عودة اللون من تحت الركام ..  معرض كلية الفنون الجميلة بيان صامت ضد الحرب

 

جالازهاء الطاهر

في صباح الثالث من فبراير، لم تكن أبواب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا تُفتح على معرضٍ فني فحسب، بل على لحظة إستعادة رمزية لزمنٍ انكسر ثم حاول أن ينهض من تحت الركام. كان المكان، الذي طالته الحرب كما طالت كل شيء، يستعيد صوته ببطء، كمن يختبر حنجرته بعد صمتٍ طويل. ثلاثة أعوامٍ كاملة انقضت منذ آخر نشاط شهدته الكلية، ثلاثة أعوام كانت كافية لأن يتراكم الغبار على الجدران، وأن تصمت القاعات، وأن تتبدد الطمأنينة التي كانت تُلازم هذا الفضاء الأكاديمي والفني. ومع ذلك، حين عاد المعرض، عاد محمّلاً بما هو أكثر من اللوحات والألوان؛ عاد بوصفه إعلاناً هادئاً لكنه عميق بأن الفن، مهما حوصِر، لا يُهزم.

 

لم يكن الإعلان عن المعرض واسعاً، ولم تُمهَّد له الطرق كما كان يحدث في الأزمنة المستقرة. ومع ذلك، شهد المعرض حضوراً كثيفاً، كأن الناس كانوا ينتظرون هذه اللحظة دون أن يُقال لهم صراحة. بدا الحضور متنوعاً: طلاب، خريجون، أساتذة، مهتمون بالفن، ووجوه جاءت بدافع الفضول أو الحنين. وكان الإحساس الغالب، كما لاحظت «أفق جديد»، أن الجميع يدخلون مكاناً يستعيد شيئاً من روحه، ويشهدون حدثاً يتجاوز قيمته الجمالية المباشرة.

لحظة سكون

في القاعات، توزعت الأعمال الفنية في تنوّعٍ لافت، لا من حيث الموضوعات فحسب، بل من حيث التقنيات والخامات أيضاً. لوحات الطبيعة الصامتة بدت كأنها محاولة للإمساك بلحظة سكون نادرة في زمنٍ صاخب، بينما حملت البورتريهات وجوهاً مشدودة بين التعب والأمل، بين ذاكرة الحرب ورغبة النجاة. الزخرفة والخط العربي حضرا بوصفهما امتداداً لتقاليد راسخة، لكنهما في هذا السياق اكتسبا معنى إضافياً، إذ تحوّلا إلى فعل مقاومة ثقافية، وإلى تذكير بأن الهوية لا تُمحى بسهولة.

 

تنوعت الخامات المستخدمة بين الفحم والرصاص والألوان الزيتية، في مشهدٍ يوحي بأن الفنانين عملوا بما توفر، لا بما هو مثالي. هنا، لم تكن قلة الإمكانات عائقاً، بل تحوّلت إلى جزء من اللغة الفنية ذاتها. الفحم، بسواده الحاد، بدا كأنه يعبّر عن ثقل التجربة، فيما منحت الألوان الزيتية بعض اللوحات دفئاً مقاوماً للخراب. حتى الرصاص، بأثره الخفيف والدقيق، بدا وكأنه يكتب تفاصيل صغيرة، لكنها عنيدة، في سجل الذاكرة.

إحساس الحرمان

وفي حديثها لـ«أفق جديد»، قالت ضحى عوض الماحي، خريجة دفعة 76، إن فكرة المعرض وُلدت من إحساسٍ بالحرمان المؤجل. وأوضحت أن دفعتها حُرمت من إقامة معرضها الخاص بسبب اندلاع الحرب، وهو تقليد ظل راسخاً لسنوات طويلة قبل أن تقطعه الأحداث. وأضافت: «في البداية فكرنا في إقامة معرض يقتصر على أعمال الخريجين فقط، كما جرت العادة قبل الحرب، لكننا أدركنا لاحقاً أن هذا الخيار لا يعبّر عن واقع الكلية اليوم». وتابعت، بحسب ما نقلت «أفق جديد»، أن النقاش قادهم إلى توسيع الفكرة لتشمل أعمال كل المنتسبين إلى الكلية، طلاباً وخريجين، في محاولة واعية لجمع ما فرّقته الحرب، والتأكيد على أن الكلية كيان واحد لا تُختزل في دفعة أو جيل.

ورش فنية

رافق المعرض عدد من الورش الفنية، في إشارة واضحة إلى رغبة المنظمين في تجاوز عرض الأعمال المكتملة إلى مشاركة المعرفة نفسها. من بين هذه الورش، ورشة الخط العربي التي أشرف عليها دكتور خالد والأمين توتي، حيث اجتمع المشاركون حول الحرف بوصفه شكلاً ومعنى في آن. وقد لاحظت «أفق جديد» أن الورشة تحوّلت إلى مساحة حوار مفتوح حول علاقة الخط بالذاكرة، ودوره في تثبيت المعنى في زمن التصدع.

 

الورشة الأخرى، التي جذبت اهتماماً خاصاً، كانت ورشة صناعة الحبر بإشراف دكتور ميرغني سعيد. وفي إفادته لـ«أفق جديد»، استعاد ميرغني سعيد طرق صناعة الحبر قديماً، موضحاً أن شيوخ الخلاوي كانوا يصنعون حبر الكتابة على الألواح من السواد المتخلف عن النار في أواني الطهي على الحطب. وقال إن هذا السواد كان يُجمع ويُعاد إلى النار مع الصمغ العربي والماء، بمقادير دقيقة، ثم يُصفّى ليصبح صالحاً للاستخدام. وأضاف أن هذه الطريقة لم تكن مجرد حيلة تقنية، بل تعبيراً عن قدرة الناس على تحويل أبسط الموارد إلى أدوات للمعرفة.

 

وفي حديثه عن تجربته المعاصرة، أوضح ميرغني سعيد لـ«أفق جديد» أنه استخدم مادة طبيعية تُعرف بحصى الجوز، والتي تحمل لونين، الأسود والبني. وشرح أن العملية تبدأ بغلي الماء مع قليل من الصمغ لضمان تماسك الحبر واستدامته على الورق، ثم تُضاف معالق من حصى الجوز وتُخلط حتى تذوب تماماً. وأشار إلى أن اللون الناتج يعتمد على نوع الحصى المستخدم، وأن الحبر بعد أن يبرد يمكن حفظه في علب واستخدامه في الخط أو بعض أعمال الرسم. وبحسب وصفه، فإن هذه التجربة تربط بين المعرفة التقليدية والإمكانات المتاحة اليوم، وتفتح أفقاً لتجريب مواد محلية في الممارسة الفنية.

آخر نشاط

وللمفارقة، فإن آخر نشاط شهدته الكلية قبل هذا المعرض كان في الشهر نفسه قبل ثلاث سنوات، في الرابع من فبراير 2023. يومها، أقامت جمعية الخطاطين السودانيين تأبيناً لبروف عبد الله حسن بشير جلي، أحد أبناء الكلية وخريجيها في سبعينات القرن الماضي من قسمي التلوين والخطوط. ووفق ما رصدته «أفق جديد»، كان بروف جلي شخصية محورية في تاريخ الكلية، عمل مدرساً بقسم التلوين ثم ترأسه لاحقاً. عُرف بحبه العميق للتلوين، غير أن تفانيه في التدريس وانشغاله بطلابه جعلاه أقل إنتاجاً للأعمال المعروضة في الصالات، وأكثر حضوراً في ذاكرة الأجيال التي تتلمذت على يديه.

 

وفي إفادتها لـ«أفق جديد»، رأت وسام البشير، الطالبة في السنة الثانية، أن النوستالجيا شكّلت المحرك الأساسي لهذا المعرض، لكنها نوستالجيا واعية لا تقف عند حدود الحنين. وقالت إن الفنون هي أساس المجتمعات وركيزة التعمير، مؤكدة أن دور الفنان لا يقتصر على صناعة الجمال فقط. وأضافت أن هذا الدور يتسع، خاصة في زمن الحرب، ليشمل إعادة تأهيل المجتمع نفسياً، وتوثيق ما جرى من جرائم وتدمير، وإدانة الجهات والدول الداعمة للعنف. وشددت وسام، بحسب حديثها لـ«أفق جديد»، على أن إعمار الكلية هو في جوهره إعمار للمجتمع والثقافة، لأن الفضاءات الفنية ليست ترفاً بل ضرورة.

حضور الخراب

هذا الوعي بدور الفن انعكس بوضوح في أجواء المعرض. لم تكن اللوحات معزولة عن سياقها، ولم يكن المكان محايداً. آثار الخراب كانت حاضرة في المباني، في الجدران التي تحمل ندوباً واضحة، وفي القاعات التي فقدت بعض تجهيزاتها. ومع ذلك، لاحظت «أفق جديد» إصرار الطلاب على تنظيف الكلية وترتيبها بأيديهم، بدعمٍ من عمال الكلية، في محاولة لإعادة شيء من النظام إلى المكان. لم تكن هذه الجهود كافية لإصلاح كل الأضرار، لكنها حملت معنى رمزياً قوياً: أن استعادة الفضاء تبدأ بالفعل الجماعي، مهما بدا محدوداً.

في هذا السياق، بدا المعرض أشبه بتجربة جماعية لاستعادة المعنى. لم يكن الهدف إبهار المتلقي، ولا تقديم أعمال مكتملة وفق معايير الصالات الكبرى، بل كان الهدف الأساسي هو الفعل ذاته: أن تُقام المعارض مرة أخرى، وأن تُفتح الورش، وأن يعود النقاش حول الفن ودوره في المجتمع. وكان في ذلك تواضع واضح، لكنه تواضع واثق، يدرك أن البدايات غالباً ما تكون هشة، لكنها ضرورية.

بيان غير مكتوب

هكذا، تحوّل معرض الثالث من فبراير إلى ما يشبه البيان غير المكتوب. بيان، كما ترصده «أفق جديد»، يقول إن الفنون قادرة على الصمود، وإن المؤسسات الثقافية، مهما تضررت، يمكن أن تستعيد وظائفها الأساسية. ويقول أيضاً إن الحرب، مهما طال أمدها، لا تستطيع أن تُلغي الحاجة إلى التعبير، ولا أن تُطفئ الرغبة في الجمال والمعنى. في أروقة الكلية، وبين اللوحات والورش والأحاديث الجانبية، كان ثمة إحساس عام بأن ما جرى ليس نهاية، بل بداية جديدة، متواضعة لكنها صادقة، في طريقٍ طويل نحو استعادة الحياة الثقافية، وإعادة بناء ما تهدّم، حجراً ومعنى.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى