوذ داخل السودان. هو تقاطع مصالح مؤقت، لا تحالف استراتيجي طويل الأمد.

ضغوط متزايدة

وعند رسمه لخريطة التحالفات في شرق السودان اليوم، تبدو الصورة معقدة ومفتوحة. قوى سياسية منقسمة بين الحياد والمراهنة والانتظار، قيادات أهلية تحاول حماية مناطقها وسط ضغوط متزايدة، تدخلات إقليمية حذرة وغير معلنة، وشارع شبابي قلق، مثقل بالأسئلة، بلا مشروع سياسي واضح يقوده. الاتجاه المستقبلي، كما يراه، سيعتمد على قدرة القوى السياسية على إنتاج خطاب جامع، وعلى نجاحها في منع الانزلاق القبلي، وعلى ربط قضايا الشرق بمسار وطني شامل لا يُدار من خارج الإقليم ولا يُختزل في صفقات عابرة.

وفي خلاصته، يضع القيادي الشرق أمام معادلة حاسمة: الإقليم يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. إما أن يتحول إلى نموذج للعقلانية السياسية، ويختار تفادي الحرب رغم كل الاستفزازات، أو أن ينزلق إلى ساحة جديدة لصراعات بالوكالة، إذا فشلت النخب في تحمل مسؤولياتها، وواصلت الهروب من استحقاقات اللحظة.

وعلى النسق ذاته، يقدّم الخبير الأمني اللواء «م» معتصم عبد القادر قراءة تنطلق من زاوية مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في الجوهر مع فكرة مركزية مفادها أن الحرب الجارية في السودان ليست خيارًا شعبيًا ولا مؤسسيًا، بل حالة اضطرار فرضتها معادلات الدفاع عن الوجود والدولة.

يبدأ اللواء حديثه بالتأكيد على أن الرفض العام للحرب يكاد يكون إجماعًا وطنيًا، لا يقتصر على الشارع السوداني وحده، بل يشمل المؤسسة العسكرية نفسها. فالجيش السوداني، بحسب توصيفه، لا يخوض هذه الحرب حبًا فيها ولا سعيًا لاستدامتها، وإنما دفاعًا عن النفس، وعن العرض، وعن الأرض، في مواجهة تهديد مباشر لكيان الدولة. ولهذا السبب، فإن أي مبادرة سلام طُرحت، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، قوبلت بالاستجابة والجلوس إليها، بما يعكس – من وجهة نظره – استعدادًا مبدئيًا للسلام متى ما توفرت شروطه الواقعية.

حركة جهوية

وعند انتقاله إلى ما يجري في شرق السودان، يضع اللواء هذه التحركات في سياقها التاريخي، معتبرًا أنها ليست طارئة ولا معزولة عن مسار الدولة منذ الاستقلال. فالحركات الإقليمية والجهوية، في الشرق كما في دارفور وجبال النوبة وغيرها، ظاهرة قديمة، تكررت بأشكال مختلفة، حيث تعلن كل حركة مطالب محددة، ثم تنخرط في أنشطة سالبة، قبل أن تعود لاحقًا لتصبح جزءًا من النظام الحاكم، لتفسح المجال بعدها لظهور حركة جديدة، وهكذا دواليك. ويشير إلى أن هذه الظاهرة تشبه – إلى حد بعيد – تكاثر الأحزاب السياسية، حيث تتناسل الكيانات دون معالجة جذرية لأسباب الخلل.

في تقديره، فإن الأوضاع في شرق السودان، كما في بقية أنحاء البلاد، اتسمت تاريخيًا بتعدد الفصائل في الوقت نفسه، وبخلافات تقوم أحيانًا على أسس جهوية أو عرقية. غير أن هذه الخلافات، كما يلاحظ، غالبًا ما تخبو حدتها بمجرد وصول هذه الجهات إلى أي شكل من أشكال السلطة، ما يكشف – في رأيه – عن أن جزءًا كبيرًا من هذه الصراعات مرتبط بالمواقع والمصالح أكثر من ارتباطه بالمطالب العامة.

ورغم الحالة الأمنية الهشة التي تعيشها البلاد اليوم نتيجة للحرب، إضافة إلى الضعف العام في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يرى اللواء أن مثل هذه الحركات تشكّل تأثيرًا حاسمًا على مجمل الأوضاع في شرق السودان. ويؤكد أن الإقليم، شأنه شأن بقية الأقاليم، يحتاج إلى التركيز على قضايا التنمية أكثر من الانشغال بالمسائل السياسية التي كثيرًا ما تكون دوافعها شخصية، أو امتدادًا لأجندات إقليمية ودولية.

حالة انتباهة

ويضيف أن البيئة الإقليمية الحالية لا تسمح بنمو أو تمدد مثل هذه الحركات كما كان الحال في السابق. فالدولة السودانية تعيش حالة «انتباهة كبرى» إزاء الأخطار التي تواجهها، كما أن دول الجوار والدول ذات التأثير العابر – مثل المملكة العربية السعودية وإريتريا ومصر – تتابع الأوضاع في السودان عن كثب. ويستحضر في هذا السياق تجربة التسعينات، حين كانت حركات شرق السودان تعتمد بدرجة كبيرة على حالة العداء بين السودان وبعض دول الجوار، خصوصًا إثيوبيا في منتصف التسعينات، وإريتريا خلال فترة احتضانها للتجمع الوطني. تلك الظروف، بحسب وصفه، لم تعد قائمة اليوم.

بل على العكس، يشير اللواء إلى أن إريتريا تُعد الدولة الأولى والوحيدة التي أعلنت موقفًا واضحًا وصريحًا إلى جانب الجيش السوداني والحكومة السودانية منذ 15 أبريل 2023، ولا يزال هذا الموقف ثابتًا، مع وجود تعاون وتواصل ممتد بين إريتريا والحكومة والجيش السودانيين. ويرى أن هذا العامل الإقليمي يحدّ كثيرًا من قدرة أي تحركات مسلحة في الشرق على اكتساب عمق خارجي مؤثر.

ولا ينكر اللواء وجود حساسيات قديمة تضرب في النسيج الاجتماعي، سواء في شرق السودان أو في مناطق أخرى، تشارك في تشكيلها عوامل اجتماعية وإدارات أهلية متعددة. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذه المسائل، برغم خطورتها الكامنة، لا يراها قادرة على التأثير المباشر في الوضع الحالي للقوات المسلحة السودانية أو في توازنات الحرب الكبرى.

اختلال تنموي

وعند تناوله لمشروعية مطالب الحركات المسلحة، يضع اللواء معيارًا واضحًا: المطالب تصبح إشكالية حين تُبنى على فكرة استئثار إقليم بعينه بموارده دون غيره، أو حين تُختزل قضايا التنمية في منطق الخصوصية المطلقة. فاختلال التنمية وعدم توازن توزيع الثروة، كما يقول، مشكلة عامة تعاني منها كل أقاليم السودان، وليست حكرًا على منطقة دون أخرى. ويذهب إلى أن جوهر الأزمة ليس في قلة الموارد، إذ إن السودان غني بموارده في مختلف مناطقه، بل في سوء الإدارة، سواء من الشركات العاملة – خاصة في مجالات مثل التعدين – أو من الحكومات التي فشلت في إلزام هذه الجهات بمسؤولياتها الاجتماعية تجاه المجتمعات المحلية.

من هذا المنطلق، يرى أن تحقيق المطالب التنموية بعيدًا عن حمل السلاح، وبعيدًا عن لغة التهديد والتوتر السياسي، هو الطريق الأضمن لحفظ الأمن والاستقرار. فطرح برامج تنموية واضحة، ومطالب خدمية مباشرة تمس حياة المواطنين في مجالات التعليم والصحة والبنى الأساسية، كفيل بإحداث نهضة حقيقية في الأقاليم، وهو ما يخفف تلقائيًا من خطاب السلاح. ويستشهد في هذا السياق بتجربة صندوق تنمية شرق السودان، التي لم تحقق نتائج إيجابية تُذكر، ليس لغياب الموارد، بل لسوء الاستغلال، حيث لا تزال بعض المشاريع التي أُنشئت – من مدارس ومساكن – غير مستخدمة أو غير مستفاد منها حتى اليوم، ما يستدعي مراجعة جادة وشاملة.

أما مستقبل شرق السودان، فيربطه اللواء بأي تسوية سياسية شاملة قادمة. فمثل بقية الأقاليم، يجب توسيع نصيب الشرق من الثروة، وعلى الحكومات المركزية أن تركز على مراقبة وتطوير واستخدام الموارد بما يخدم المواطن مباشرة. ويشدد على أهمية الاستثمار في البنى التحتية، وربط الأقاليم بالطرق، وتقوية الاتصالات، وتطوير خدمات المياه والكهرباء، باعتبارها عناصر أساسية لتقليص التوترات والنزاعات.

حقوق الاقاليم

وفي ما يتعلق بقضايا الموانئ والبحر الأحمر، يؤكد أن من حق الإقليم أن يكون له نصيب عادل من الإيرادات والاستثمار، كما هو الحال في كل أنحاء العالم. غير أنه يميّز بوضوح بين قضايا التنمية، التي ينبغي أن تُوجَّه للمواطنين والمناطق الأقل نموًا، وبين مسائل السيادة، التي تظل – كما في كل الدول – من اختصاص المركز. ويحذّر من أن التنازع حول السيادة مسألة خطيرة، تمثل أحد أكبر التهديدات الراهنة للإقليم وللوحدة الوطنية، مستحضرًا نماذج قريبة مثل صوماليلاند وبونتلاند في الصومال، وجنوب اليمن، وشرق ليبيا، إضافة إلى أقاليم سودانية أخرى ترفع مطالب مشابهة.

ويختم اللواء معتصم عبد القادر بالتنبيه إلى أن المركز سيواجه مستقبلًا مثل هذه الإشكاليات بصورة أوسع، ما يستدعي الاستعداد لها من الآن بوضع حلول واضحة وقابلة للتطبيق. فالتجارب السابقة، كما يرى، لم تفشل في الطرح بقدر ما فشلت في التنفيذ، وغالبًا ما تعثرت بسبب القوى السياسية نفسها، التي حملت السلاح باسم المطالب، ثم تحولت إلى قوى سلطوية بعيدة عن هموم الجماهير، وبعيدة عن التنمية والعمل الاقتصادي المنتج. في هذه الحلقة المفرغة، يختصر اللواء جوهر الأزمة، ويفتح في الوقت نفسه باب السؤال الأكبر حول كيفية كسرها.

. يقدّم الناطق الرسمي باسم التحالف السوداني، والقيادي في تحالف «صمود»، شهاب إبراهيم الطيب، إفادة سياسية تتسم بلغة أكثر مباشرة، لكنها لا تخلو من التحذير العميق من هشاشة اللحظة وخطورة الانزلاق إذا أسيء تقديرها.

بدوره يرى شهاب أن موقف تحالف شرق السودان الرافض للانخراط في الحرب يُعبّر، في جوهره، عن قدر معتبر من الحكمة، شريطة أن يكون موقفًا استراتيجيًا واعيًا لا مجرد رد فعل ظرفي. فهذا الرفض، من وجهة نظره، يجنّب أبناء شرق السودان المشاركة في حرب لا يجنون منها أي مكاسب حقيقية، بل يتحملون كلفتها دون مقابل. ويشير إلى أن مواطن الشرق لم يكن مستفيدًا من موارد إقليمه حتى قبل اندلاع الحرب، وجاءت هذه الحرب لتضاعف المأساة، إذ ضغطت على الموارد الشحيحة أصلًا، وفتحت الباب واسعًا أمام نهبها واستنزاف إيرادات الإقليم في ظل غياب الرقابة وانهيار مؤسسات الدولة.

مخاطر محتملة

غير أن هذا الموقف، كما يحذّر، لا يعفي الإقليم من المخاطر المحتملة. فكل الاحتمالات تظل واردة في بيئة مضطربة كهذه. وأي تحالفات أو تفاهمات تُبنى بين مكونات شرق السودان، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اجتماعية، يمكن أن تشكّل عامل حماية حقيقي للإقليم إذا استهدفت منع الانزلاق إلى العنف. لكن الصورة تنقلب تمامًا، بحسب شهاب، إذا تعرضت هذه المكونات لضغوط إقليمية، أو فُرض عليها الانخراط في الحرب، أو المشاركة في سلطة الأمر الواقع، إذ إن ذلك قد يشعل صراعات داخلية، ويفتح باب المواجهة على مصراعيه.

ويؤكد شهاب أن تفادي الصراع في شرق السودان يمر، بالدرجة الأولى، عبر الحوار. وهو حوار يقول إنه قد بدأ بالفعل، رغم الصعوبات، ورغم وجود قوى لا ترغب في توحيد مكونات الشرق. هذه القوى، في تقديره، تسعى إلى احتكار تمثيل الإقليم سياسيًا واجتماعيًا، وهو ما يشكّل تهديدًا حقيقيًا، لأن احتكار التمثيل في مجتمع متنوع ومعقّد كالشرق يمكن أن يؤدي، في أي لحظة، إلى انفجار الوضع وتحوله إلى صراع اجتماعي مفتوح.

معادلة الاستقرار

وفي هذا السياق، يمنح شهاب القيادات الاجتماعية وزنًا محوريًا في معادلة الاستقرار. فهي، بحكم موقعها وتأثيرها، قادرة على تشكيل الرأي العام المحلي، وتوجيهه إما نحو التهدئة أو نحو التصعيد. ومن خلال هذا الدور، يمكن لهذه القيادات أن تسهم بفاعلية في تحييد أي صراع محتمل، وتغليب مصلحة استقرار شرق السودان على حساب الاستقطاب والمكايدات السياسية.

في مجمل إفادته، يقدّم شهاب إبراهيم الطيب قراءة تحذيرية ترى في رفض الحرب فرصة لحماية الإقليم، لكنها في الوقت نفسه تنبّه إلى أن هذه الفرصة قد تضيع إذا لم تُحصّن بالحوار، وبوحدة المكونات، وبوعي عميق بمخاطر الضغوط الخارجية وفتنة احتكار التمثيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى