تحليل الأزمات العالمية.. ماذا سيحدث عندما لا توجد ضوابط على الأسلحة النووية؟
مع اقتراب انتهاء معاهدة ستارت الجديدة الأسبوع المقبل، قد نشهد سباق تسلح جديد

*بقلم ويليام هارتونغ*
إنتهت يوم الخميس الماضي معاهدة ستارت الجديدة ، وهي آخر إتفاقية للحد من التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا ، الأسبوع المقبل، ولم يتخذ الرئيس ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن قرارًا بتجديدها. إن السماح بانتهاء المعاهدة من شأنه أن يزيد من خطر نشوب صراع نووي ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي متسارع. ويضغط تحالف من منظمات الحد من التسلح ونزع السلاح على الكونغرس والرئيس للتعهد بمواصلة الالتزام بحدود معاهدة ستارت الجديدة فيما يتعلق بالأسلحة النووية الاستراتيجية المنتشرة من قبل الولايات المتحدة وروسيا.
تُعدّ معاهدة ستارت الجديدة ذات أهمية بالغة. فقد دخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير 2011 بعد جهود ناجحة بذلتها إدارة أوباما لحشد تأييد عدد كافٍ من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لتحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة للتصديق على الاتفاقية، وحدّدت عدد الرؤوس الحربية المنتشرة بـ 1550 رأسًا لكل طرف، ووضعت إجراءات تحقق لضمان إلتزام الطرفين بالاتفاقية. ورغم أن معاهدة ستارت الجديدة لم تكن مثالية، إلا أنها وضعت ضوابط ضرورية لتطوير الأسلحة النووية، مما قلّل من احتمالية نشوب سباق تسلح شامل.
الصفقة التي أُبرِمت للتصديق على معاهدة ستارت الجديدة في مجلس الشيوخ هي تعهد مثير للجدل باستثمار 85 مليار دولار في الرؤوس الحربية النووية الأمريكية على مدى 10 سنوات، وهو ترتيب جادل بعض النقاد بأنه من شأنه أن يعزز امتلاك الولايات المتحدة وتطويرها للأسلحة النووية على المدى الطويل، مما يجعل من الصعب التوصل إلى إتفاق مستقبلي لخفض مخزونات الرؤوس الحربية إلى ما دون مستويات معاهدة ستارت الجديدة.
لم تمنع القيود التي فرضتها معاهدة ستارت الجديدة على عدد الأسلحة المنتشرة الولايات المتحدة أو روسيا من الاستثمار في جيل جديد من الأسلحة النووية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمضي البنتاغون قدماً في خطة لبناء جيل جديد من الصواريخ والقاذفات والغواصات النووية – برؤوس حربية جديدة – بتكلفة متوقعة تبلغ 946 مليار دولار على مدى العقد المقبل. وسيُخصص ما لا يقل عن 140 مليار دولار من هذا المبلغ لتطوير وبناء صاروخ باليستي عابر للقارات جديد، هو صاروخ سنتينل. وقد شهد هذا الصاروخ الجديد – الذي تُطوره شركة نورثروب غرومان بعد حصولها على عقد حصري في سبتمبر 2020 – ارتفاعاً هائلاً في التكلفة تجاوز التقديرات الأولية. وقد دفع هذا التجاوز البنتاغون إلى مراجعة البرنامج، إلا أن التقييم أدى إلى قرار بالمضي قدماً بكامل طاقته.
بل إنّ الأهم من مسألة التكلفة هو أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تُعدّ “من أخطر الأسلحة في العالم”، كما صرّح وزير الدفاع السابق ويليام بيري، إذ لا يملك الرئيس سوى دقائق معدودة ليقرر ما إذا كان سيطلقها في حالة الأزمات، مما يزيد من خطر نشوب حرب نووية عرضية بناءً على إنذار كاذب. وتشير تحليلات مستقلة أجراها اتحاد العلماء المعنيين ومجموعات خبراء أخرى إلى أن الولايات المتحدة قادرة على الاحتفاظ بالقدرة على ردع أي دولة أخرى عن شنّ هجوم نووي عليها حتى بدون وجود صواريخ باليستية عابرة للقارات في ترسانتها.
كما تعمل روسيا على تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية، وقد أثارت تهديدات الزعيم الروسي فلاديمير بوتين باستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا – مهما كان ذلك غير عملي – مخاوف، لكنها لم تحفز دفعاً فعالاً لفرض قيود جديدة على امتلاك واستخدام هذه الأسلحة التي يحتمل أن تنهي العالم.
دفعت هذه التطورات نشرة علماء الذرة إلى تعديل مؤشرها الزمني ليوم القيامة – وهو تقدير لمخاطر نشوب صراع نووي – إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل . وحثّ بيانها الداعم لهذا التقييم قادة الدول النووية الكبرى على التخلي عن تراخيهم واتخاذ إجراءات لكبح جماح ترساناتهم النووية والحد من خطر استخدامها. وقد قيّموا الوضع الراهن على النحو التالي:
قبل عام، حذرنا من أن العالم بات على حافة كارثة عالمية، وأن أي تأخير في تغيير المسار سيزيد من احتمالية وقوعها. وبدلاً من الاستجابة لهذا التحذير، أصبحت روسيا والصين والولايات المتحدة ودول كبرى أخرى أكثر عدوانية وعداءً ونزعة قومية. تنهار التفاهمات العالمية التي تحققت بشق الأنفس، مما يُسرّع من وتيرة التنافس بين القوى العظمى، ويُقوّض التعاون الدولي الضروري للحد من مخاطر الحرب النووية، وتغير المناخ، وإساءة استخدام التكنولوجيا الحيوية، والتهديد المحتمل للذكاء الاصطناعي، وغيرها من المخاطر الكارثية. وقد استكان عدد كبير من القادة وأصبحوا غير مبالين، بل وتبنوا في كثير من الأحيان خطاباً وسياسات تُفاقم هذه المخاطر الوجودية بدلاً من التخفيف من حدتها.
يتعارض انتهاء معاهدة ستارت الجديدة مع الرأي العام الأمريكي بشأن هذه المسألة. فقد أظهر استطلاع رأي نُشر الشهر الماضى بتكليف من مبادرة التهديد النووي أن 91% من الأمريكيين – بمن فيهم 85% من مؤيدي الرئيس ترامب – يعتقدون أن “على الولايات المتحدة التفاوض على اتفاقية جديدة مع روسيا إما للحفاظ على القيود الحالية على الأسلحة النووية أو لخفض ترسانات البلدين بشكل أكبر”.
إن السماح بتجاوز حدود المعاهدة يتعارض أيضاً مع مواقف غالبية دول العالم، حيث صادقت 74 دولة منها على معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية، بينما وقعت 25 دولة أخرى على المعاهدة لكنها لم تصادق عليها رسمياً بعد.
يتطلب عكس الاتجاهات الحالية واستعادة التزام القوى النووية الكبرى بتقليص ترساناتها النووية والقضاء عليها نهائياً، علاقات أكثر بناءً بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. ولكن حتى في ذروة الحرب الباردة، تم التوصل إلى اتفاقيات هامة للحد من تطوير الأسلحة النووية ونشرها، بدءاً من معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963 وصولاً إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1970.
إن الحفاظ على حدود معاهدة ستارت الجديدة والتفاوض على اتفاقيات جديدة للحد من الترسانات النووية ونشرها يصب في مصلحة جميع الدول، وينبغي أن يتجاوز الخلافات حول القضايا الأخرى. ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان ذلك سيحدث فعلاً.
———————————
*ويليام د. هارتونغ* هو زميل باحث أول في معهد كوينسي للحكم الرشيد. ويركز عمله على صناعة الأسلحة والميزانية العسكرية الأمريكية





