كردفان تنزف.. آلاف الأسر تغادر تحت وطأة الخوف 

أفق جديد

وصل آلاف النازحين الفارين من جحيم العنف والقتال في ولاية جنوب كردفان إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، بعد رحلة طويلة استغرقت مئات الأميال، في مسير شاق يجسد حجم المعاناة والألم جراء قسوة الحرب وشدة الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية على مناطق واسعة، قبل فك الحصار عن مدينتي كادقلي والدلنج.

وأبلغ شهود عيان “أفق جديد” أن النازحين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة الهشاشة والتعقيد، في ظل انعدام المأوى والنقص الحاد في الغذاء والدواء ومياه الشرب النظيفة.

وبحسب الشهود، وصل أكثر من 7 آلاف نازح من منطقتي “القوز” و”هبيلة” بسبب اشتداد المعارك هناك، والقصف العشوائي الذي دمّر الأسواق والمستشفيات.

وقال المواطن معاوية عبد الله، الذي وصل مع أسرته إلى مدينة كوستي، إن مخيمات النزوح تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وتعاني نقصًا حادًا في الدواء والغذاء.

وأوضح في حديثه لـ”أفق جديد” أن الأسر داخل المخيمات تعيش أوضاعًا سيئة وتحتاج إلى مساعدات إنسانية عاجلة، مشيرًا إلى أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضررًا من النزوح ومآسيه.

من جهته، قال المواطن صلاح مصطفى إن الأطفال يعانون من سوء التغذية نتيجة الجوع وتفشي الأمراض، مثل الملاريا والكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية

وأشار في حديثه لـ”أفق جديد” إلى أن مخيمات النزوح في ولاية النيل الأبيض بحاجة ماسة إلى الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، خاصة في مجالات الصحة والتغذية ومياه الشرب الآمنة، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من مائة ألف شخص من إقليم كردفان خلال ما يزيد على ثلاثة أشهر، في ظل تصاعد وتيرة العنف بين الجيش وقوات الدعم السريع مع اقتراب الحرب من عامها الثالث.

وقالت المنظمة، في بيان تلقته “أفق جديد”، إن أكثر من 115 ألف شخص نزحوا من كردفان بين أكتوبر الماضي وبداية فبراير الجاري.

واشتدت المعارك في كردفان بعد أن أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور المجاور في نهاية أكتوبر. ويُعد إقليم كردفان غنيًا بالأراضي الزراعية والنفط، كما يمثل طريقًا حيويًا يربط بين دارفور في الغرب والعاصمة الخرطوم ومدن شرق السودان الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني.

وبحسب بيان المنظمة، “تم تسجيل أكبر عدد من النازحين في ولاية شمال كردفان، تليها ولاية النيل الأبيض، ثم ولاية جنوب كردفان”.

وأكد المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، خلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان خُصصت للسودان، أنه “خلال أسبوعين، حتى السادس من فبراير، وبحسب توثيق قام به مكتبي، قُتل نحو 90 مدنيًا وأصيب 142 آخرون في ضربات بطائرات مسيّرة شنتها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية”.

وأفادت منظمة الصحة العالمية بأن ولاية جنوب كردفان تعرضت لهجمات استهدفت ثلاث منشآت صحية خلال الأسبوع الأخير، ما أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصًا.

وأدت موجات النزوح الضخمة، بحسب الأمم المتحدة، إلى زيادة خطر المجاعة في شمال دارفور بسبب التدفق الكثيف للمدنيين، ما أسفر عن استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد.

وحذرت الأمم المتحدة مرارًا من احتمال تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان مع احتدام القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.

معاناة الأطفال

حذرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في السودان، داعية العالم إلى التوقف عن غض الطرف عن المأساة.

وتتفاقم المجاعة في إقليم دارفور غربي السودان، بحسب ما حذر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت فيه الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

وأشار خبراء الأمن الغذائي العالمي إلى تجاوز عتبة المجاعة، التي تدل على تفشي سوء التغذية الحاد، في منطقتين إضافيتين بشمال دارفور هما أم برو وكرنوي.

وقال المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ريكاردو بيريز، إن الوضع يتدهور يومًا بعد يوم بالنسبة للأطفال، محذرًا من أن “الوقت ينفد أمامهم”.

وأوضح، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أن أكثر من نصف الأطفال في أجزاء من شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد. وأضاف أن “الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولًا: الأصغر سنًا والأكثر ضعفًا، وهو أمر ينتشر في السودان”.

وحذر من أن ارتفاع درجات الحرارة، والإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي، وضعف التغطية بالتطعيم، ومياه الشرب غير الآمنة، وانهيار النظام الصحي، تحوّل أمراضًا قابلة للعلاج إلى “أحكام بالإعدام” بحق أطفال يعانون أصلًا من سوء التغذية.

ونبه إلى أن “القدرة على الوصول الإنساني تتضاءل، والتمويل شحيح إلى حد يبعث على اليأس، فيما يشتد القتال. يجب السماح بوصول المساعدات الإنسانية، وعلى العالم أن يتوقف عن غض الطرف عن أطفال السودان”.

من جانبه، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، شبل صهباني، إن البلاد “تواجه تفشي عدة أوبئة، بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية”.

وأضاف أن العاملين في القطاع الصحي والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد. ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على مرافق الرعاية الصحية، ما تسبب في مقتل 192 شخصًا وإصابة المئات.

وأشار إلى أن الهجمات تزداد دموية عامًا بعد عام؛ ففي عام 2025، تسبب 65 هجومًا في سقوط 162 قتيلًا، فيما أسفرت أربع هجمات خلال أول 40 يومًا من العام الجاري عن مقتل 66 شخصًا، مع تصاعد حدة القتال في جنوب كردفان.

وقال صهباني: “علينا أن نتحرك بشكل استباقي، وأن نخزّن الإمدادات مسبقًا، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ، لكن كل هذا التخطيط للطوارئ ليس سوى قطرة في بحر”.

ومنذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا بسبب خلافات بشأن دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، إضافة إلى تفشي المجاعة في عدة مناطق من البلاد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى