من الخرطوم بدأ السلام..
كيف أوقف ديدييه دروجبا الحرب الأهلية في كوت ديفوار بكلمات من غرفة ملابس استاد المريخ ؟
2026-1-9
بقلم : جاي هاريس – نيويورك تايمز
«الدولة الإفريقية التي تمتلك كل هذه الثروات لا يجب أن تنحدر إلى الحرب. ألقوا أسلحتكم، نظّموا انتخابات، ودعونا نستمتع بالحياة. نريد أن نفرح، لذلك أوقفوا إطلاق النار».
لم تكن هذه الكلمات بيانًا سياسيًا ولا خطابًا انتخابيًا، بل خرجت على الهواء مباشرة من داخل غرفة ملابس استاد المريخ بالعاصمة السودانية الخرطوم ، بعد لحظات من تحقيق إنجاز رياضي غير مسبوق في تاريخ كوت ديفوار.
ففي 8أكتوبر/تشرين الأول 2005، وبعد فوز منتخب الأفيال على السودان بنتيجة 3-1 في المباراة التي شهدها جمهور غفير باستاد المريخ ، ضمن الإيفواريون تأهلهم لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم. وبدلًا من الاحتفالات الصاخبة، وقف مهاجم تشيلسي آنذاك ديدييه دروجبا أمام الكاميرا، ممسكًا بالميكروفون بيده اليمنى، محاطًا بزملائه في المنتخب، من بينهم كولو توريه الذي وضع ذراعه حول كتفي القائد.
في تلك اللحظة، اختار دروجبا أن يتحدث عن شيء أكبر من كرة القدم: الحرب الأهلية التي كانت تمزق بلاده بين قوات الرئيس لوران غباغبو والمتمردين المسلحين.
وفقًا لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تسببت الحرب التي اندلعت بين عامي 2002 و2007 في تهجير ما يقرب من 750 ألف شخص قسرًا، بينما تتفاوت التقديرات حول عدد القتلى بين ألف وثلاثة آلاف، في ظل غياب أرقام دقيقة.
قال دروجبا مخاطبًا شعبه:
«رجال ونساء كوت ديفوار، من الشمال والجنوب والوسط والغرب، أثبتنا اليوم أن الإيفواريين قادرون على التعايش والعمل معًا من أجل هدف واحد، وهو التأهل إلى كأس العالم. وعدناكم بأن تكون الاحتفالات عامل وحدة، واليوم نطلب منكم راكعين: سامحوا… سامحوا… سامحوا».
ثم ركع اللاعبون على أرضية غرفة الملابس وبدأوا في ترديد عبارة: «أوقفوا إطلاق النار». لم يتجاوز الفيديو دقيقة واحدة، لكنه أصبح أحد أكثر المقاطع تأثيرًا في تاريخ الرياضة الإفريقية.
شهادة من داخل الملعب
يقول أرونا دينداني، الذي سجل هدفين في تلك المباراة التاريخية:
«دروجبا لاعب عظيم، لكن قبل ذلك هو إنسان عظيم. ما قاله خرج بعفوية، لكنه ساهم في تعزيز التماسك والوحدة، وكان في مصلحة البلاد».
جذور الصراع
تعود جذور الحرب الأهلية الأولى في كوت ديفوار إلى عام 1993، بعد وفاة الرئيس فيليكس هوفويه بوانيي، أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، والذي حكم البلاد حتى وفاته. خلال عهده، شهد الاقتصاد الإيفواري نموًا كبيرًا بفضل التوسع في إنتاج الكاكاو والقهوة وجوز الهند والأناناس.
خلفه هنري كونان بيديه، الذي حكم ست سنوات قبل أن يُطاح به بانقلاب عسكري قاده روبرت غيي. وخلال فترة بيديه، تصاعد التوتر بسبب قانون «الإيفوارية»، الذي اشترط أن يكون المرشحون للمناصب العليا مولودين في كوت ديفوار وأن يكون والداهم قد عاشوا فيها لسنوات طويلة، ما أدى إلى إقصاء شخصيات سياسية بارزة، أبرزها الحسن واتارا، الذي مُنع من الترشح للرئاسة.
أثارت هذه السياسات غضب سكان الشمال، خاصة ذوي الأصول القادمة من مالي وبوركينا فاسو. ومع استمرار الإقصاء السياسي، انفجرت الأوضاع في عام 2002 عندما تمردت وحدات عسكرية وسيطرت على مدن رئيسية مثل كورهوغو وبواكيه.
تقول الباحثة لين كواديو، المتخصصة في شؤون غرب إفريقيا:
«البلاد انقسمت فعليًا. الجنوب تحت سيطرة الحكومة، الشمال بيد المتمردين، وبينهما منطقة عازلة تنتشر فيها القوات الفرنسية. كانت السيطرة على الأرض هي جوهر الصراع».
وتضيف: «بواكيه، ثاني أكبر مدن البلاد، تحولت إلى بؤرة عنف. الناس فرّوا سيرًا على الأقدام لمسافات طويلة نحو أبيدجان أو إلى دول الجوار. كان نزوحًا جماعيًا خلّف جروحًا لا تزال آثارها واضحة حتى اليوم».
كرة القدم كمرآة للوطن
وسط هذا المشهد القاتم، برز جيل موهوب من لاعبي كرة القدم الإيفواريين: ديدييه دروجبا، يايا وكولو توريه، ديدييه زوكورا، إيمانويل إيبوي. جيل وحّد الشمال والجنوب داخل المستطيل الأخضر، في وقت عجزت فيه السياسة عن ذلك.
انضم دروجبا إلى تشيلسي عام 2004 مقابل 24 مليون جنيه إسترليني، وحقق مع النادي الإنجليزي ألقابًا عديدة، من بينها الدوري الإنجليزي الممتاز أربع مرات، ودوري أبطال أوروبا عام 2012، حيث سجل ركلة الترجيح الحاسمة في النهائي أمام بايرن ميونيخ. كما أصبح الهداف التاريخي لمنتخب بلاده وقائده الأول.
معركة التأهل التاريخية
قبل الجولة الأخيرة من تصفيات كأس العالم 2006، كانت كوت ديفوار متأخرة بنقطة واحدة عن الكاميرون. احتاج الإيفواريون للفوز على السودان وانتظار تعثر الكاميرون أمام مصر. وهو ما تحقق بالفعل بعد تعادل مصر بهدف متأخر.
تقدم كanga Akalé، ثم أضاف دينداني هدفين، ليُسجل التاريخ واحدة من أعظم لحظاته.
يقول دينداني:«لم نكن نملك مصيرنا بأيدينا، لكننا تشبثنا بالأمل، وحدث ما بدا مستحيلًا. فرحنا، صلينا، واحتفلنا، لكن بشيء من الحزن لأن الوطن كان ينزف».
لم تُنهِ كلمات دروجبا الحرب فورًا، لكن تأثيرها الرمزي كان هائلًا. بعد عامين، وُقّعت اتفاقية سلام جديدة، وعادت المباريات الدولية إلى مدن كانت ساحات قتال.
جيل كامل من اللاعبين نشأ وهو يرى دروجبا نموذجًا يتجاوز حدود اللعبة. يقول سليمان كوليبالي:«دروجبا علّمنا أن اللاعب مسؤول تجاه وطنه، وليس مجرد شخص يركل الكرة».
اليوم، لا يزال اسم ديدييه دروجبا حاضرًا بقوة في الوجدان الإيفواري. يُنظر إليه كرمز وطني، وأخ أكبر، وصوت ضمير في لحظة تاريخية فارقة.
كما تلخص الباحثة كواديو: «دروجبا لا يزال مهمًا حتى اليوم. الناس يتذكرونه ليس فقط بسبب أهدافه، بل لأنه حاول أن يمنح وطنه فرصة للسلام».





