السودان على حافة الهاوية الاقتصادية: لماذا فشلت كل الحلول؟
O.sidahmed09@gmail.com
عمر سيد احمد
2026 يناير
قبل ستة أشهر، حذّر الأستاذ مهند عوض محمود من أن السودان ينتقل من “هجرة رؤوس الأموال” إلى “تصفية الأصول”. اليوم، لم يعد التحذير نبوءة، بل أرشيف. والسؤال لم يعد: هل كان محقاً؟ بل: لماذا نستمر في اقتراح حلول تفترض وجود دولة لم تعد موجودة؟
غير أن ما جرى خلال الأشهر الستة التالية أثبت أن التحذير لم يكن تهويلاً، بل قراءة دقيقة لمسار الانهيار. فالمشهد الراهن لا يقتصر على تدهور الأسعار أو توقف المصانع، بل يكشف عن انهيار أعمق يمس فكرة الاقتصاد السوداني نفسها، بوصفه منظومة قابلة للحياة.
انهيار العملة الموازية: عندما يفقد المجتمع ذاكرته المالية
أوضح مظاهر هذا الانهيار يتمثل في سوق العقار، الذي شهد هبوطاً حاداً ومفاجئاً في القيم. منازل كانت تُقدّر بمليون دولار في أحياء مثل الرياض تُعرض اليوم بأقل من نصف ذلك، وأحياناً لا تجد من يشتريها.
هذه الظاهرة لا يمكن التعامل معها كتصحيح طبيعي في سوق عقاري، لأن العقار في السودان لم يكن أصلاً استثمارياً فحسب، بل تحوّل على مدى سنوات إلى عملة بديلة في اقتصاد موازٍ. في ظل اقتصاد يعمل ما بين 85 و90 في المئة منه خارج إطار الدولة، أصبح العقار وسيلة ادخار وتحويل وتسوية للصفقات الكبرى، بل وحتى أداة لدفع المهور وبناء الشراكات التجارية.
عندما ينهار العقار كعملة موازية، فإن ما ينهار ليس سوق أصول فحسب، بل نظام الذاكرة المالية للمجتمع. فالعقار في السودان لم يكن مجرد استثمار، بل كان السجل المحاسبي غير المكتوب لثروات الأجيال: الطبيب يحوّل أتعابه إلى شقة، التاجر يخزن أرباحه في أرض، الموظف يدّخر لزواج ابنه عبر قطعة في حي شعبي. وعندما تتبخر 60% من قيمة هذا السجل في ستة أشهر، فإن ما يختفي ليس رقماً على ورقة، بل تاريخ كامل من الكدح والتخطيط العائلي.
وعندما انهارت قيمة هذه “العملة”، لم ينهَر سوق بعينه، بل انهار النظام النقدي الموازي بأكمله، تاركاً فراغاً لا تملؤه أي آلية بديلة.
السقوط الحر للجنيه: عندما تفقد العملة وظيفتها
ويتعمّق هذا الانهيار أكثر مع السقوط الحر للعملة الوطنية نفسها، إذ لم يعد الجنيه السوداني مجرد عملة ضعيفة، بل فقد عملياً وظيفته كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل. فقد انهار سعر الصرف إلى مستويات غير مسبوقة، حتى بلغ وتجاوز سعر الدولار في السوق السوداء حاجز 3750 جنيهاً سودانياً، في مؤشر لا يعكس فقط اختلالات نقدية، بل انهيار الثقة الكاملة في الدولة وقدرتها على إدارة السياسة النقدية.
الحقيقة الأكثر قسوة هي أن هذا الانهيار ليس مجرد نتيجة لسياسة نقدية سيئة، بل لانهيار تام للسياسة النقدية ذاتها كمفهوم. فبنك السودان لم يعد يسيطر على عرض النقود، حيث تأسس اقتصاد نقدي موازٍ خارج سيطرته، وتحول الدولار نفسه إلى سلعة تُباع وتُشترى. كما تعطلت قنوات انتقال السياسة النقدية بالكامل: لا يوجد سوق نقد منظم، ولا سوق سندات، ولا سعر فائدة مرجعي فعّال. إن الحديث عن “خفض تكلفة التمويل” في هذا السياق يشبه الحديث عن تنظيم حركة المرور في مدينة منهارة.
هذا المستوى من التدهور لا يحدث في الاقتصادات المتعثرة فحسب، بل في الاقتصادات المنهارة مؤسسياً، حيث تتحول العملة المحلية إلى عبء يجب التخلص منه فور الحصول عليها، ويُستبدل بها الدولار أو الذهب أو العقار، ما يخلق دوامة تضخمية مغلقة تُسرّع من تفكك الاقتصاد الرسمي وتوسّع رقعة الاقتصاد الموازي.
الكتلة النقدية الشبح: 95% خارج النظام
يتفاقم هذا الواقع مع حقيقة أكثر خطورة، وهي أن نحو 95 في المئة من الكتلة النقدية أصبحت خارج النظام المصرفي. في أي اقتصاد طبيعي، تشكل الودائع المصرفية العمود الفقري للنشاط الاقتصادي، حيث تقوم البنوك بدور الوسيط بين الادخار والاستثمار، وتتيح للبنك المركزي أدوات فعالة للتحكم في السيولة والتضخم.
أما في الحالة السودانية، فقد تحوّلت البنوك إلى مؤسسات شبه ميتة، عاجزة عن الإقراض الحقيقي، بينما أصبح البنك المركزي أعمى عن الاقتصاد الفعلي. السياسة النقدية تحولت إلى قرارات نظرية لا تطال سوى هامش ضئيل من النشاط الاقتصادي، في حين يتعامل الناس بالدولار النقدي، ويخزنون الذهب خارج البنوك، ويعتمدون على شبكات تحويل غير رسمية.
عملياً، عاد السودان إلى اقتصاد ما قبل البنوك.
الانهيار المالي: عندما تتعطل الميزانية
وإلى جانب انهيار السياسة النقدية، يواجه السودان انهياراً تاماً للسياسة المالية. فالميزانية العامة تعطلت، والإيرادات السيادية تآكلت، والإنفاق العام لم يعد يُدار عبر سياسة مالية مبرمجة بل عبر ردود أفعال وقرارات مرتجلة واستجابات طارئة. لا وجود لسياسات الموازنة التقليدية مثل التحفيز أو الإنفاق الرأسمالي أو دعم الإنتاج.
**الانهيار المالي: عندما تتعطل الميزانية**
وإلى جانب انهيار السياسة النقدية، يواجه السودان انهياراً تاماً للسياسة المالية. فالميزانية العامة تعطلت، والإيرادات السيادية تآكلت، والإنفاق العام لم يعد يُدار عبر سياسة مالية مبرمجة بل عبر ردود أفعال وقرارات مرتجلة واستجابات طارئة. لا وجود لسياسات الموازنة التقليدية مثل التحفيز أو الإنفاق الرأسمالي أو دعم الإنتاج.
والأخطر من ذلك هو أن الاقتصاد السوداني منذ انقلاب 25 أكتوبر أصبح خاضعاً لسيطرة جهات محددة – على رأسها قيادات عسكرية وحركات مسلحة منضوية في السلطة – تديره كإقطاعيات خاصة في غياب الرقابة والشفافية، مما حوّل السياسات النقدية إلى تخمينات والسياسة المالية إلى ردود أفعال.
فجوة المعلومات: التحليل في الظلام
وتزداد الصورة قتامة مع غياب البيانات الموثوقة. لا توجد بيانات محدثة ذات مصداقية وتوثيق علمي ودقة رقمية تغطي الروافد الاقتصادية الأساسية: الناتج المحلي، معدلات البطالة، ميزان المدفوعات، حجم الكتلة النقدية الحقيقي. إن أي محاولة لصياغة سياسات اقتصادية في غياب هذه البيانات تشبه محاولة قيادة سيارة معصوب العينين في ليلة مظلمة.
هذا الظلام الإحصائي ليس عرضياً، بل هو نتيجة مباشرة لتحول الاقتصاد إلى إقطاعيات خاصة تُدار بعيداً عن الشفافية أو المحاسبة.
هجرة الصناعة: القرار العقلاني في اقتصاد منهار
في هذا السياق، لم تكن هجرة المصانع مفاجئة. أكثر من ألفي مصنع في المنطقة الصناعية ببحري خرجت من الخدمة، بينما نُقل ما تبقى إلى الخارج. المفاضلة كانت قاسية لكنها واضحة: في الداخل، تمويل مرتفع الكلفة، كهرباء شبه منعدمة، غياب للأمن، وتعدد في الجبايات، مقابل بيئة خارجية توفر تمويلاً منخفض الفائدة، واستقراراً نسبياً، وبنية تحتية، وحوافز ضريبية.
النتيجة أن مئات السلع التي كانت تُنتج محليًا أصبحت تُصنّع في دول مجاورة ثم تُعاد إلى السوق السودانية كمنتجات مستوردة، في مفارقة تختصر عمق الأزمة.
لكن الأثر الأعمق يتجاوز مجرد إغلاق المصانع. فقد أدى هذا الانهيار الصناعي إلى تفكك سوق العمل بأكمله. البطالة المقنّعة تفشت، وهيكل الأجور انهار، والمهارات هاجرت. غياب كوادر منتجة في سوق العمل يعني موت أي محاولة لإنعاش التصنيع أو التصدير مستقبلاً، حتى لو توفر التمويل والاستقرار.
إهمال القطاع الزراعي: تضييع الميزة النسبية
وفي خضم التركيز على انهيار الصناعة والعقار، يجب ألا نغفل عن القطاع الزراعي الذي يمثل الميزة النسبية الحقيقية للسودان. رغم مشكلات هذا القطاع المعروفة من تمويل ومدخلات وشح لوجستيات، إلا أن تجاهله في أي خطة للتعافي يعد خطأ استراتيجياً. فالزراعة قد تكون نقطة الانطلاق الوحيدة المتاحة لبناء اقتصاد منتج، خاصة في ظل انهيار القطاعات الأخرى.
كما أن انكماش الاستهلاك المحلي نتيجة انخفاض الدخول وفقدان الثقة يؤثر سلباً على معدلات الطلب، مما يخلق حلقة مفرغة من الركود الاقتصادي تزيد من صعوبة أي محاولة للتعافي.
وهم الحلول التقنية: من سيؤمّن المؤمِّن؟
أمام هذا الواقع، طُرحت حلول تقنية وُصفت بالذكية، مثل التأمين على رأس المال، أو توفير تمويل ميسّر، أو تفعيل ما يُسمى بالأمن الاقتصادي. غير أن هذه المقترحات، رغم وجاهتها النظرية، تفترض وجود دولة قادرة على الضمان والتنفيذ.
لنضع الأرقام في سياقها: إذا كان لدى بنك سوداني ودائع بقيمة 100 مليون دولار (بسعر صرف معين)، وانهارت العملة بنسبة 275% كما حدث فعلياً (من 1000 إلى 3750 جنيه للدولار)، فإن شركة التأمين يجب أن تدفع تعويضات بمئات الملايين.
السؤال: بأي احتياطي؟
والأهم من ذلك: موضوع “تأمين استقرار رأس المال” عبر شركات التأمين، وإن ظل نظرياً أمراً ممكناً، إلا أنه يتطلب وجود شركات تأمين قوية ذات علاقات راسخة مع شركات إعادة التأمين الدولية. لكن عدم وجود عملة وطنية سودانية مستقرة موثوق بها، وهشاشة وضعف قطاع التأمين السوداني، وفشل كوادره في حساب أو تسعير المخاطر بالطرق الحديثة، وانعدام الغطاء المالي الذي يدعم قدراته الاحتياطية، كل هذه العناصر السالبة يمكنها أن تحول قطاع التأمين من أداة فعالة لإدارة المخاطر إلى أداة ناقلة للخسائر وحتى مضاعفتها.
شركات التأمين السودانية نفسها تعاني من نفس الأزمة. وشركات إعادة التأمين الدولية لن تقبل في الظروف الحالية إعادة التأمين على مخاطر سودانية إلا بأقساط فلكية وضمانات سيادية من دولة… غير موجودة. إنها حلقة مفرغة مثالية.
من سيؤمّن رأس المال في دولة منقسمة بفعل الحرب؟ ومن أين يأتي التمويل في اقتصاد تُحتجز فيه أغلب السيولة خارج البنوك؟ وكيف يمكن للأمن الاقتصادي أن يعمل في ظل حرب مفتوحة وانعدام ثقة شامل؟
هذه الحلول تشبه محاولة إصلاح نظام الملاحة في سفينة تغرق؛ فالمشكلة ليست تقنية، بل وجودية.
نزيف الكوادر: عندما يفقد الإصلاح أدواته البشرية
وحتى لو توفرت الإرادة السياسية والتمويل، فإن السودان يواجه مشكلة أعمق: نزيف الكوادر البشرية المؤهلة. أي دعوة لتقديم مرئيات اقتصادية ذات قيمة ومصداقية يجب أن تؤسس على علوم الاقتصاد ومساقاته المختلفة في التنمية والقياس الإحصائي، وهذا أمر مرهون بوفرة الكوادر الاقتصادية ذات الخبرة التنفيذية التي غادرت أو همّشت. أما من تبقى فيعمل في بيئة غير مستقرة، بيئة مسيّسة وغير مهنية.
هذا النزيف البشري يعني أن حتى لو انتهت الحرب غداً، فإن القدرة على صياغة وتنفيذ سياسات اقتصادية فعالة ستكون محدودة جداً.
وهم القدرة: عندما نفترض وجود ما لم يعد موجوداً
كل المقترحات الاقتصادية، مهما كانت ذكية تقنياً، تنطلق ضمنياً من افتراض أن الدولة تملك أدوات فعّالة يمكن تفعيلها بإرادتها، بينما الواقع يؤكد فقدانها لتلك الإرادة، ومن أهم المفقودات أدوات السياسة النقدية والمالية. الحديث عن “غياب الرصد والتدخل” يوحي بأن المشكلة إدارية أو سياسية فقط، بينما الأزمة هيكلية وتتعلق بانعدام الموارد، وانهيار المؤسسات، وغياب الدولة نفسها كفاعل اقتصادي.إننا نقترح حلولاً تفترض وجود دولة لم تعد موجودة.
التفكك الاجتماعي: ثمن الأزمة البشري
الانعكاس الاجتماعي للأزمة لا يقل خطورة عن بعدها الاقتصادي. في أحياء مثل المهندسين بأم درمان، لا يقتصر الأمر على بيع عقارات، بل يحدث تبدل سكاني واسع يفضي إلى تفكك النسيج الاجتماعي. أسر وضعت كل مدخراتها في العقار وجدت نفسها وقد خسرت ليس فقط أصلاً مالياً، بل خطط تعليم الأبناء، ورأس المال اللازم لبداية جديدة، وشبكة الأمان للشيخوخة.
الطبقة الوسطى السودانية تتآكل بسرعة، دون وجود بدائل أو شبكات حماية أو نظم تعويض.
الجيل الضائع: عندما يفقد المستقبل جيله المنتج
ما يجعل الأزمة الحالية وجودية حقاً هو فقدان جيل كامل. شاب سوداني في الثلاثينات من عمره اليوم، عاش ثورة 2019، ثم انقلاب 2021، ثم حرب 2023، ثم انهيار 2025. لقد أمضى سنوات تكوينه المهني والمالي في الفوضى.
هذا الجيل لن ينتظر 15 عاماً ليشهد التعافي؛ سينتقل إلى الخليج أو أوروبا، ويبني حياته هناك. وعندما يستقر السودان (إن استقر)، سيجد نفسه بلا طبقة وسطى منتجة في سن الثلاثينات والأربعينات، العمود الفقري لأي اقتصاد حديث
دروس التاريخ: لا طريق مختصر للتعافي
التاريخ الاقتصادي يقدم دروساً قاسية: لبنان في التسعينات استغرق 15 عاماً لاستعادة جزء من استقراره بعد الحرب الأهلية، ثم عاد للانهيار في 2019. رواندا احتاجت عقدين من الاستقرار السياسي الصارم لبناء اقتصاد عامل. أفغانستان بعد 20 عاماً من التدخل الدولي لا تزال دولة فاشلة اقتصادياً.
الفارق بين هذه الحالات والسودان أن السودان فقد ليس فقط المؤسسات، بل فقد أيضاً ثقة طبقته المنتجة، التي هاجرت ونقلت رأس مالها ومعرفتها. استعادة رأس المال المادي صعبة، لكن استعادة رأس المال البشري شبه مستحيلة.
عوامل الصمود المتآكلة
صحيح أن السودان يمتلك عوامل صمود استثنائية: شبكة أسرية ممتدة تعمل كنظام حماية اجتماعي غير رسمي، تحويلات ضخمة من المغتربين (تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً)، اقتصاد زراعي موسمي لا يزال ينتج ما يكفي للقوت في بعض المناطق، وقطاع خدمات غير رسمي بالغ المرونة.
لكن هذه العوامل نفسها تتآكل بسرعة في الظروف الحالية: الأسر تتشتت جغرافياً، المغتربون يفقدون قدرتهم على الإرسال مع استقرارهم في بلدان اللجوء، والزراعة تنهار مع استمرار الحرب.
هذه ليست أسس لاقتصاد، بل شبكة أمان تحترق من الأطراف، والسؤال ليس هل ستصمد، بل كم من الوقت المتبقي؟
السؤال الوجودي: هل يمكن إصلاح اقتصاد بلا دولة؟
كل ذلك يطرح سؤالاً وجودياً لا يمكن تجاهله: هل يمكن إصلاح اقتصاد يعمل معظمه خارج الدولة، وتوجد أغلب نقوده خارج البنوك، وقد انهارت عملته الموازية، في ظل غياب الدولة نفسها؟
الجواب القاسي هو أن ذلك غير ممكن في الظروف الحالية. فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يسبق إعادة بناء الدولة.
المسار الواقعي: خريطة زمنية لإعادة البناء
الطريق الوحيد المتاح، رغم قسوته، يبدأ بإنهاء الحرب بأي ثمن سياسي، لأن أي حديث عن إصلاح اقتصادي في ظل حرب مستمرة هو ضرب من الوهم.
إذا انتهت الحرب غداً (وهو افتراض متفائل)، فإن السودان يحتاج إلى:
السنوات 1-2: مرحلة الطوارئ
تشكيل حكومة انتقالية ذات سلطة فعلية وسيادة حقيقية
وقف انهيار العملة (ربما عبر دولرة جزئية معلنة، أو عملة جديدة بضمان دولي)
إعادة فتح الموانئ والمطارات
استعادة الخدمات الأساسية (كهرباء، مياه، اتصالات)
لا حديث عن إصلاح اقتصادي في هذه المرحلة، فقط إيقاف النزيف
السنوات 3-5: مرحلة إعادة البناء المؤسسي
إصلاح جذري للقطاع المصرفي (ربما بحاجة لتصفية معظم البنوك الحالية)
استعادة احتكار الدولة للعنف (شرط أساسي لعودة الاستثمار)
برنامج إعمار بتمويل دولي (البنك الدولي، دول الخليج، الاتحاد الأوروبي)
إصلاح نقدي حقيقي مع ضمانات دولية
استعادة الكوادر المؤهلة وإعادة بناء القدرات المؤسسية
بناء نظام إحصائي موثوق لصنع السياسات المبنية على البيانات
هنا فقط يمكن الحديث عن أدوات مثل “تأمين رأس المال” و”خفض تكلفة التمويل”
السنوات 6-10: مرحلة التعافي الاقتصادي
عودة تدريجية للصناعة (لن تكون سريعة)
إحياء القطاع الزراعي واستغلال الميزة النسبية
إعادة بناء قطاع الصادرات
استعادة الثقة في العملة الوطنية
إعادة بناء سوق العمل وجذب الكفاءات المهاجرة
تطبيق السياسات الاقتصادية التقنية المقترحة
المدة الإجمالية الواقعية: 10-15 سنة
وهذا في أفضل السيناريوهات. أي محاولة لاختصار المراحل ستؤدي للفشل، كما حدث في ليبيا والعراق.
الخلاصة
حتى في أفضل السيناريوهات، فإن المدة الواقعية لهذا المسار لا تقل عن عشر إلى خمس عشرة سنة. الخلاصة أن السودان لا يواجه أزمة اقتصادية عابرة، بل تحولاً وجودياً يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع معاً.
الخيار الوحيد المتبقي هو إنهاء الحرب، ثم بناء الدولة، ثم إصلاح الاقتصاد. أي ترتيب مختلف محكوم عليه بالفشل، وأي تأخير سيرفع الكلفة.
السؤال لم يعد كيف نصلح الاقتصاد، بل هل سنحتفظ بدولة يمكن إصلاح اقتصادها أصلاً؟
والإجابة على هذا السؤال لن تأتي من البنوك أو شركات التأمين، بل من ميادين القتال. هذه هي الحقيقة القاسية التي يجب أن نواجهها: الاقتصاد السوداني لن يُنقذه اقتصاديون، بل سياسيون قادرون على صنع السلام.
وكل يوم نتأخر فيه عن إدراك ذلك، نرفع الثمن الذي سندفعه لاحقاً — إذا بقي هناك “لاحقاً” أصلاً.



