أجيال السودان وإهمال التعليم (12)

بقلم : عثمان يوسف خليل

ثقافة الامتحانات… حين تتحول المعرفة إلى خوف وفي هذه الحلقة، نقترب من واحد من أكثر الملفات حساسية في التعليم السوداني: ثقافة الامتحانات. فالامتحان، الذي وُجد في الأصل لقياس الفهم، تحوّل مع الوقت إلى هاجس يومي يثقل كاهل الطلاب، ويُرهق الأسر، ويختزل سنوات من التعلم في ورقة واحدة وساعات معدودة.

في السودان، لا يُنظر إلى الامتحان كمرحلة عادية من مراحل التعلم، بل تبدو كالمعركة المصيرية. توتر في البيوت، قلق في المدارس، وضغط نفسي يجعل الطالب يخشى الامتحان أكثر مما يستفيد منه.

وهنا يبرز سؤال مشروع:

هل كل هذه الصرامة ضرورية؟

أم أننا بالغنا في تقديس الامتحان حتى فقد معناه الحقيقي؟

هل يمكن إلغاء امتحان المرحلة الابتدائية؟

واحد من الأسئلة التي تستحق التفكير:

لماذا لا يتم إلغاء امتحان نهاية المرحلة الابتدائية، والاكتفاء بالتقويم المستمر للانتقال إلى المرحلة التالية؟

في هذه المرحلة العمرية، الهدف ليس الفرز أو التصنيف، بل بناء الأساس: القراءة، الفهم، الثقة بالنفس. والامتحان الحاسم في هذا العمر قد يهدم أكثر مما يبني.

إلغاؤه لا يعني إلغاء التقييم، بل استبداله بأساليب أكثر إنسانية:

  • متابعة مستمرة لمستوى الطالب
  • تقييم تراكمي بدل لحظة واحدة
  • دعم بدل إقصاء

ماذا يحدث إذا خففنا حدة الامتحانات؟

لن ينهار التعليم، كما يُخشى أحيانًا.

بل قد يحدث العكس:

  • يقل الخوف، ويزيد الإقبال على التعلم
  • يتحول التركيز من “النجاح في الامتحان” إلى “فهم المادة”
  • يشعر الطالب بأن له فرصة، حتى لو لم يكن من الأوائل

ليس كل الطلاب متفوقين بالمعنى التقليدي، لكن هذا لا يعني أنهم فاشلون.  وهنا تظهر أهمية فكرة “النجاح بالحد الأدنى” أو (المرور):

أن يشعر الطالب أنه أنجز، حتى لو لم يحقق أعلى الدرجات. فالإحباط المبكر قد يكون سببًا مباشرًا في التسرب من التعليم.

الامتحانات ليست أداة عقاب

حين تُصمم الامتحانات بطريقة معقدة أو تعجيزية، فإنها تتحول من وسيلة قياس إلى وسيلة إقصاء.

المطلوب ليس تسهيلًا مفرطًا يفقدها قيمتها، بل توازن عادل:

  • امتحان يقيس الفهم، لا الحفظ فقط
  • أسئلة تعكس ما دُرّس فعليًا
  • مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب

مركزية أم لا مركزية؟

من القضايا المهمة أيضًا: مركزية الامتحانات.

النظام المركزي يضمن توحيد المعايير، لكنه قد يكون قاسيًا وغير مرن، خاصة في بلد تتفاوت فيه الظروف بين منطقة وأخرى.

ربما نحتاج إلى صيغة وسط:

  • معايير عامة موحدة
  • وتنفيذ مرن يراعي الواقع المحلي

فطالب في منطقة مستقرة ليس كطالب في منطقة نزاع أو نزوح.

في النهاية… هل الامتحان هو المشكلة؟

ربما لا تكون المشكلة في الامتحان نفسه، بل في الثقافة التي بنيناها حوله.

حين يصبح الامتحان غاية، يضيع التعلم.

وحين يصبح خوفًا، يقتل الفضول. وحين يتحول هذا الامتحان إلى “حرب”، يخسر فيها كثيرون، فإننا نكون قد ابتعدنا كثيرًا عن معنى التعليم.

التعليم ليس سباقًا فقط، بل رحلة. والامتحان محطة فيها… لا نهايتها.

وفي الحلقة القادمة، يمكن أن نقترب من زاوية أخرى مكملة:

ما أثر الفقر والظروف الاقتصادية على استمرار الطلاب في التعليم؟

لأن الطالب لا يدخل قاعة الامتحان بعقله فقط… بل بظروفه كلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى