أستخدم الملك تشارلز “القوة الناعمة والسرية” للعائلة المالكة في واشنطن

علاء الدين بشير
◼️هبط الملك تشارلز على واشنطن وهو مثقل بالهموم والجراح الشخصية والعائلية قبل هم بلاده وأوروبا
◼️دعمت الكنيسة الإنجليزية بابا الفاتيكان في موقفه المناهض لحرب إيران
◼️استغربت وسائل الاعلام فى أمريكا وبريطانيا من الصداقة المفاجئة التى نشأت بين الأرستقراطي الإنجليزي الخجول وسمسار العقارات النيويوركي الجامح
◼️ملك بريطانيا لا يرغب ولا يستطيع منح ترامب شرعية أخلاقية موازية للبابا
◼️ أغلب زعماء العالم بما في ذلك ترامب يشعرون بالفخر والزهو لاعتبارهم نظراء لملك بريطانيا
◼️تساءلت الصحافة البريطانية عند تنصيب تشارلز ملكاً عن علاقته بالماسونية
◼️عرف عن العائلة المالكة في بريطانيا ارتباطها التاريخي بالمنظمات والجمعيات السرية صاحبة النفوذ القوي في العالم
◼️وصف ترامب تشارلز بأنه “أعظم ملك” وقال أن محبته له قد تحسن علاقته السيئة برئيس الوزراء ستارمر
◼️فى خضم اسوأ انقسام حزبي في تاريخ أمريكا إستطاع الملك توحيد الكونغرس ولو مؤقتاً
——————————
اقترب الاخ والصديق العزيز ،قصي مجدى سليم في مقاله الموسوم : *(ما وراء البروتكول: تشارلز في واشنطن .. طقوس الامبراطورية وتكريس “الشرعية البديلة” فى وجه روما)* من الزيارة الملكية البريطانية إلى أمريكا التي تمت في الاسبوع الماضى ،بزاوية نظر مبتكرة جداً وربما غير مسبوقة في أى مقاربة تحليلية بحثت خلفيات ونتائج الزيارة . ومع ذلك فإني أرى أن مقاربته جمحت في الخيال كثيرا ، والسبب في تقديري لهذا الجموح انها لم تستصحب معها وقائع تاريخية مهمة وأخرى معاصرة جرت ما بين ضفتى الأطلسي .
*عودة الى التاريخ*
اول ما تجب الإشارة إليه أن الكنيسة الانجليزية التى يرأسها الملك تشارلز الثالث ،لا تمثل المظلة الروحية الرسمية “للامبراطورية الأمريكية” كما تجرى عبارة الاخ قصى ، ولا حتى هى مظلة الرئيس ترامب أو نائبه، المحافظ جداً، جي دي فانس . لم تعتنق الدولة الامريكية مذهباً معينا في المسيحية وإن كان للمسيحية حضور طاغب في الحياة السياسية هناك رغم الضبط الدستورى الصارم الذي نأى بالدولة من الانحياز إلى دين او مذهب بعينه . لكن ظلت الانتماءات الدينية والمذهبية الشخصية للرؤساء والمسؤولين الامريكيين تسم الحياة السياسية الامريكية بميسمها . وظلت البروتستانتية وكنيستها اللوثرية هى المذهب الطاغى على الحياة الدينية في امريكا .
الرئيس ترامب كان ينتمي للكنيسة المشيخية (المذهب المشيخي يتبع الطائفة البروتستانتية) قبل أن يعلن في العام 2020 أنه تركها ولم يعرف عنه انتماء بعدها ، بينما ينتمي نائبه فانس للكنيسة الكاثوليكية .
تاريخياً كانت الملكية في انجلترا من أقوى المعارضين لحركة الاصلاح الديني التي قامت كرد فعل على النفوذ الطاغى للكنيسة الكاثوليكية الرومانية على اوربا وما رافقه من استبداد ،والتى قادها الإصلاحي الألماني ،مارتن لوثر في القرن الخامس عشر . وحتى بعد أن قام الملك البريطاني هنري الثامن بفصل الكنيسة الانجليزية عن روما لأسباب ذاتية في القرن السادس عشر ، وتنصيب نفسه حاكماً عليها وهو التقليد الذي ظل متبعاً حتى اليوم ،وقيادته شخصيا تغييرات فكرية اساسية ،لكن ذلك لم يجعله يتقارب مفاهيمياً مع حركة الاصلاح الديني واتباع مارتن لوثر او جان كالفن لا هو ولا سلفه من الملوك حتى بعد أن صارت الملكية في بريطانيا بدون أى سلطات تنفيذية. بينما وجد اتباع حركة الاصلاح الديني في امريكا أرضاً بكر و خصبة لنشر مذهبهم هناك وطبع الحياة الدينية بطابعهم الدعوي الجديد .
*وشائج بين كانتر بيرى والفاتيكان*
منذ سنوات افترع الملك تشارلز الثالث وضمن نشاطه في تجسير الهوة بين الاديان خطاً تصالحياً تجاه روما ، وتوج مساعيه تلك بزيارة إلى الفاتيكان في إكتوبر من العام الماضي في خطوة وصفها المراقبون بالتاريخية حيث انهت أكثر من خمسة قرون من القطيعة بين الكنيستين الكاثوليكية والانجليزية ، وقام خلال تلك الزيارة بأداء صلاة مشتركة مع البابا ليو الرابع في كنيسة سيستينا العريقة داخل الفاتيكان وتحت سقفها المزين برسومات فنان عصر النهضة مايكل انجلو .
وقد جرت تلك الزيارة التأريخية إنابة عن الحكومة البريطانية ، وقالت متحدثة بإسم وزارة الخارجية في ذلك الوقت: “الكنيسة الكاثوليكية هي اكبر طائفة في أكبر ديانة في العالم وأن زيارة الملك و الملكة ستعزز علاقة المملكة المتحدة مع هذا الشريك المهم والمؤثر”. هذا الإقرار ينفي أى تطلع للكنيسة الانجليزية لتكريس شرعية روحية جديدة للعالم المسيحى ويؤكد معرفتها قدر نفسها إذ لا يتجاوز عدد أتباعها الموزعين على 65 دولة في العالم 86 مليونا بحسب تقرير وكالة (رويترز) الذى غطت فيه ترسيم سارة مولالي ،كبيرة اساقفة كانتر بيرى في يناير الماضى، كأول امرأة تتولى هذا المنصب الديني الرفيع .
دعمت الكنيسة الانجليزية بوضوح لا مواربة فيه بابا الفاتيكان في موقفه المناهض دينيا للحرب ضد ايران وفي هجوم ترامب عليه ، وتمثل ذلك في مواقف وتصريحات كبيرة اساقفة كانتر بيري الحالية ، سارة مولالي ، ورئيس الاساقفة السابق روان وليامز . والملك تشارلز نفسه ليس بدعا في ذلك ، فرغم ان مناهضته للحرب لم تأخذ الطابع الديني ولكنه صاغ موقفه منها بلباقة في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي خلال الزيارة حينما أشار إلى أنها -الحرب- تتسب في أذى الشعوب وأيضاً حينما تحدث عن القيود الدستورية الصارمة التي تضبط جموح السلطة التنفيذية في موقف فهم على نطاق واسع بأنه تحفيز للكونغرس لتفعيل سلطاته الرقابية لكبح سلطات الرئيس وتقييد صلاحياته خاصة في إعلان الحرب . ومع أن الملك لم يعقد مؤتمراً صحفياً في ختام الزيارة ،إلاّ أن ترامب زعم كعادته في جر الحقائق لتخدم موقفه ، إن الملك يشاركه الموقف حيال إيران وأن الأمور في بلاده لو كانت بيده لانضمت لندن اليه . لكن قصر بكنجهام ورداً على تلك المزاعم ،طمأن الرأي العام بأن ذلك لا يعدو الموقف الثابت لبريطانيا الرافض لإنتشار السلاح النووي.
*صراع القداسة!*
◼️ اتفق مع قصي أن ترامب يبحث حثيثاً عن شرعية اخلاقية لاهوتية يدثر بها نزعاته المادية الاستبدادية ،وقد تغذى عقله تماماً بتصوير حلفائه من القوميين المسيحيين له بأنه رئيس مختار من الله لتنفيذ إرادته (عرفانيا كل الخلق بما في ذلك الرؤساء ينفذون ارادة الله لكن الاصطفاء يكون لمن يختارهم الله لتنفيذ رضاه وهو جانب الخير من الإرادة)، وقد كشف فيديو صلاة عيد الفصح مطلع الشهر الماضى الذى سحبه البيت الابيض من موقعه على الانترنت سريعا كما جاء فى تقرير موقع (آى بيبر) البريطاني ،ان الرئيس الامريكي مسكون فعلاً بتصور حلول روح سيدنا يسوع عليه السلام وبركته فيه وقد إستمد هذا الإعتقاد من حديث مستشارته الروحية باولا وايت خلال إجتماع الصلاة . ولكن كما أوضح تقرير الموقع فإن انجيل ترامب مختلف إذ لا يتضمن إدارة الخد الآخر أو الصفح والزهد والإيثار والسلام ومحبة الاخرين كما في القيم التي جاء بها سيدنا المسيح عليه السلام ،وإنما هو انجيل ينضح بالشره والقوة ونزعة الانتقام من الخصوم السياسيين. ويستمد تقرير الموقع البريطاني توصيفاته هذه من الإنتقادات القوية لبابا الفاتيكان : “سادة الحرب الذين امتلأت أيديهم بالدماء” وعن عالم “تديره قلة من الطغاة” وادانته من إعتبرهم “يدنسون المقدس ويجرونه إلى الظلام والنجاسة”.
غير أن ترامب الممتلئ بإنجيله الذاتي مع شخصيته المصادمة وغير المبالية أبدى اتجاهاً قوياً لمنازعة بابا الفاتيكان في سلطته الروحية الاخلاقية وتفويض الحق الإلهي .وقد حذرت هيئة تحرير “فاينانشيال تايمز” البريطانية في كلمتها الإفتتاحية منتصف إبريل الماضي (ان إدعاءات ترامب ومنازعته في الحق الالهى ستكلفه ثمنا غاليا” . لكن ترامب لم يبال أو يستشعر خطورة القوة الاخلاقية لخطاب بابا الفاتيكان المصادم لتوجهاته في الحرب على ايران ولسياساته الأخرى خاصة في مجال الهجرة أو تأثير ذلك سياسيا على شعبيته وعلى حزبه وانعكاس ذلك قيمياً على صورة امريكا التي زعم ترامب في برنامجه الانتخابي انه سيعمل على إعادة العظمة اليها مجدداً . قد جاء رده على البابا بمحاولة استيلائه على الرمزية الدينية او “استخدامه لصور التفويض الإلهي وقيادة انقلاب لاهوتى” كما وصف قصي ذلك.
وفي تطور لتلك المواجهة اعاد إلى الأذهان الصراع التاريخي بين جماعة المتنورين والكنيسة الكاثوليكية هدد ترامب بأنه “يمتلك معلومات يمكنها إطاحة الفاتيكان والبابا في ليلة واحدة إلاّ أنه واحتراماً لأكثر من مليار كاثوليكي لن ينشرها” لكنه طالب البابا في الوقت نفسه ب”الكف عن التدخل في الشأن السياسي” . محاولات ترامب وتهديداته تلك جاءت بنتائج عكسية ولم تحقق له ما أراد ولم تلق استحسان حتى في دائرته المقربة بدليل حذف الصور سريعاً من حسابه في تروث سوشيال ، كما وجدت الرفض أيضاً من حلفائه القوميين المسيحيين . بينما أكد البابا ليو أنه لا يخشى إدارة ترامب وسيواصل التحدث بصوت عال ضد الحرب والاستبداد.
لكن أطراف في ادارة ترامب استشعرت خطورة نهج البابا ، وربما احست بالضآلة الاخلاقية إزاء سطوة الفاتيكان الروحية وتأثير خطاب الحبر الأعظم على الرأى العام الداخلى في امريكا وفي العالم المسيحي كله ، فقد ذكرت مجلة “نيوزويك” الأمريكية في الأسبوع الأول من شهر إبريل الماضي أن مسؤولين في البنتاغون اجتمعوا بممثلين للفاتيكان في واشنطن وأبلغوهم بنبرة تهديدية ضرورة دعم الكرسي الرسولي للتكتيكات العسكرية التى تقوم بها واشنطن فى الشرق الأوسط. وكان وزير الحرب الأمريكي والقومي المسيحي المتشدد، بيت هيغسيث ،قد أعلن في أول مؤتمر صحفي بعد شن الهجمات على ايران ، أنهم قصدوا ألا تكون حربهم ضد طهران عادلة ،لأن منطق الحرب العادلة كما تشرحه التعاليم المسيحية لا تنطبق على حكام إيران الارهابيين .

*سعى امريكي لتدارك الموقف*
ورغم كونه أول بابا امريكي الجنسية لكن مواجهته لترامب وإدارته وسعيه لتجريدها من اى غطاء أخلاقي فى استخدامها القوة المادية لم تتوقف ،الامر الذى نبّه أطرافا داخل الإدارة الامريكية والحزب الجمهورى للخطورة السياسية فى رسائل الخطاب البابوى .لذا أُعلن مطلع هذا الأسبوع أن إن وزير الخارجية، ماكو روبيو سيسافر الخميس القادم إلى روما والفاتيكان سعياً لاحتواء الموقف المتفجر بين الطرفين ، ولربما جاءت هذه النوايا لتدارك الموقف كثمرة للزيارة الملكية إلى واشنطن خاصة وأن مد الجسور بين المذاهب والاديان هي من الاهتمامات التي ينشط فيها الملك البريطاني.
ومع التأكيد على أن نزاع ترامب والبابا هو على شرعية تمثيل ومن ثم الحديث بإسم الحق الإلهي ،لكنى اختلف مع استنتاج قصي أن الملك البريطاني وحاكم الكنيسة الانجليزية بمقدوره منح هذه الشرعية الروحية الاخلاقية لترامب واداراته ،فتشارلز لا يملك الكاريزما الدينية الروحية كما يملكها منصب الكرسي الرسولي، فهو عند الرأى العام المسيحي في كل العالم تقلد منصبه في رئاسة الكنيسة بالوراثة الملكية ولم يصله بتكريس حياته في خدمة الرب كما هو الحال بالنسبة لبابا الفاتيكان، وقد ازدادت هذه الكاريزما توهجا مع مواقف البابا ليو الرابع الواضحة وحضوره القوي في القضايا الاخلاقية الكبرى ونصرة المستضعفين ،فضلا عن قوة الثقل الجماهيري للكنيسة الكاثوليكية التى يتبع لها ما يقرب من مليار ونصف المليار مسيحى في العالم . يضاف إلى ذلك أن الملك غير راغب في لعب هذا الدور لصالح واشنطن التي يرى أن سياساتها مفارقة للقيم البريطانية والأوروبية ولقيم الحضارة الغربية في المجمل، وقد أرسل إشارات في خطابه بالكونغرس كما اشرت تؤكد التزامه بموقف بلاده وقارته أوربا من الحرب وكذلك على خلافه مع بعض سياسات ادارة ترامب في الهجرة وفي عدم التعامل مع ملفات ابستين وفقاً للشفافية المطلوبة وانصاف ضحاياها ،وفي ضرورة القيود المؤسسية على السلطة التنفيذية وفي رفضه لنزعات ترامب الامبريالية ورغبته الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التي تتبع للدنمارك ورفضه الأشد للتوجهات الانكفائية لواشنطن وتخليها عن الحلفاء في أوربا وحلف شمال الاطلسي وعن اوكرانيا التى تواجه غزوا روسيا لأراضيها .
*دوافع الزيارة الملكية*
خفّض قصي دافع تحسين العلاقة بين واشنطن ولندن وراء زيارة الملك البريطاني ، ولكن الحقائق الشاخصة تكشف أن ذلك كان هو السبب الأساسي والرئيس للزيارة الملكية ، ومع أن عنوان الزيارة المحدد هو إحياء ذكرى مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة عن الاستعمار البريطاني ، إلا أن أى مراقب لمسار العلاقات بين البلدين الحليفين التأريخيين سيعرف أنها لم تصل لهذا الدرك من السوء خلال العقود الثمانية الماضية وهى الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ، فقد كان الحلف بين البلدين وثيقاً جداً ، وكانت بريطانيا تحظى بلقب أهم حليف لأمريكا في العالم . لكن هذا التحالف بدأ يتآكل مع وصول ترامب إلى سدة الرئاسة فى أمريكا ، للدرجة التي قال فيها السفير البريطاني بواشنطن فى فبراير الماضي لمجموعة من الطلاب البريطانيين في الولايات المتحدة ، إن أهم حليف لامريكا الآن هو إسرائيل على الارجح .
كما عبر ترامب عن غضبه الصريح من موقف بريطانيا الرافض لخوض الحرب ضد إيران إلى جانب واشنطن وتل ابيب ، وسخريته من رئيس الوزراء البريطاني ، كير ستارمر “بأنه ليس وينستون تشرشل” . ورفض بغضب عرض لندن الذي قدمته بآخرة للسماح للطائرات العسكرية الأمريكية بالتزود بالوقود من القواعد البريطانية .بينما سخر وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث من البحرية الملكية البريطانية.
قال أحد كبار مساعدي الملك تشارلز لمراسل الشؤون الملكية في بي بي سي ،شون كافلان: “إن الملك موجود هناك لدعم الحكومة ومساعدتها . وبالطبع جاءت هذه الزيارة بناءا على طلب الحكومة”.
*هموم ملكية خاصة وأخرى عامة*
من جانبه عَبَر الملك تشارلز إلى الضفة الاخرى من الاطلسي وهو منهك ومثقل بالهموم الشخصية قبل همّ بلاده وقارته الاوربية ، فالرجل الذي انتظر طويلاً حتى وصل إلى خريف العمر ليتربع على عرش الامبراطورية الآفلة قبل ثلاثة سنوات ، يصارع داء السرطان الذى ينهش جسده ، ويبذل جهدا خرافياً للحفاظ على سمعة العائلة المالكة التى ضربتها فضائح “إبستين” في صميمها واضطرته إلى تجريد شقيقه الامير اندرو من جميع ألقابه الملكية وطرده من قصور العائلة ثم ابداء الاستعداد التام للتعاون مع الجهات العدلية فى اى تحقيقات جنائية تلاحقه إثر التداعيات المتعلقة بتلك الفضائح.
جرى كل ذلك للملك تشارلز وهو يجتهد في تضميد جرح إبنه الأمير هاري الذي نأى بنفسه عن الثقل النفسي للعائلة وقرر التنازل بطوعه عن كل ألقابه الملكية والركون إلى حياة هادئة في الغرب الامريكي الاقصى مع زوجته ميغان التي لم تطب الحياة لها داخل القصر الملكي البريطاني واشتكت من الاضطهاد العنصري الذى تعرضت له هناك .
وجراء كل ذلك تظهر استطلاعات الرأي في بريطانيا ان تأييد الملكية بلغ ادني مستوياته خصوصاً بين الشباب وفقاً لما جاء في صحيفة الغارديان.
تزاحم تلك الهموم الشخصية هموم عامة أكثر ثقلاً عند الملك البريطاني، فأمريكا ترامب ادارت ظهرها للقارة العجوز وانقطع حبل ودها القديم الموصول وتركتها وحدها في مواجهة الدب الروسي المفترس والمتطلع لاستعادة نفوذه القديم و الذي يتربص بها الدوائر بعد أن ألقت أوربا بثقلها كله خلف كييف وهي تخوض حرباً طاحنة ضد غزو موسكو لاراضيها ظلت مستمرة منذ أربعة سنوات ولا يلوح في الافق القريب أى أمل يطفئ اوارها المستعر .
وبخلاف جميع دول اوربا تشعر بريطانيا بالخطر الروسي يحدق بها بصورة أكبر لدورها القائد في مساندة اوكرانيا وبلوغ العلاقة بين لندن وموسكو منذ فترة مستوى الصراع المكتوم . وتتفاقم المحنة حينما تجد بريطانيا نفسها تواجه هذا التهديد الوجودي وحدها دون مظلة الحماية التقليدية من الاتحاد الأوروبي الذي خرجت منه ،او من امريكا التى قررت أن تحالفاتها القديمة غير ذات جدوى لها ، وأيضاً دون مظلة حماية حلف الناتو الذي تهدد واشنطن منذ فترة بالانسحاب منه ، ويرى المراقبون أن ذلك لو تم سيعني عمليا انهيار الحلف وتفكيكه .
*الحذر العالمي داخل عرين ترامب!*
الاقتراب من عالم ترامب وعرينه دائما محفوف بالمخاطر حتى بالنسبة للزعماء في العالم ،لذلك عندما هبط الملك تشارلز في واشنطن كان الرأى العام فى بلاده مهجّسا من إحتمال فشل الزيارة بالنظر لما يجرى في قنوات العلاقة بين البلدين وإمكانية تعريض سمعة ملكهم لاحراج بليغ على خلفية شخصية ترامب المتقلبة المزاج وسجله المروّع من حفلات الشواء المعنوي والنفسي التي ظل يقيمها لبعض زائريه من الرؤساء الاجانب داخل البيت الابيض . يشهد على ذلك رئيسا اوكرانيا ،فلاديمير زيلنيسكى وجنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا . ودائما ما يتجاوز ترامب التوقعات في تدنى مستوى خطابه ، فقد رصدت الصحافة الامريكية إحراجه رئيسة وزراء اليابان الزائرة لواشنطن بإطلاقه النكات السخيفة دون أى تحفظ عن الاعتداء الياباني على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية . او ما تناقلته وسائل الاعلام العالمية عن وصفه لعلاقة الرئيس الفرنسي بزوجته .وعندما تكون الزيارة للبيت الابيض ملكية فإن ذلك يحتاج إلى طبقات اضافية من البروتكول ، وعندما يكون الزائر ملك بريطانيا فإن الامور تحتاج لمستويات اكثر دقة لأنه وبحسب الصحافة البريطانية،فإن الموت أهون من الإحراج بالنسبة لملك عرف بأنه خجول مثل تشارلز.
وازداد الامر سوءا وتعقيداً ان الزيارة تزامنت مع نجاة ترامب لتوّه من محاولة اغتيال هو وبعض أركان إدارته اثناء حضورهم حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الابيض .
لكن فى حالة “الاحتياج الاقصى” كما تجري العبارة عند قصي، من هو أجدر من الملك تشارلز للقيام بالمهمة الاصعب إنابة عن بلاده وعن اوربا وعن مركزية الحضارة الغربية وقيمها التي مرّغها ترامب وإدارته في أوحال الذل والحاجة .
*الملك الكامن تحت جلد ترامب!*
لكن ثمة عامل مهم جداً كان حاسماً في انجاح مهمة الملك البريطاني في واشنطن . فبحسب ما نقلته مجلة بوليتيكو عن السير بيتر ويستماكوت ،سفير بريطانيا السابق بالولايات المتحدة ، إن الرؤساء في كل العالم بما في ذلك ترامب يشعرون بالزهو والفخر لمعاملتهم كأنداد لشخصيات رفيعة كالملكة اليزابيث سابقا او الملك تشارلز حاليا ، يسعدهم جدا أن ينظر اليهم كنظراء مقابلين . وقد رصدت الصحافة العالمية تحلى ترامب في لقاءاته الملكية السابقة بافضل حالات السلوك والانضباط . ومع ذلك لم يخلو سجله من المخالفات للبرتوكول الملكي حينما مر امام الملكة الراحلة اليزابيث ، ثم عندما وضع يده على كتفها بطريقة ودية . وكانت السيدة الاولى السابقة ميشيل أوباما قد فعلت الشئ نفسه . وقد تناولت الصحافة البريطانية تلك المخالفات البروتكولية باعتبارها فضائح وذنوب لا تغتفر في حق الذات الملكية .
وقد عرف عن ترامب ولعه الشديد بطقوس البروتكول والاستقبالات الملكية الفخمة كما جرى له في زيارته العام الماضى لبعض دول الخليج العربي لدرجة أن كثير من معارضيه يرون نزعاته الاستبدادية وتفضيله الحكام الملوك انعكاس لرغبات دفينة عنده تميل إلى تحويل الرئاسة الامريكية إلى بلاط ملكي وسلطة مطلقة .
وكان ترامب قد عبر من خلال منصته تروث سوشيال عن سعادته البالغة من فخامة الاستقبال الذي حظى به فى زيارتين إلى قصر بكنجهام خلال ولايته هذه. وتحدثت الصحافة في امريكا وبريطانيا بشئ من الاستغراب عن الصداقة المفاجئة التي ربطت بين ترامب والملك تشارلز نظراً للتناقض البيّن بين الأرستقراطي الإنجليزي الخجول ، وسمسار العقارات النيويوركي الجامح .
كتب ترامب على منصته تروث سوشيال في مارس الماضى بعد الإعلان عن زيارة تشارلز إلى واشنطن: “أتطلع إلى قضاء بعض الوقت مع الملك الذي اكن له احتراماً كبيراً . سيكون ذلك رائعا”.

*قوّة ناعمة!*
والعائلة المالكة في بريطانيا رغم انها دستورياً لا تحكم ولكنها محاطة بهالة كبيرة من الوقار والتبجيل ، فهي واحدة من أعرق العائلات المالكة في العالم وأكثرها ثراءا . وقبل ثلاثة سنوات رأى العالم أجمع الطقوس الملكية بالغة الفخامة والتعقيد والتي امتدت لأيام عديدة في تشييع الملكة الراحلة اليزابيث وتنصيب ابنها تشارلز ملكا . الأمر الذي يضفى على منصب الملك هالة زائدة من القداسة والسلطة المعنوية .
كما عرف التاج البريطاني بعلاقاته الوثيقة التي تعود إلى قرون خلت مع المنظمات والجمعيات السرية ذات التأثير والنفوذ القوي في كل العالم والتى تحرك الأحداث الكبرى من وراء الكواليس ،مثل الماسونية الملوكية وهي أعلى طبقات الماسونية وأكثرها تكتما وسرية ونادي بيلدلبيرج وغيرها من الجمعيات .. وقد رصدت الصحافة البريطانية بعض الطقوس الماسونية خلال تنصيب الملك تشارلز وظلت تتساءل لأيام عن انتمائه لها وموقعه في هرميتها .
مستعيناً بكل ذلك الإرث من العراقة والفخامة والجاذبية والغموض نزل الملك تشارلز على واشنطن ،فليس هناك ما هو أنسب وأنجع للمهمة المقدسة والتأريخية لانقاذ الحضارة الغربية من “القوة الناعمة” للعائلة المالكة البريطانية . وقد جعلت كل تلك الأدوات الطريق سالكاً امامه ليصول في عرصات البيت الأبيض ويجول تحت قبة الكابيتول ناشرا سحره الخاص وقوته الخاصة اللتان اخفاهما تحت قفاز مخملي من التهذيب الملكى الانجليزى الشهير . نقل شون كافلان، محرر الشؤون الملكية في بي بي سي الذى غطى الزيارة من واشنطن عن السير انتوني سيلدون ، المؤرخ وكاتب سير رؤساء الوزراء في بريطانيا: “مع رئيس عرف بصعوبة التنبؤ بتصرفاته ، تمكن الملك من توجيه ضربات قوية خفية متتالية إلى رئيس مبتسم، مدافعا عن اوكرانيا وحلف شمال الاطلسي وتغير المناخ والبحرية الملكية وحدود السلطة الرئاسية”.
وكتبت مورين داود في “نيويورك تايمز” يوم السبت: “لقّن الملك ، ترامب درساً ببراعة ، وقد استوعب دونالد ذلك لأنه كان دائما يشعر بالرهبة من العائلة المالكة البريطانية” .
وقال المساعد الملكي لمراسل الشؤون الملكية في بي بي سي شون كافلان: “الدفء الذي رأيتموه في العلن هو نفسه الدفء الذى كان في السر . خلال الإجتماع فى المكتب البيضاوى كان هناك الكثير من الدفء والضحك”.
*لخاطر الملك تُكرم وسطوته تُكرم الامبراطورية الآفلة*
ورغم غضبه الشديد من رئيس الوزراء البريطاني ،كير ستارمر
تحدث ترامب للصحفيين تحت تأثير السحر الملكي الآخاذ، فقد نقلت (رويترز) تعبيره وهو يتحدث للصحفيين عن مدى إعجابه “بصديقه العزيز” الملك تشارلز في اليوم التالي لعشاءهما، وقال “عندما تُحب ملك بلد ما إلى هذا الحد، فمن المرجّح أن يُحسّن ذلك علاقتك برئيس الوزراء”.
وأثناء التقاط الصور على البساط الأحمر أمام الجناح الجنوبي للبيت الأبيض يوم الخميس، أشار ترامب، إلى تشارلز قائلا “إنه أعظم ملك، في رأيي”.
وقال ترامب، الذي خاض الانتخابات على أساس برنامج مناهض للهجرة، للموكب المغادر “أناس رائعون. نحن بحاجة إلى المزيد من أمثالهم في بلدنا”.
ونتيجة للزيارة الملكية ألغى الرئيس الامريكي بعض الرسوم الجمركية التي فرضها على بعض السلع البريطانية الواردة الى بلاده .قال ترامب طبقاً لبي بي سي: “العائلة المالكة الزائرة جعلتني أفعل شيئاً لم يستطع أحد غيري فعله دون أن يطلب ذلك حتى”.
وتحت قبة الكونغرس لم يكن الملك أقل إبهاراً ،فقد حصد خطابه الموضوع بعناية إعجاباً فائقاً ، ورغم قصر الخطاب الذي كان مقرراً له أن يستغرق 20 دقيقة إلاّ أن مقاطعات التصفيق الحاد من المشرعين الامريكيين جعلته يمتد في الزمن . غرّدت بعده الجمهورية والمندوبة السابقة لامريكا في الامم المتحدة ،نيكي هايلي: “من المذهل أن نرى الملك تشارلز يوحّد الكونغرس المنقسم بحدة بالطريقة التى تتوق اليها امريكا”.
وقال السيناتور ليندسي غراهام وهو أحد الصقور البارزين من الجمهوريين في مجلس الشيوخ: “ببساطة لقد اصاب الملك كبد الحقيقة”.
تشارلز زار أمريكا مجللاً بهالة التاج البريطاني وصولجان المملكة وليس بقبعة حاكم الكنيسة الانجليزية وحده .. رئاسة الكنيسة أحد أدوات التاج البريطاني وليست هي الأصل .. لكل ذلك من المرجح عندي أن يكون توظيف الملك تشارلز سطوة القوة الناعمة التاريخية والسرية للعائلة المالكة والتي في تقديري كانت هي الطقس والرمز ، هو ما طوّع تصلب “الامبراطورية الامريكية” بقوتها العسكرية الجبارة ورئيسها الجامح . لكن مع ذلك قد يكون كل ذلك مجرد حالة عابرة تسبق تغييرات أعمق وأكبر كما أشارت كاتبة “الغارديان” نسرين مالك في مقالها التحليلي للزيارة الملكية إلى واشنطن.
علاء الدين بشير – الشارقة





