البحر الأحمر: من ممر للتجارة إلى نظام أمني متحوّل

 

محمد عمر شمينا

البحر الأحمر لم يعد ذلك الشريط المائي الهادئ الذي تعبره السفن في صمت بين آسيا وأوروبا، ولا مجرد خلفية زرقاء على خرائط الجغرافيا السياسية. ما يتشكل اليوم هو انتقال هذا البحر من كونه ممرًا للتجارة إلى كونه نظامًا أمنيًا معقدًا، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتنافسات الإقليم، واضطرابات الدول الهشة، وفاعلون مسلحون لا ينتمون إلى الدولة. هذه التحولات لا تعني فقط زيادة التوتر، بل تعني أن طبيعة البحر نفسه سياسيًا وأمنيًا قد تغيّرت بصورة بنيوية.

لفترة طويلة، جرى النظر إلى البحر الأحمر بوصفه شريانًا تجاريًا عالميًا: قناة السويس في الشمال، وباب المندب في الجنوب، ومسار حيوي للطاقة والبضائع وسلاسل الإمداد. غير أن أهمية الممرات لا تقاس فقط بحجم السفن التي تعبرها، بل بكمية القوة التي تحيط بها. ومع تراكم الأزمات الإقليمية، تحوّل هذا الممر من فضاء عبور إلى فضاء انتشار عسكري، ومن منطقة اتصال إلى منطقة احتكاك دائم.

أول ما يلفت الانتباه هو أن البحر الأحمر أصبح عقدة جيوسياسية حقيقية. اختناق التجارة العالمية المحتمل عبر باب المندب أو السويس لم يعد سيناريو نظريًا، بل احتمالًا حاضرًا في حسابات الأسواق والقوى الدولية. أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس فورًا على أوروبا، وآسيا، وأسواق الطاقة، والتضخم العالمي. هذا الارتباط الوثيق بين جغرافيا ضيقة واقتصاد عالمي واسع جعل أمن البحر الأحمر جزءًا من الأمن الاقتصادي الدولي، وليس مسألة إقليمية فقط.

لكن الأهم من ذلك هو عسكرة الممرات البحرية. الوجود العسكري الأجنبي في القرن الأفريقي، والانتشار البحري المتزايد للقوى الكبرى، وتحول بعض الموانئ إلى نقاط ارتكاز لوجستي واستراتيجي، كلها مؤشرات على أن البحر لم يعد مجرد مسار، بل أصبح مسرحًا. في هذا المسرح، لا تُستخدم القوة دائمًا في صورة حرب مفتوحة، بل في صورة حضور دائم، وردع، ومراقبة، واستعداد. ومع هذا الحضور، تتغير قواعد السلوك السفن التجارية تتحرك في ظل حسابات أمنية، والموانئ تُقرأ باعتبارها أصولًا استراتيجية لا مرافق خدمية فقط.

إلى جانب عسكرة البحر، برز تحول آخر أكثر تعقيدًا، وهو تغير طبيعة التهديد. لم يعد الخطر محصورًا في مواجهة بحرية تقليدية بين دول، بل في بيئة أمنية هجينة. استهداف السفن أو تهديد الملاحة يمكن أن يكون أداة ضغط سياسي غير مباشر. الميليشيات العابرة للحدود، والشبكات المسلحة المرتبطة بصراعات برية، أصبحت قادرة على التأثير في المجال البحري. القرصنة، التي عُدّت في وقت ما ظاهرة إجرامية معزولة، تعود بأشكال جديدة ترتبط بضعف الدول وتفكك مؤسساتها. هكذا يتداخل الأمن البحري مع الأمن الداخلي للدول المطلة، ومع صراعات لا تبدو بحرية في أصلها.

وهنا يبرز عامل  اختفاء الخط الفاصل بين صراعات البر والبحر. ما يجري في اليمن لا يبقى في اليمن، بل يمتد أثره إلى باب المندب. الاضطرابات في القرن الأفريقي تنعكس على السواحل والموانئ. التوترات في المشرق تتقاطع مع أمن الملاحة. لم يعد البحر الأحمر فضاءً محايدًا يمر فوقه الصراع، بل أصبح جزءًا من معادلاته. الجغرافيا البحرية صارت امتدادًا للجغرافيا البرية، والعكس صحيح.

وسط هذا المشهد، تتباين أوضاع الدول المطلة. بعضها يمتلك مؤسسات مستقرة وقدرات بحرية تمكّنه من إدارة ساحله ضمن رؤية سيادية واضحة. وبعضها الآخر يواجه أزمات داخلية تجعل من الساحل نقطة ضعف بدل أن يكون مصدر قوة. في البيئات الهشة، لا يعود الساحل خط دفاع، بل يتحول إلى منطقة نفاذ للقوى الخارجية، وإلى مجال تنافس على الموانئ والبنى التحتية. ومع غياب الدولة الفاعلة، ينتقل أمن البحر من كونه سياسة وطنية إلى كونه نتيجة تفاهمات الآخرين.

ما يتشكل في البحر الأحمر اليوم ليس نظامًا أمنيًا إقليميًا متكاملًا، بل شبكة من الترتيبات المؤقتة. تدخلات موضعية، تحالفات ظرفية، انتشار عسكري بلا إطار جامع. هذا النمط من الإدارة بالأزمات أخطر من الصراع التقليدي، لأنه يفتقر إلى قواعد ثابتة. في غياب نظام واضح، ترتفع احتمالات سوء التقدير، ويتحول الحادث المحدود إلى شرارة تصعيد أوسع.

في المقابل، يتزايد الإدراك بأن الموانئ والسواحل ليست مجرد موارد اقتصادية. هي أدوات سيادية، وعناصر في توازنات القوة. من يملك قرار ساحله، يملك جزءًا من قراره الاستراتيجي. ومن يفقد السيطرة المؤسسية على مجاله البحري، يفقد قدرة أساسية على حماية مصالحه. أمن البحر الأحمر، بهذا المعنى، يبدأ من استقرار البر من دولة قادرة على بسط سلطتها، وتنظيم علاقتها بالخارج، ووضع مصالحها ضمن رؤية طويلة الأمد.

الخطر الأكبر لا يكمن في حادثة بعينها، ولا في أزمة مؤقتة، بل في مسار تراكمي يجعل البحر ساحة مفتوحة بلا نظام مستقر. عندها لا تعود الدول المطلة فاعلة رئيسية، بل متلقية لنتائج صراعات تُدار فوقها أو عبرها. البحر الأحمر لا ينفجر بضربة واحدة، بل يتغير ببطء، مع كل أزمة غير محسومة، وكل فراغ غير مُدار، وكل قرار مؤجل.

في هذا التحول الهادئ، لا يهدد البحر الدول بقدر ما يكشف توازناتها الداخلية. فالمياه لا تصنع الاضطراب من تلقاء نفسها، لكنها تعكس ما يجري على اليابسة. وحين يصبح الساحل مرآة للهشاشة، يتحول الممر من فرصة جغرافية إلى اختبار سياسي مفتوح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى