الانتقال إلى الضفة الأخرى ليس سهلًا…

لأجل مَن يقتل السودانيون بعضهم بعضًا؟

ناهد إدريس

صحافية | ناشطة في حقوق الطفل والمرأة

تختبر قيمة الحياة وهيبة الموت والفقد، إلا حين تدرك أنك مقبل على خيارات صعبة؛ تلك الخيارات وأنت في كامل عافيتك، تختبر فيها نفسك وقيمتك وسط من حولك من الأحباب…

ثم تدرك أن الله وهبك روحًا وجسدًا وأنفاسًا لتعيش، وتمنح الآخرين حق العيش والتمتع بالحياة.

عندما يُوضع جهاز التنفس والتخدير، تقفز إلى ذهنك العديد من الأسئلة:

هل سأستيقظ بعد هذا؟ أم أنتقل إلى عالم آخر، إلى رحمة رب كريم؟

في لحظات غاية في الصعوبة، تمر عليك الدنيا، وتدرك عظمة هذه الروح وقيمة العافية…

وعندما يهبك الله فرصة ثانية للنجاة، يمنحك فرصة لتتأمل وتتغير زاوية الرؤية والمعرفة.

وأنت في تلك الحالة، تقفز إلى الذاكرة أسباب وجع الروح و الرهق…

إنها الحرب، نعم حرب،

داهمت حياتنا دون سابق إنذار، جعلت الموت طائراً يحوم فوق رؤوسنا في كل لحظة، ثم لا يتركنا ويمضي، يقتحم كل تفاصيل حياتنا.

ثم تجد نفسك بين مشاهد مروعة ومخيفة تنفر منها الآدمية والنفس السوية…

مشهد أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان، ليس هذا فحسب، بل يتلذذ بقتله.

وتدرك وقتها أن الحرب في وطنك السودان قدرٌ وصل إلى درك سحيق من اللا إنسانية و الوحشية.

ثم لا تنفك تلك المشاهد من ذاكرتك ولحظات يومك، فهي كالداء انتشر في كل وسائل التواصل؛ لا يكون الهروب حلاً.

إذا أغلقت بابك، إقتحمك طفلك مباغتًا بسؤال:

«أمي، هل هذا حقيقي أم أنه ذكاء اصطناعي؟»

بشاعة أن يشق أحدهم أحشاء أخيه، ثم لا يكتفي بالوحشية والبشاعة، بل يُمثّل بذلك الجسد…

أو تجد أحدهم متكئًا على سلاح، وأسفله جمجمة!

تدرك أنك وقعت في فخ لا تحتمله إنسانية بشرٍ سويين…

فتهرب إلى دواخلك، وتحاول تلطيف تلك المعلومات.

ما ذنب أطفالنا؟ وما ذنوبنا أن يقحمنا من لا يدرك قيمة الحياة في دوامة من العنف والدماء والموت، ثم يتجبر ويتكبر، ويتبعه ثُلّة من الوحوش فاقدة الآدمية، تطلق أنفاسًا من جحيم الجهل، مستترة خلف طلاسم وحشية، تشهر سلاحها بهذيان أشبه بالشعوذة والدجل وعبدة الشيطان: «بل بس».

لا أدري، هل يدرك أحدهم وهو يزهق روحًا بريئة عظمة الحياة؟

هل يحس بوجع الضحية، رهبة اللحظات الأخيرة، الروع وسكرات الموت؟

هل يشعر، وهو ملتبس في حالة شيطانية، أنه صار مجرد آلة بطش، يراقبك ملك الموت، وقد تجردت من إنسانيتك ووصلت إلى الدرك الأسفل من القبح والوحشية؟

هل يدرك أنه يسلب الآخر حياةً قد منحها الله له، وأكرمه بها، وجعله آية ليجسد عظمته؟

إن الموت الذي يُوزّع في الطرقات في السودان على أيديكم لن يحقق عدالة ولا نصرًا.

إن القتل، وإزهاق أرواحنا هباءً منثورًا، لن يمنحكم فرصة لحكمنا بالجبروت والقمع؛

لأن من يقدّر الحياة ويدرك قيمتها، ويختبر لحظاته الأخيرة ثم يُمنح فرصة ثانية، يدرك تمامًا أن الانتقال إلى الضفة الأخرى ليس سهلًا…

فيظل يقاوم، ويكتب، ويرسم، ويفكر، ويتساءل:

لأجل مَن يقتل السودانيون بعضهم بعضًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى