(وكر الإسلاميين يتصدع) إقالات واستقالات.. الخلافات تعصف بمنظمة الدعوة الإسلامية

أفق جديد 

تشهد منظمة الدعوة الإسلامية واحدة من أخطر أزماتها منذ تأسيسها، في ظل تصاعد متسارع للخلافات داخل هياكلها القيادية، بلغ حد الإقالات والاستقالات المتبادلة، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبلها ووحدتها التنظيمية.

في هذا السياق، عقد مجلس الأمناء اجتماعًا طارئًا انتهى بإعفاء رئيسه، الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود، وانتخاب السفير علي بن حسن الحمادي رئيسًا جديدًا، مستندًا إلى ما وصفه بصلاحياته الدستورية لمعالجة أوضاع خرجت عن الإطار المؤسسي وألحقت ضررًا بسمعة المنظمة. القرار جاء بعد فشل لجنة الوساطة الرباعية، التي لم تفلح في احتواء الخلافات أو إعادة الأطراف إلى مسار التوافق، في ظل تمسك رئيس المجلس السابق بمواقفه ورفضه لمقترحات المعالجة.

الاجتماع استند كذلك إلى مذكرة رفعتها الأمانة العامة، تحدثت عن تجاوزات للنظام الأساسي لعام 2016، وعن حالة من التعطيل أصابت العلاقة بين مجلس الأمناء والجهاز التنفيذي، ما انعكس مباشرة على أداء المنظمة وعلى قدرتها على الاستمرار ككيان منسجم.

لكن هذه الخطوة لم تُنهِ الأزمة، بل تزامنت مع تطور أكثر دلالة، تمثل في استقالة رئيس مجلس الإدارة، عثمان بوجاجي، في لحظة بدت كأنها إعلان رسمي عن فشل كل محاولات التوفيق بين الأطراف المتنازعة.

استقالة كاشفة

جاءت استقالة بوجاجي بلغة مشحونة بالأسى، عكست حجم الانسداد داخل المؤسسة. تحدث عن محاولات متكررة لجمع القيادات المتصارعة، وعن جهود لم تنقطع لتقريب وجهات النظر، لكنها اصطدمت بجدار من التصلب وغياب الاستعداد للتنازل.

أوضح أنه وجد نفسه أمام خيارين، إما الانحياز لطرف ضد آخر، أو الانسحاب الكامل، فاختار المغادرة باعتبارها الموقف الأكثر اتساقًا مع قناعاته. وأشار إلى أن استمرار هذا المسار سيقود إلى تفكك المنظمة، في تحذير يعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة ما يجري.

اللافت أن هذه الاستقالة لم تكن مجرد موقف شخصي، بل بدت كتشخيص دقيق لأزمة بنيوية، تجاوزت الخلافات الإدارية إلى صراع مفتوح على الشرعية والتمثيل.

إجراء مثير

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في هذه الأزمة هو ما تردد عن أن الدعوة لاجتماع مجلس الأمناء تمت باسم بوجاجي نفسه، دون علمه. هذا المعطى، إن صح، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الإجراءات التي أُديرت بها الأزمة، ويشير إلى أن الصراع لم يعد يلتزم حتى بالقواعد الشكلية التي يفترض أن تضبط العمل المؤسسي.

كما يعزز ذلك فرضية القطيعة الكاملة بين بوجاجي والمسار الجديد داخل المنظمة، ويجعل من عودته إلى أي موقع قيادي أمرًا مستبعدًا، في ظل هذا المناخ المتوتر.

صراع أعمق

ما يجري داخل المنظمة لا يمكن اختزاله في خلافات بين أفراد، بل يعكس انقسامًا أعمق بين رؤيتين متباينتين لطبيعة المؤسسة ودورها. هناك اتجاه يسعى للإبقاء على ارتباطات سياسية وتنظيمية تاريخية، واتجاه آخر يدفع نحو إعادة تعريف المنظمة ككيان دعوي وإنساني مستقل.

هذا التباين يرتبط بتحولات أوسع داخل البيئة السياسية السودانية، خاصة بعد سقوط نظام عمر البشير، حيث أعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل التيار الإسلامي، وبرزت صراعات حول من يملك القرار ومن يحدد الاتجاه.

ملفات شائكة

تتقاطع الخلافات عند عدة نقاط حساسة، أبرزها إدارة القرار داخل المنظمة، حيث تدور معركة صامتة حول من يملك الكلمة النهائية. وتظهر أيضًا إشكالية الشرعية التمثيلية، خاصة في ظل تعدد مراكز النشاط خارج السودان، ما خلق حالة من الازدواج في القيادة.

كما تبرز الملفات المالية والإدارية كأحد مصادر التوتر، في ظل حديث عن تباينات في الرؤى حول إدارة الموارد ومستوى الشفافية، وهي قضايا عادة ما تتفجر عندما تتداخل مع صراع النفوذ.

انتقادات قائمة

بالتوازي مع الأزمة الداخلية، تعود إلى السطح انتقادات ظلت تلاحق المنظمة في فترات مختلفة، تتعلق بضرورة الفصل الواضح بين العمل الدعوي والاعتبارات السياسية، وتعزيز معايير الحوكمة والشفافية.

هذه الانتقادات، حتى وإن لم تُحسم بشكل قاطع، تكتسب وزنًا أكبر في ظل الاضطراب الحالي، حيث تميل الجهات الداعمة والشركاء إلى إعادة تقييم علاقاتهم بالمؤسسات التي تعاني من هشاشة داخلية أو صراعات مفتوحة.

مكسب مؤقت

التطور الأخير، بما فيه من إعادة تشكيل لمجلس الأمناء، قد يُقرأ باعتباره مكسبًا لتيار بعينه داخل المنظمة، خصوصًا التيار المرتبط بالإسلاميين السودانيين. غير أن هذا المكسب يبدو أقرب إلى انتصار تكتيكي قصير المدى، لا يغير من طبيعة الأزمة بل ربما يعمقها.

فالطريقة التي جرت بها هذه التحولات، وما صاحبها من جدل حول الإجراءات، قد تترك آثارًا سلبية على المدى المتوسط، سواء داخل المؤسسة أو في محيطها الخارجي.

ثمن محتمل

من بين التداعيات المحتملة، يبرز خطر تراجع الدعم الخارجي، خاصة من الجهات التي تضع الاستقرار المؤسسي والحوكمة في مقدمة أولوياتها. ورغم انتخاب رئيس جديد من دولة قطر، إلا أن ذلك لا يضمن بالضرورة استمرار نفس مستوى الدعم، في ظل مؤشرات على اضطراب داخلي حاد.

كما أن فقدان الثقة بين المكونات الداخلية قد يؤدي إلى شلل فعلي في اتخاذ القرار، ما ينعكس مباشرة على أنشطة المنظمة وشبكاتها.

ثقة مفقودة

فشل الوساطات، واستقالة شخصية قيادية، وتبادل الإجراءات الأحادية، كلها مؤشرات على أزمة ثقة عميقة. لم يعد الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل تحول إلى صراع صفري، يرى فيه كل طرف أن التراجع يعني الخسارة الكاملة.

هذا النوع من الأزمات يصعب احتواؤه، لأنه لا يتعلق بالمصالح فقط، بل بالشرعية والتمثيل، وهي قضايا أكثر تعقيدًا.

مستقبل مفتوح

تقف المنظمة اليوم أمام مسارات متعددة، دون مؤشرات واضحة على أيها سيتحقق. قد تنجح القيادة الجديدة في فرض واقع مستقر، لكن ذلك يتطلب معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإعادة توزيع المواقع.

وقد يستمر الوضع في حالة من الجمود، حيث لا يستطيع أي طرف الحسم، فتدخل المؤسسة في حالة شلل تدريجي. كما يبقى سيناريو الانقسام قائمًا، خاصة إذا استمرت حالة الاستقطاب الحاد.

لحظة حاسمة

ما يجري الآن يتجاوز كونه أزمة عابرة، ويقترب من كونه لحظة مفصلية في تاريخ المنظمة. القرارات التي تُتخذ في هذه المرحلة، وطريقة إدارتها، ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت المؤسسة قادرة على إعادة بناء نفسها، أم أنها تتجه نحو تفكك تدريجي.

وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو الصورة مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن الثابت الوحيد هو أن الأزمة بلغت مستوى يصعب تجاهله أو احتوائه بالوسائل التقليدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى