الوطن الذي لم يغادر الذاكرة في بريستول البريطانية… السودانيون يحوّلون القهوة والفن إلى وسيلة للبقاء
بريستول – ذا بريستول كيبل
في إحدى قاعات متحف إم شيد المطلة على ميناء بريستول، لا تبدو الحرب حاضرة بصورها المعتادة من دمار وخراب. بدلًا من ذلك، تتجلّى في الألوان، والوجوه المرسومة، والأقمشة، وروائح القهوة المتبّلة بالزنجبيل والهيل. هنا، تستخدم مجموعة من النساء السودانيات الفن كوسيلة للتكيّف مع النزوح القسري، واستعادة ما سلبته الحرب من ذاكرة وانتماء وشعور بالأمان.
قبل سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في السودان، وقف شاب في أحد شوارع الخرطوم يقرأ قصيدة خلال مظاهرة مؤيدة للديمقراطية. كانت قصيدته تتحدث عن والدته وهي تُعدّ القهوة: تحمّص البن، تغلي الماء، وتسأله عن أصدقائه الذين قُتلوا في الاحتجاجات. يجيبها: «شربتُ القهوة معهم بالأمس». لاحقًا، قُتل الشاعر نفسه، مثل كثير من النشطاء الشباب. اليوم، تعود تلك القصيدة لتطفو على السطح، لا بوصفها ذكرى سياسية فقط، بل كمدخل لفهم كيف تتحوّل القهوة والفن إلى أدوات مقاومة ناعمة في وجه الفقد.
القهوة… أكثر من مشروب
تقول الفنانة السودانية إسراء الحاج: «القهوة في السودان أكثر من مجرد مشروب». كانت هذه أول جملة تنطق بها وهي تستقبل زوّار معرض «مشاعر السودان»، الذي أقامته بالتعاون مع ستة فنانين سودانيين مقيمين في بريستول، وجميعهم أعضاء في مجموعة بريستول لفنون اللاجئين (BRAC).
قبل بدء الحديث عن اللوحات والأعمال المعروضة، تصرّ الحاج على تقديم القهوة. تجلس المجموعة على سجادة ملوّنة في قاعة العرض الهادئة، فيما تطل النوافذ الكبيرة على المياه. تقدّم إسراء إبراهيم، وهي صانعة قهوة سودانية تقليدية، فناجين صغيرة من القهوة المنكّهة بالبهارات. ينضم زوّار آخرون إلى الجلسة، ويبدأ الحديث.
في السودان، تُعرف طقوس إعداد القهوة بـ«الجبنة»، وهي طقس اجتماعي متكامل يتطلب وقتًا وصبرًا: تحميص البن، طحن التوابل يدويًا، غلي الماء، ثم شرب ثلاثة فناجين. وغالبًا ما تكون النساء في قلب هذا الطقس، يجتمعن لساعات، يتبادلن الهموم والآمال. تقول الحاج: «حتى عندما تكون الحياة قاسية وسريعة، تمنحك القهوة فرصة للتوقف، للحديث، وللشعور بأن ما تعيشينه له معنى».
اليوم، انتقلت هذه الطقوس من أحياء السودان إلى فضاء المعرض في بريستول، لتصبح وسيلة للتواصل بين الجالية السودانية، وبينها وبين المجتمع البريطاني.

معرض متعدد الوسائط… وموحّد بالذاكرة
يضم معرض «مشاعر السودان» أعمالًا فنية شديدة التنوع: لافتات قماشية ضخمة، أقمشة مطرّزة، فساتين زفاف تقليدية، أعشاب وتوابل، سجاد، ولوحات تشكيلية وصور فوتوغرافية. المشارِكات في المعرض لسن فنانات فقط؛ فبينهن مصممات أزياء، ومهندسة معمارية، ومصورة، ومصممة إكسسوارات. بعضهن يعشن في بريستول منذ سنوات، بينما وصل البعض الآخر حديثًا بعد اندلاع الحرب.
تقول سناء الغراب، مصممة الأزياء التقليدية: «من المهم جدًا أن نعرّف الناس بثقافتنا. كثيرون لا يعرفون شيئًا عن السودان سوى الحرب». تشارك سناء في المعرض بفستان زفاف أحمر مصنوع يدويًا، يرمز إلى طقس «الجرتك»، وهو أحد أهم طقوس الزواج السوداني.
وتوضح أن الحفاظ على هذه الطقوس بات أكثر أهمية منذ اندلاع الحرب، مع نزوح ملايين السودانيين إلى بلدان مختلفة. «لا يزال الناس يتزوجون بالطريقة التقليدية، في السعودية، ومصر، وإثيوبيا، وحتى هنا في بريستول»، تقول سناء.
الفن كمساحة للشفاء
بالنسبة لكثير من المشاركات، لم يعد الفن ترفًا أو هواية، بل ضرورة نفسية. تقول شادية إدريس البنا، مصممة الإكسسوارات: «بسبب الحرب تشتّتت عائلتي. ابنتاي في مصر، ابني في دبي، وأنا أُجلِيت إلى المملكة المتحدة. أصبح الفن وسيلتي للتعبير عن هذه التجربة القاسية، وعن الأمومة، وعن هويتي».
أما إسراء الحاج، التي درست العلوم المصرفية قبل أن تتفرغ للرسم، فتقول إن الحرب دفعتها للتركيز على رسم الوجوه، خصوصًا وجوه النساء. «أرسم أشخاصًا يشبهونني. هذا يربطني بالمكان الذي عشت فيه، وبالناس الذين عرفتهم».

“المعرض يدور حول التوعية”
تقول شيرين الشيخ، التي درست التصميم الجرافيكي والداخلي في السودان، إن المعرض يتمحور حول التمسك بذكريات بلد «يُدمَّر أمام أعيننا». تضيف بصوت متردد: «تخيّل أن تُدمّر كل ذكرياتك، وذكريات والديك، وكل ما يملكون». فقدت شيرين عددًا من أفراد عائلتها في الحرب، وتؤكد أن الفقد الشخصي يجعل الألم أكثر حضورًا من أي خبر عابر.
وتتفق معها المصورة نفيسة ، التي انتقلت مؤخرًا إلى بريستول، قائلة: «المعرض يهدف إلى التوعية. الناس يعرفون أن هناك حربًا في السودان، لكن التغطية الإعلامية ضعيفة. هنا، يمكنهم سماع القصة من السودانيين أنفسهم».

مساحة لقاء لا معرض فقط
في يوم الزيارة، كانت قاعة العرض مكتظة بالزوار. يتحدثون مع الفنانات، يضحكون، يتذوقون القهوة، ويتوقفون أمام الأعمال. في منتصف القاعة، يبرز دفتر تعليقات مغطى بنسيج تقليدي، صممته نجود حسنين، مصممة الديكور والمنسوجات. تقول: «هذا النسيج يُستخدم في فساتين الزفاف، وهو رمز للسعادة».






