الرئيس يتراجع بالفعل عن وعوده “الجاهزة والمستعدة”
بالتدخل في الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد
*مع تشديد طهران قبضتها، من المرجح أن تكون غريزة ترامب هي البقاء على الحياد.*
واشنطن/بقلم تريتا بارسي
لم أشهد من قبل انقطاعًا للاتصالات في إيران بهذا الحجم – لا خلال موجات الاحتجاج السابقة، ولا خلال المواجهة الإسرائيلية مع إيران. الصور القليلة التي تظهر، بشكل أساسي عبر التلفزيون الرسمي، انتقائية للغاية: متظاهرون مسلحون، مبانٍ محترقة، ومزاعم رسمية بالتخريب. إلى جانب خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي المتحدي، تشير الصورة إلى أن حملة قمع عنيفة للغاية إما وشيكة أو جارية بالفعل
إذا كان بعض صناع السياسات يفترضون أن مثل هذه الحملة القمعية ستزيد الضغط على دونالد ترامب للتدخل عسكرياً، فإن الأدلة تشير إلى عكس ذلك.
أولاً، يُنتج العنف واسع النطاق تحديداً ذلك النوع من الفوضى الذي يميل ترامب إلى تجنبه. ويُظهر سجله تفضيلاً للتدخلات التي تبدو واضحة وحاسمة ومنخفضة المخاطر. وعندما يصبح العمل العسكري فوضوياً أو غير متوقع، فإنه يتراجع.
يُعدّ اليمن مثالاً مفيداً. فعلى الرغم من النصائح المخالفة، أذن ترامب بشنّ ضربات ضد الحوثيين، ثمّ تراجع عن قراره بعد فشل النصر السريع الموعود، وكادت الطائرات الأمريكية أن تُفقد. أما إيران، وسط اضطرابات جماهيرية وعنف الدولة، فستُمثّل ساحة معركة أكثر تعقيداً. فحتى لو بدا أن المتظاهرين يكتسبون زخماً، فمن المرجّح أن ينتظر ترامب حتى اللحظة الأخيرة – والأكثر أماناً – للتحرّك، لكي يُعظّم أيّ تدخّل المكاسب السياسية بأقلّ تكلفة.
ثانيًا، قد يُعزز القمع العنيف اعتقاد ترامب الراسخ بأن الأنظمة التي تواجه تهديدًا وجوديًا تميل إلى الرد العنيف بدلًا من الاستسلام. وحتى وقت قريب، كان رد طهران على الاضطرابات مُقيدًا نسبيًا وفقًا لمعاييرها الخاصة. ويُشير التحول الواضح نحو استخدام القوة المميتة إلى أن القيادة تنظر الآن إلى الأمر على أنه صراع من أجل البقاء. وينطبق المنطق نفسه على أي هجوم أمريكي: فلا ينبغي الخلط بين ردود الفعل الإيرانية المحدودة، والرمزية إلى حد كبير، منذ عام 2020 وبين السلبية. تُشير طهران إلى أنه إذا لم تجد مخرجًا، فإن التصعيد – وليس الاستسلام – هو النتيجة المُرجحة.
ثالثًا، لا شك أن إسرائيل ، والسيناتور ليندسي غراهام، وبعض شخصيات المعارضة في المنفى سيحثون ترامب على التمسك بتهديداته السابقة. لكن ترامب أثبت مرارًا وتكرارًا مدى سهولة تخليّه عن تصريحاته السابقة عندما لا تعود تخدم مصالحه. فادعاؤه الأخير بأن المتظاهرين قُتلوا في “تدافع” – وهو وصف لا يعترف به أي مراقب موثوق داخل إيران أو خارجها – يُظهر مدى سهولة إعادة صياغته للروايات لتبرير الانسحاب. والأهم من ذلك، أن ترامب اقتنع بالتصعيد الخطابي في المقام الأول بتأكيدات بأن النظام الإيراني هشّ وغير قادر على المقاومة، مما يجعل التدخل سهلًا وسريعًا. ويبدو أن الأحداث الآن تُقوّض هذه الفرضية.
رابعًا، من المرجح أن يسعى ترامب إلى إيجاد اتفاق، إما مع طهران مباشرةً أو مع عناصر داخل هيكل السلطة القائم، بدلًا من المجازفة بانهيار النظام. ويتماشى نهجه مع تجربة فنزويلا، حيث سعى إلى الضغط على حكومة ضعيفة دون التسبب في انهيار كامل للدولة. وتشير التقارير إلى وجود قنوات لمثل هذا التواصل، ويبدو أنها فعّالة. في الوقت نفسه، يتزايد الضغط الداخلي على خامنئي لتخفيف بعض الخطوط الحمراء غير النووية القائمة منذ زمن طويل، في ظل مواجهة النظام لأزمات داخلية وخارجية متزامنة.
خامساً، تصريحات ترامب بشأن نجل الشاه السابق تكشف الكثير. فقد قال إنه لن يكون من “المناسب” مقابلته. والمناسبة تعتمد على الظروف، ومع تغير الظروف تتغير المناسبة. ترامب يقول ضمناً إنه ليس مستعداً بعدُ للمضي قدماً في تغيير النظام بشكل كامل، ولكنه لن ينتظر طهران إلى أجل غير مسمى.
إسرائيل، بطبيعة الحال، تعمل وفق حسابات مختلفة تماماً، ولها مصالح لا تختلف فقط عن مصالح ترامب، بل أيضاً عن مصالح شخصيات المعارضة التي تدعمها.
لا يزال الوضع داخل إيران متقلباً للغاية. فالتعتيم الإعلامي يحدّ بشدة من المعلومات الموثوقة، مما يجعل التحقق صعباً والتنبؤات الواثقة محفوفة بالمخاطر. لكنّ افتراض أن القمع سيجرّ واشنطن تلقائياً إلى الحرب يرتكز على سوء فهم لغرائز ترامب.
—————————–
*تريتا بارسي* هو المؤسس المشارك ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحوكمة المسؤولة
*المصدر: مجلة RESPONSIBLE STATECRAFT الأميركية*





