حكاية من بيئتي (24)

بير الأرباب

محمد احمد الفيلابي 

ما الذي يجمع بين مفردات (الأرباب.. ساحة.. بير.. أمية)؟

أطلق أحد الشباب السؤال على احدى منصّات التواصل الاجتماعي، وهو يجمع المعلومات محاولاً التعرف على ملامح مرتع صبا أبويه الذي كان يزوره لأيام معدودة في مناسبات الأسرة الكبيرة، وها يقضي أكثر من عامين منذ جاءه بعد إنطلاقة الحرب. جاءته ردود محدودة من أمثاله الذين وجدوا في الشاشات الصغيرة سلواهم، ونافذتهم على العالم، بعد أن ضاقت عليهم جغرافيا الوجود.

ــ إنها اللافتات التي تطل على الساحة (بقالة الأرباب… عماري الساحة… بوتيك البير.. بنشر الأمية.. ود الأرباب للألكترونيات.. مغلق الساحة الكبير.. مسجد الأرباب).

ـوتساءل آخر:

ــ هل هو مسجد الأرباب أم مسجد عمار بن ياسر كما هو مكتوب على اللافتة؟ أنا لم أسمع من يردد هذا الاسم. الجميع يقول مسجد الأرباب.. ومدرسة الأرباب الأساسية.. 

واندلقت الحكايات حول الأرباب الكبير مؤسس القرية. 

يخلد البعض سيرتهم بأعمال الخير المستدامة، ومنها حفر الآبار، التي تعد شرياناً للحياة، وملجأ للعابرين، ومركزاً للتجمع والتلاقي. في كل مكان تحكي الآبار عن معارف الأجداد التقليدية الموروثة، وما انبنى عليها من تقنيات هندسية متقدمة في الحفر والحماية. أما (بير الأرباب) فقد شكّلت مثل العديد من الآبار، والعِدود (جمع عِد) أساساً لتكوين قرية باتت مركزاً لتجمع قرى الجبل و(فرقان) الرحّل الذين استقروا فيما بعد، لكن مركزها اتخد مسمى البئر مقروناً بصاحبها حتى بعد أن دُفنت البئر على أثر تمدد شبكة المياه في كل البيوت. 

و(الأرباب)،  بتخفيف وتسكين الراء، وفتح وتخفيف الباء، ليست جمعاً، كما نقول أرباب العمل، وأرباب المصالح، وأرباب العقائد. فـ(الراء) هنا مفخمة. وتُجمع (أرباب) على (أرابيب). وهل يُجمع الجمع؟ وفي المدح (أهلك أرابيب الندى) بمعني أسياد الكرم. مايعني أنها من (أرباب) في اللغة الفارسية، والتي تعني الرئيس أو السيد، أو الشخص الموهوب، وصاحب الأرض.

إن كان للآبار علاقة بتوطين الرحّل بعد الجفاف الذي ضرب نواحي عديدة من السودان، إلا أن هجرة سكان قرى الجبل حيث حفر (الأرباب) بئره كانت بسبب الفيضانات. إذ كان السكان الأوائل يقطنون قرب مزارعهم في محازاة مجرى النيل، وحين صعد على ضفتيه فائضاً في العام 1946، أضطروا للصعود على التلال القريبة من الجبل، ثم عادوا بعد انحسار المياه إلا (الأرباب) الذي آثر البقاء، وقام بحفر البئر، وشيد مسكنه، وأقام.  وكان قد استخرج من بطن البئر طبقات متباينة من أنواع التربة والصخور، وطبقة جيرية خفيفة، وصنع من كل ذلك مزيجاً أضاف إليه روث الحيوانات، ليحيط البئر بسور دائري (حور)، يرتفع من الأرض مقدار ذراع، وقضى أكثر من نصف عام مراقباً حركة الهواء ليحدّد مكان المداخل، ذلك حتى لا تحمل الأهوية إلى البئر الأتربة المحملة بما يلوث الماء. ويقال أنه قضى أسابيع قبلاً ليحدّد مكان حفر البئر. ويروي البعض أنه اهتدى بطائر الهدهد الذي يقال أنه يرى الماء عن بعد، ويحس به في باطن الأرض. حتى أن العرب يضربون المثل بقوة إبصاره. وقد ذكر الجاحظ إن الهدهد كان يدل النبي سليمان على مواضع الماء في قعر الأرض. ويسمونه أبو الأخبار، و(أبو ثمامة). و(الثُّمام) عشب من الفصيلة النجيلية،  ومنه الثمام السنبلي وهو (الدُّخنَ). ولعل في الأمر إشارة إلى خطوط الهدهد وألوانه الجميلة. إلا أن البعض يؤكد أن (الأرباب) اهتدى إلى موضع البئر بتواجد النباتات والأشجار الكثيفة على طرف ذلك الوادي المنحدر نحو النهر. وما جعل مياهها أكثر نقاء وعذوبة فهو مرور مياه الأمطار عبر طبقات التربة الرملية والصخور الصغيرة التي عملت كمرشح طبيعي للماء قبل إنسرابها في الحوض الجوفي. وهكذا تميزت البئر بعمقها وعذوبة مياهها وذلك (الحور) الحامي. ويرجع البعض مسمى (الحور) إلى شكله الدائري، تتوسطه البئر كأنها سواد العين. إذ أن (الحور) في اللغة هو شدة بياض العين، مع سوادها الشديد (كعيون الظباء والنساء).

يحسب لـ(الأرباب) الكبير، توطينه عدداً من التعاليم والمعالم البيئية، إذ حرص على تسوير الساحة حول البئر بأشجار النيم، وبعض أشجار الأكاشيا التي فرضت وجودها عليه. ورفض هو ومن بعده أبنائه، السماح لكل من حاول أن يشيد منزله وسط الساحة إبّان موجة النزوح الأولى (1988)، والثانية منتصف التسعينات، لتصبح الساحة بمثابة متنفس للقرية. بل حتى من جاءوا لتشييد المدرستين الأوليتين والشفخانة خضعوا لرؤيته، وشيّدوا تلك المباني على بعد نصف كيلو شمال الساحة، لتشكل فاصلاً بين القرية والتلال الصخرية، ولحقت بها المدرسة الوسطى، بعد إكمال الإبتدائية بالعون الذاتي، ومن ثم الثانويات، وحل المركز الصحي محل الشفخانة. واتخذت المؤسسات الحكومية المسمى الوارد في وثائق المجلس الريفي (قرية الجبل)، لكنها في عرف الجميع تقترن باسم (الأرباب). 

فيما بعد جاء من يطلق أسماء مغايرة على المؤسسات القائمة، بيد أن الأمر لم يبرح الوثائق الرسمية، ولم تجر على لسان من حفظوا الإرث (إسماً ومحبة في قلوب الناس). وحين حاول أحدهم تشييد المسجد الممول من إحدى الجهات الخيرية الخليجية في قلب الساحة اعترضه الأبناء، وحل أحدهم المشكلة بأن تبرع بمساحة داره المطلة على الساحة ليقام فيها المسجد، بل أكمل البناء بعد أن أختفى المسؤول عن المشروع عقب إحتفال وضع حجر الأساس وتثبيت اللافتة. الأمر الذي جعل اللافتة مجرد نتوء على سور المسجد، فهو (مسجد الأرباب).

فيما بعد انفتحت على الساحة من جهاتها الأربع المحال التجارية. فالحفيد الذي ورث كنتين أبيه، اقتطع من دارهم ليزيد مساحته، ويعلق عليه لافتة (بقالة الأرباب). واختار صاحب محل العماري إسم (عماري الساحة). وكذا هو الحال مع صاحب (بوتيك البير)، وصاحب (مغلق الساحة الكبير). أما (بنشر الأمية) فقد اتخذ الاسم من المبنى المشيد مكان البئر، بعد أن تمددت شبكة المياه، واختيرت الساحة لتثبيت محطة التوزيع (الأمية)، لتصبح الجدار الرابع لكشك صغير لاصلاح الاطارات، وبيع الزيوت وقطع الأسبيرات، وتوسع عمله بعد غزو الركشات للقرية، أسوة بقرى سودانية عديدة. 

يشير محل (ود الأرباب للألكترونيات) إلى إنتشار التلفزيونات وأجهزة الديجتال فقام أحد الذين تعلّموا الصيانة بالطريقة العملية، أو (الجربندية) كما يسموها، بالاستغناء عن إحدي غرف منزلهم المطل على الساحة ليفتح نافذة كبيرة، تكفى لاظهار كم النفايات الإلكترونية المتراكمة بالداخل، شأن كل محلات الإصلاح.

وأورد أحد المدونين حكاية وقفة أحد أبناء الأرباب ضد من أراد أن يساعد إحدى شركات الاتصالات لتشييد محطة تقوية وسط الساحة. وقد شرعوا في التشييج قبل البت في الأمر، وبنوا القواعد التي تحولت إلى مقاعد لمن ينتظرون مرور السيارات من وإلى المدينة. ثم تواصلت حملة الملاحقة حين تلقى من أسال لعابه مال الإيجار السنوي الذي تدفعه الشركة، وأقنع مجلس آباء المدرسة، وهو أحد الأعضاء فيه ليحصل على الموافقة لتشييد المحطة في أحد أركان المدرسة. إلا أن الحملة كانت أقوى منه، ونقلت المحطة الى طرف الجبل بعيداً عن القرية.

وتواترت حكايات الأرباب وبطولاته وأبنائه. فكتبت إحدى المهتمات بالشأن البيئي:

“ليس لأنني حفيدة الأرباب، لكن لو وُجد في كل قرية من يهتم بالشأن البيئي مثل جدي (يرحمه الله)، وما أوثه الأبناء، لكانت كل القرى التي عاد إليها أهلها بعد الحرب أفضل حالاً. وهنا أشير إلى فائدة هذه الساحة البيئية بأشجارها الكثيفة. والتي قيل أن جدي كان يرويها من البئر قبل أن يصحو أهل القرية. ليجد العون من الجميع،  حتى أنه كان حين يصحو فجراً يجد أن الأشجار قد تم ريها بليل.

ما بالكم لو لم يكن الأمر كما هو الآن؟

هل تصدقون أن عدد الركشات وصل إلى أكثر من أربعين ركشة؟  فبجانب التلوُث السمعي والبصري والبيئي، فإن ما تنفثه هذه الركشات من دخان خطير نتيجة اختلاط البنزين بالزيت عند إدارة ماكيناتها، بجانب عمليات حرق العوادم عند الصيانة الأسبوعية، بات يشكل مشكلة تلوث كبيرة. ولولا الأشجار التي تمتص نسبة كبيرة من هذه الأبخرة لتأثر السكان أصحاب البيوت المطلة على الساحة بأمراض  الصدر، وربما ما هو أخطر.

وتساءل آخر عن قصة (سرّك في بير)!

وجاءته ردود متباينة بين حفظ الناس في الماضي للأسرار. ولعل أكثر ما ورد  فكاهة قصة (المزيّن) الذي ما استطاع أن يحفظ سر السلطان رغم التهديد، فآثر أن يحدّث به البئر. وفيما بعد نقلت الحكاية الأعواد المصنوعة من سقف ذات البئر حين تم استخدامها للضرب على النحاس مصدرة نغمة تقول بالحكاية.. السلطان……!

 ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى