بعد ألف يوم من الحرب

قراءة في مشروع رؤية مجموعة نداء سلام السودان بين معاناة المدنيين وأسئلة الانتقال.

محمد عمر شمينا 

 

بعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد الصراع مجرد مواجهة مسلحة بين أطراف متنازعة، بل تحوّل إلى مأساة إنسانية شاملة يدفع ثمنها ملايين السودانيين الذين لم يختاروا هذه الحرب ولم تكن لهم فيها يد. توصيف الأمم المتحدة للوضع بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم ليس مبالغة لغوية، بل تعبير دقيق عن واقع تتآكل فيه شروط الحياة الأساسية يومًا بعد يوم نزوحُ واسع، جوع متفشٍ، انهيار للخدمات، وتفكك عميق في النسيج الاجتماعي. في هذه اللحظة الثقيلة، يصبح السؤال عن وقف الحرب ليس سؤالًا سياسيًا مجردًا، بل سؤالًا أخلاقيًا يتعلق بمسؤولية الدولة، والنخب، والمجتمع تجاه إنسانٍ جُرِّد من الأمان والكرامة والاختيار.

من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع محاولات إنهاء الحرب باعتبارها ترتيبات تفاوضية بين قوى مسلحة، أو حلولًا تقنية تُدار بمعزل عن واقع الناس ومعاناتهم اليومية. فقد أثبتت التجارب السودانية السابقة أن فصل السلام عن السياسة، والسياسة عن المجتمع، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة. وعليه، تفرض هذه اللحظة التاريخية إعادة التفكير في مقاربات وقف الحرب والانتقال المدني، ليس من زاوية توازنات القوة وحدها، بل من منظور شامل يضع المدنيين في قلب المعادلة، ويربط إنهاء القتال بمسار سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة وبناء أفق واقعي لدولة ما بعد الحرب.

في هذا السياق، تبرز رؤية مجموعة نداء سلام السودان بوصفها محاولة لإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى، والانطلاق من نقد ضمني لتجارب الانتقال السابقة التي انشغلت بالترتيبات الإجرائية، وتجنّبت مواجهة القضايا البنيوية المرتبطة بطبيعة الدولة، والهوية، والاقتصاد، وموقع المؤسسة العسكرية في النظام السياسي. لا تقدّم الوثيقة نفسها بوصفها حلًا جاهزًا أو بديلًا للمبادرات القائمة، بل كإسهام مدني يسعى إلى ربط الجهود الإقليمية والدولية بالسياق السوداني وتعقيداته الفعلية.

أحد أهم مرتكزات هذه الرؤية هو التأكيد على أن وقف الحرب لا يمكن فصله عن مسار سياسي مدني واضح، وأن أي محاولة لإنهاء القتال عبر ترتيبات أمنية معزولة، تُدار حصريًا بين الأطراف المسلحة، ستظل محدودة الأثر وقابلة للانهيار. هذا الطرح يمثل قطيعة نسبية مع مقاربات سابقة تعاملت مع السلام باعتباره ملفًا تفاوضيًا منفصلًا، تُفرض نتائجه لاحقًا على الفاعلين المدنيين. غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، تطرح في الوقت ذاته سؤالًا حساسًا حول كيفية تحويل هذا الربط بين الحرب والسياسة إلى مسار عملي لا يُفرغ من محتواه تحت ضغط موازين القوة القائمة.

في ملف الإصلاح الأمني والعدلي، تحاول الرؤية تفكيك الخلط الذي ساد في التجربة السودانية بين الإصلاح المؤسسي من جهة، والإقصاء السياسي أو الانتقام القانوني من جهة أخرى. فهي تؤكد أن إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية يجب أن تتم في إطار دولة مدنية، وبصورة مهنية، تضمن خضوع هذه المؤسسات للسلطة الشرعية، دون أن يُفهم ذلك كاستهداف شامل أو تفكيك للدولة. هذا الطرح يعكس وعيًا بحساسية العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية، لكنه يظل معلقًا على سؤال جوهري كيف يمكن تحقيق إصلاح حقيقي في ظل ميزان قوة مختل، ومن دون ضمانات واضحة تمنع إعادة تسييس هذه المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية؟

وتحتل العدالة الانتقالية موقعًا محوريًا في الرؤية، حيث تُقدَّم لا بوصفها استحقاقًا مؤجلًا، بل عنصرًا تأسيسيًا في إعادة بناء الدولة وتصحيح اختلال ميزان القوة. غير أن الوثيقة تسعى إلى موازنة دقيقة بين ضرورة المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب، وبين تجنّب توظيف العدالة كأداة انتقام سياسي أو عامل تعطيل لمسار وقف الحرب. هذه الموازنة، رغم وجاهتها، تظل بحاجة إلى مزيد من التحديد، خاصة في ما يتعلق بتوقيت العدالة، وآلياتها، وحدود التسويات الممكنة دون تقويض الثقة المجتمعية أو إعادة إنتاج شعور الظلم.

في الجانب الاقتصادي، تعيد الرؤية الاعتبار لما تسميه (الشرعية الاقتصادية) بوصفها أحد الأسباب البنيوية لفشل الانتقالات السابقة. فغياب مشروع اقتصادي وطني يعالج جذور الأزمة المعيشية، لا أعراضها فقط، جعل أي توافق سياسي هشًا وقابلًا للانهيار. وتطرح الوثيقة فكرة عقد اجتماعي اقتصادي جديد يربط بين الحكم وتحسين شروط الحياة، ويعيد توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج الحقيقي، خاصة في قطاع الزراعة، بدل الاعتماد على الريع أو الوصفات الجاهزة. غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، يظل في مستوى الإطار العام، ويحتاج إلى ترجمة عملية تُقنع المواطنين بأن السلام ليس شعارًا سياسيًا، بل مدخلًا لتحسين حياتهم اليومية.

أما في ما يتعلق بطبيعة الحكم خلال المرحلة الانتقالية، فتدعو الرؤية إلى صيغ حكم مرنة أو هجينة، تقوم على التوافق الوطني الواسع، وتتجنب الإقصاء والاستقطاب، مع تأجيل الانتخابات إلى مرحلة لاحقة تُهيَّأ فيها شروط التحول الديمقراطي بصورة جدية. هذا الطرح يعكس قراءة واقعية لوضع دولة منهكة بالحرب والانقسام، لكنه يثير في المقابل مخاوف من أن يتحول (التوافق) وهو طرحٌ مقبول إلى شلل سياسي، أو إلى مظلة لإعادة إنتاج نخب عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة.

وتولي الوثيقة أهمية خاصة لما تسميه (السردية الاجتماعية للسلام)، باعتبار أن السلام لا يُصنع فقط في غرف التفاوض، بل عبر خطاب يخاطب السودانيين بوصفهم فاعلين وصانعي سلام، لا مجرد ضحايا. هذا البعد يُعد من أقوى عناصر الرؤية، لأنه يربط السلام بالأمن المعيشي والكرامة والاستقرار الاجتماعي، ويواجه خطاب الحرب والكراهية بسردية بديلة تقوم على المصلحة العامة والتعايش، وتفتح المجال لمشاركة مجتمعية واسعة في حماية السلام والدفاع عنه.

في المحصلة، يمكن القول إن مشروع رؤية مجموعة نداء سلام السودان يمثل محاولة جادة لإعادة السياسة إلى معناها الأساسي حماية المجتمع لا إدارة الصراع فقط. قوته تكمن في شموليته، ونزعته النقدية، ووعيه بأخطاء الماضي. غير أن نجاحه يظل مرهونًا بقدرته على الانتقال من مستوى المبادئ إلى مستوى الآليات، ومن اللغة العامة إلى الضمانات العملية والخطوط الحمراء الواضحة، خاصة في ما يتعلق بمدنية الدولة، والعدالة، وتفكيك الاقتصاد المرتبط بالحرب. فبعد ألف يوم من الدمار، لم يعد السودان يحتمل حلولًا مؤجلة أو مقاربات رمادية؛ بل يحتاج إلى مسار يضع الإنسان في مركز السياسة، ويجعل وقف الحرب بداية فعلية لإعادة بناء الدولة، لا مجرد محطة مؤقتة في طريق أزمة أطول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى