الكتابة في زمن الحرب

حين اخترنا أن نكتب تحت عنوان الكتابة في زمن الحرب، لم يكن قصدنا الكتابة عن الحرب بوصفها معركة، ولا عن الخرائط المتحركة، ولا عن أعداد القتلى والنازحين. فالحرب، منذ أن تعلّم الإنسان تسجيل الوقائع، لها كتّابها ومراسلوها، ولها لغتها المباشرة التي تُنقل عبر الأخبار العاجلة والصور القاسية. تلك كتابة ضرورية، لكنها ليست ما نبحث عنه هنا.

ما شغلنا حقاً هو الإنسان، لا الحدث. الإنسان وهو يعيش تحت ضغط الخوف اليومي، وهو يعيد تعريف الأشياء البسيطة: الحارة والبيت، المدرسة، الشارع، وحتى الصمت. أردنا أن نكتب عن الناس وهم يحاولون الحفاظ على شيء من حياتهم وسط الانهيار، عن معاناتهم  ومحاولاتهم الصغيرة للاستمرار، وعن تلك  الأسئلة التي تفرض نفسها حين يتراجع كل شيء إلى حدود البقاء.

الكتابة في هذا السياق ليست وصفاً للدمار، بل تفكيراً في ما بعده. محاولة لفهم ما الذي يمكن إنقاذه من المعنى، وما الذي يجب إعادة بنائه في الوعي قبل أن يُعاد بناؤه في الواقع. لذلك انشغلنا بقضايا مثل التعليم، لا بوصفه مؤسسة متوقفة، بل بوصفه ذاكرة مهددة، ومستقبلاً مؤجلاً. وانشغلنا بفكرة التعمير، لا كعملية هندسية، بل كفعل أخلاقي يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان، ولحقه في الحلم.

ومع هذا التفكير، بدأ يتقدّم إلى الواجهة سؤال الثقافة في زمن الحرب. هل للحرب ثقافة؟ نعم، للحرب ثقافة، لكنها ثقافة مضطربة، تُربك المعايير، وتخلخل القيم، وتجعل العنف أمراً مألوفاً، واللامبالاة وسيلة دفاع. في المقابل، تبدو الثقافة الإنسانية—بمعناها العميق—وكأنها غريبة عن هذا المشهد، أو زائدة عنه.

ومن هنا ينبع السؤال المؤلم: عن ماذا نكتب؟

كيف يمكن للإنسان أن يكتب عن الثقافة في زمنٍ تسبق فيه الرصاصة الفكرة، ويُختصر فيه الفعل الإنساني إلى فوهة بندقية؟

وهل من المنطقي أن نتحدث عن الإبداع، والقراءة، والفن، بينما الخوف يملأ البيوت، والقلق يرافق كل خطوة؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل أسئلة وجودية يفرضها الواقع نفسه، وتزداد قسوة حين ننظر إلى إنسان السودان في الداخل، الذي لا يعيش الحرب كخبر، بل كحياة يومية. إنسان يستيقظ على القلق، ويمضي يومه محاصراً بالاحتمالات، ويخلد إلى نومٍ لا يشبه النوم. هذا الإنسان لا يحتاج إلى خطاب بطولي، بقدر ما يحتاج إلى من يفهم هشاشته دون أن يسلبه كرامته.

من هنا تصبح الكتابة فعلاً مختلفاً. ليست محاولة لتجميل الواقع، ولا للهروب منه، بل مواجهة هادئة له. كتابة تشبه الشهادة الصامتة؛ لا تصرخ، لكنها ترفض النسيان. وهي أيضاً شكل من أشكال المقاومة، لا مقاومة السلاح بالسلاح، بل مقاومة الفراغ، والانهيار الداخلي، وتحويل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار.

في زمن الحرب، تصبح الكتابة مساحة أخيرة للإنصات، لما لا يُقال، ولما لا يجد طريقه إلى العناوين الكبيرة. محاولة لحفظ الذاكرة من التشويه، ولحماية الأسئلة من الاندثار. وربما لا تغيّر الكتابة مجرى الحرب، لكنها قادرة على أن تحفظ شيئاً من الإنسان، وهذا في حد ذاته انتصار صغير، لكنه عميق.

فالكتابة في زمن الحرب لا تدّعي امتلاك الإجابات، ولا تزعم أنها قادرة على إنقاذ العالم. أقصى ما تستطيع فعله هو أن تُبقي السؤال حيّاً، وأن تذكّرنا بأن الإنسان ليس كائناً حربياً بطبعه، حتى وإن أُجبر على العيش داخلها. قد تبدو الثقافة في لحظات الخوف الكبرى عملاً هشّاً أو بلا جدوى، لكن هشاشتها هي مصدر قوتها؛ فهي ترفض أن تتصلّب، وتصرّ على أن تبقى إنسانية في عالم يتعلّم القسوة بسرعة.

وحين تنتهي الحرب—مهما طال زمنها—لن يُسأل الناس فقط عمّا خسروا من بيوت ومدن، بل عمّا بقي في أرواحهم. هناك، في تلك المساحة غير المرئية، تكون الكتابة قد أدّت دورها: أن تحفظ أثراً، أو ذاكرة، أو معنى صغيراً لم يُسحق تحت الأنقاض. لذلك نكتب، لا لأننا نملك ترف الكتابة، بل لأننا نخشى عالماً يخرج من الحرب بلا حكاية، وبلا لغة، وبلا قدرة على أن يرى نفسه في المر..

عثمان يوسف خليل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى