حكاية من بيئتي (33) اللشيول 

بقلم : محمد احمد الفيلابي

ــ الليلة (اللشيول) جابوه في التلفزيون.

العبارة التي طارت حروفها فوق كافة بيوت القرية. ومن لم يشاهد تلك الحلقة وجد من يحكي له بالتفاصيل، كيف أنه ظهر وسط الشاشة مبتسماً في خجل، وكم قيل عنه. ومما رسخ في الأذهان أن أحد المتحدثين قد شبهه بـ(ميسي)، ليس في مهارة التعامل مع كرة القدم، بل استعمال اليد اليسرى في انجاز ذلك العمل الفني البديع. 

القليلون أدركوا أن تلك الحلقة خاصة بالمبدعين (العُسُر)، وكان (الوليد ود عبد الرحمن) اسمه الذي نبشته الحلقة التلفزيونية من الذاكرات، هو أحد المحتفى بهم الليلة. وبدأ البعض يذكر أن زياراته الكثيرة للقرية لم تكن تلفت نظر أحدهم، لكن من المؤكد أنها ستفعل في قادم الأيام. ولا يستبعد أن (يولم) عمه احتفالاً به، واعتذاراً عن رفضه تزويجه من بنته. ولولا أنه بات صهراً لأحد المشاهير في المدينة الكبيرة لقام بتزويجه من اختها الصغرى.

وجد أنه (اللشيول) وعليه أن يقبل بذلك، رضي أم أبى.

ولا ذنب له في الأمر سوى أنه جاء إلى الدنيا (أعسراً) وصغير الحجم. لا يذكر في طفولته أنه وقف في وجه أحدهم رافضاً للقب، أو أنه لم يستجب للنداء يوماً. ففي مجتمعهم تجري الألقاب مجرى الأسماء، لكأنهم لم يسمعوا بـ(ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) – الحجرات (11)، أي لا يطعن بعضكم على بعض، ولا تداعوا بالألقاب، التي يسوء الشخص سماعها. أو أن هؤلاء يفهمونها في سياق التاريخ الذي نزلت فيه الآيات، كما يفسّر أحدهم. ويقول آخر يقول في ثقة أن اسم (القافيب) ما فيهو نبذ، أي أنه ليس لقباً، لكنه ليس كنية، ولا يوجد معني لـ(القافيب) سوى أنه اللقب. فـ(اللشيول) تصغير لـ(الأشول) أو (الأعسر)، الصفة التي يرى فيها البعض (منقصة)، أو على أقل تقدير (إختلاف) الفرد في وظيفة عضو ما من جسده – وإن قبل بها، ولعل هذا القبول هو أحد أسباب انتشار مثل هذه الألقاب في مجتمعاتنا، بل صارت أسماء للكثير من العائلات والمشاهير على امتداد الوطن العربي (الجاحظ، والأحدب، والأعمش، والأعشى، وفريد الأطرش، وواسيني الأعرج)، ونجد هنا (ود الأشول، والأصم، والأعيسر، والحلبي، والأزرق.. إلخ).

يلحق اللقب بالاسم، أو يحل مكانه معرفاً أو مشرفاً أو مستحقراً. وفي اللغة اللقب هو ما دل على مدح أو ذم، وهو ما وضع علامة للتعريف لا على سبيل الاسمية العلمية، بل على سبيل الوصف الذي يدل على رفعة كزين العابدين، أو ازدراء كالأعور. والكنية هي ما صدر بأب أو أم، ويجري على اللقب والكنية ما قلناه في الاسم سابقًا من عدم مشاركة الملقب أو المكنى غيره في ذلك.

وتظهر الشواهد والوقائع التاريخية كيف كان الشخص الأعسر شبه منبوذ في بعض المجتمعات، ملاحقاً بتهم الشيطنة والسحر، وفي مقابل الاعتقادات التي تنعت الأعسر بصفات مذمومة وتتهمه بشتى النعوت السلبية، سادت اعتقادات أخرى في الآونة الأخيرة تفيد بأنه يتصف بالموهبة والعبقرية، ويستدل أصحاب هذا الطرح بشخصيات ومشاهير ونوابغ في مجالات معينة يكتبون ويرسمون ويعزفون على مختلف الآلات الموسيقية باليد اليسرى. ويقول البعض أن حقائق العلم والطب باتت تنصف الشخص الأشول، في وقت لا تزال أبحاث علمية تحاول الحسم في مدى تمتع هذا الصنف من الناس بمواهب استثنائية في العلوم والفنون والرياضيات.

هل كان أهل القرية التي جاء منها (الأشيول) سيغيرون نظرتهم إن علموا أن العالم بأجمعه يصبح (أعسراً) في اليوم العالمي للعسر (13 أغسطس) من كل عام؟ احتفاء بأمثال أبيه الذين يشكلون 12% من سكان المعمورة. ولعل في الأمر اعتذار لهذه الفئة لما لحق بهم في التاريخ من اتهامات ونبذ، في سبيل وقف سيول العنصرية التي أغرقت العالم في بحور من الدم في كثير من الأحيان.

(العُسْر) مسألة بيولوجية طبيعية بسيطة، إلا أن المجتمعات المغلقة كالقرى وبحكم طبيعة الحياة فيها كثيراً ما تُحوِّله إلى درجة من درجات الوصم الاجتماعي. ففي هذه البيئات، حيث تُعاد إنتاج السلطة الاجتماعية عبر العادات، يصبح العُسْر جزءاً من منظومة أوسع من العنصرية الصامتة. عنصرية لا تُعلن نفسها، لكنها تظهر في النكات، والتعليقات العابرة، وتوزيع الأدوار. وهكذا يتحول الشخص الأعسر إلى آخر صغير، لأن المجتمع يحتاج دائماً إلى (آخر) يعلّق عليه فائض خوفه من الاختلاف المفضي إلى التغيير. وقد رأى الكثيرون في رفض عمّ الوليد تزويجه من بنته قراراً ليس عائلياً بحتاً، بل امتداد لبنية ترى أن الاختلاف ولو كان في يدٍ تُمسك القلم قد يخلخل توازن العائلة، أو يورّث (صفة غير مرغوبة).  إنها نفس الآلية التي تُقصي أصحاب البشرة المختلفة (سوداء أو بيضاء)، أو أبناء المهن المتواضعة، أو الغرباء القادمين من قرى أخرى. إنه الخيال الاجتماعي الذي يضخّم الفروق الصغيرة ليحافظ على الحدود القديمة. ولذلك، حين ظهر الوليد في التلفزيون والناس تحتفي بموهبته، فقد شكل الأمر إعادة تفاوض مع تلك الحدود. والقرية التي كانت ترى في عُسْره نقصاً، باتت تراه ميزة بعد أن صادقت عليه المدينة. وكأن الاعتراف لا يكتمل إلا حين يأتي من مكان أعلى، أو أبعد، يرون أنه (أوسع نظراً).

يذكر التاريخ أن الأعسر في مجتمعات وثقافات سابقة قديمة واجه من المظالم الكثير، فقد كانت محاكم التفتيش في اسبانيا – مثلاً، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر كانت تدين من يستخدمون اليد اليسرى بوصفهم سحرة ومشعوذين. وذات الاعتقاد ساد في أرجاء أخرى من أوروبا خلال قرون غابرة. إذ كان المتهم يحاكم بتهم خطرة تفضي إلى الإعدام أحياناً، ليس لوجود أدلة تثبت ممارسته السحر والأعمال الشيطانية، بل فقط لأنه رجل أعسر، أو امرأة عسراء اليد. وزكت هذه الأحكام اعتقادات ثقافية ودينية ترى أن الطفل الأعسر هو شخص محاط بفكر شيطاني، فكان المعلمون في المدارس الكاثوليكية يعنفون التلاميذ العسر بإرغامهم على الكتابة باليمنى. كما كانت بعض القبائل الأفريقية تحارب الأعسر بطرق غريبة، منها إرغامه على وضع يده اليسرى في الماء المغلي حتى يعجز عن استعمالها، أو تطليق المرأة العسراء التي لا تطهو باليمنى.

وفيما بعد تطورت العقليات، ليأتي الأمريكي (دين آر كامبل) ليؤسس المنظمة العالمية للعسر من أجل لفت الانتباه إلى هذه الفئة من البشر، وتم الاحتفال للمرة الأولى باليوم العالمي للعسر عام 1976 بهدف رد الاعتبار لهم ودحض كل المعتقدات الخاطئة في شأنهم. وساهم الأمر في نشر الكثير من نتائج الدراسات والتجارب والحكايات عن (العسراوين)، مثل الدراسة التي أجرتها جامعة أوكسفورد البريطانية، والتي تفيد أن دماغ الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى يعمل بشكل مختلف عن الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى، وأن لديهم اتصال أفضل بين الجانبين الأيمن والأيسر من الدماغ خاصة في المناطق التي تنطوي على استخدام اللغة. كما أنهم يجدون أنفسهم إلى حد ما أكثر قدرة على تنظيم دماغهم بشكل أفضل من مستخدمي اليد اليمنى، ويمتلكون مهارات لا يمتلكها الآخرون. كما لم يعد مستخدمو اليد اليسرى يعانون من إهمال المصنعين الذين يهتمون بأصحاب اليد اليمنى عند تصنيع الأدوات، مثل المقصات والمحبرة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وفتاحات العلب وسحابات البنطال وغيرها، لتظهر من هذه الأشياء ما يخص فئة العُسر.

ومنذ ذلك اليوم أدرج اسم (اللشويل) في أنس اهل القرية ضمن المشاهير من مستخدمي اليد اليسرى أمثال نابليون بونابرت، والزعيم البريطاني ونستون تشرشل، والأمير ويليام، ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، ورؤساء أميركا جيرالد فورد، ورونالد ريغان وجورج بوش (الأب)، وبيل كلينتون، وباراك أوباما، والرسام الإيطالي ليوناردو دافينشي، ومشاهير الموسيقيين أمثال موزارت، وديفيد بوي، ونجوم هوليود كروبرت دينيرو، والمخرج جيمس كاميرون، وتوم كروز، وسلفستر ستالون، وبروس ويليس، ودرو باريمور، وجوليا روبرتس، ونيكول كيدمان، وانجيلينا جولي، وليدي غاغا وجاستن بيبر، والإعلامية أوبرا وينفري. وعدد من نجوم الرياضة مثل ليونيل ميسي، ولاعب التنس رافاييل نادل وغيرهم.

ويا لحظك يا (اللشيول)..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى