مدينة الأبيض.. معاناة إنسانية بلا نهاية

أفق جديد
تواجه مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان أوضاعًا أمنية وإنسانية وصحية بالغة التعقيد، إثر القصف العشوائي والحصار والنزوح المستمر والغلاء المعيشي وتدهور الخدمات الصحية داخل المستشفيات والمراكز الصحية، والضعف المستمر في شبكات الاتصالات.
وأفادت مصادر طبية لـ”أفق جديد” أن المستشفى التعليمي يعاني التردي البيئي ونقص الكوادر الطبية جراء القصف المستمر، ما أدى إلى معاناة المرضى الذين يفترشون الأرض.
وحسب المصادر الطبية، فإن مستشفى الضمان الاجتماعي، تعرض أيضًا للقصف العشوائي ما ألحق أضرارًا بالغة بالمباني، الأمر الذي فاقم معاناة المرضى.
ووفق المصادر الطبية، فإن القصف العشوائي تسبب في توقف خدمات الإصابات والطوارئ وحوادث الأطفال، الأمر الذي يتطلب بذل جهود كبيرة لمقابلة احتياجات المرضى المتزايدة.
وأكدت المصادر الطبية أن استمرار النزوح إلى مدينة الأبيض دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الصحي وانتشار المزيد من الأمراض المعدية.
وتعتبر الأبيض مدينة ذات أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر سوق عالمي لمحصول الصمغ العربي، إضافة إلى أسواق المحاصيل والماشية، وارتباطها بطريق الصادرات الذي يخدم ولايات غرب السودان.
وفي 5 أكتوبر الجاري، استهدفت قوات الدعم السريع المنشآت المدنية بمدينة الأبيض بمسيرات انتحارية، ما أدى إلى حدوث أضرار في المستشفى التعليمي ومستشفى “الضمان” وعدد من الأحياء السكنية وبعض مرافق الخدمات دون وقوع خسائر في الأرواح.
وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني العميد الركن عاصم عوض عبدالوهاب: “إن ما جرى من استهداف المنشآت المدنية بالأبيض ليس انتصارًا بقدر ما هو هزيمة أخلاقية وتأكيدًا على تماديهم في تحدي القانون الدولي الإنساني وإلحاق الأذى بالمواطنين الأبرياء”.
وفي الجانب الصحي تشهد مدينة الأبيض انتشارًا متزايدًا لحالات حمى الضنك والكوليرا، إذ يعتمد السكان على مركزين فقط في مستشفى الكويتي للأطفال ومستشفى الأبيض التعليمي، مما يزيد تعقيد الوضع.
وكشفت الإدارة العامة للطوارئ الصحية بوزارة الصحة والتنمية بولاية شمال كردفان في أحدث تقرير بتاريخ 9 أغسطس 2025، عن استمرار تفشي الكوليرا في مدينة الأبيض ومحيطها.
ووفق الأرقام الرسمية، تم تسجيل 55 حالة دخول جديدة إلى عنابر العزل، فيما بلغ عدد الموجودين فيها لحظة صدور التقرير 103 حالات.
أما على المستوى التراكمي فقد وصلت الإصابات المسجلة منذ بداية التفشي إلى 10,525 حالة، بينها 672 حالة وفاة، في مقابل 9,750 حالة تعافٍ.
“المستشفى التعليمي غارق في النفايات ومجاري المياه المتعفنة”، يقول المواطن الرضي عبد الله، ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “القصف العشوائي زاد المعاناة اليومية لسكان مدينة الأبيض”.
وتابع عبد الله قائلًا: “نحتاج إلى الدفء والأمان والغذاء والدواء والرعاية الصحية، لكن الدانات لا تتوقف والعذاب مستمر بلا نهاية”.
وأشارت المدير الطبي لمستشفى الأبيض التعليمي د. إسراء دفع الله، إلى أن “تزايد أعداد الوافدين من النازحين أحدث فرقًا في معدلات التردد على المستشفى والخدمات المقدمة، إلا أن المستشفى بحكم كونه مرجعيًا لولايات كردفان ودارفور قادر على التعامل مع الزيادة وتحقيق توازن في الخدمة مع الحفاظ على جودتها”.
ونبهت إلى أن فصل الخريف يضاعف من المخاطر الصحية، لتوفر العوامل الملائمة لانتشار نواقل الأمراض كالذباب والبعوض، ومع قلة الاحتياطات بين الوافدين ترتفع نسب الإصابة بالأمراض المرتبطة بهذه النواقل.
وسبق أن أطلقت وزارة الصحة السودانية، بدعم من منظمة الصحة العالمية واليونيسف، سابق حملة تطعيم واسعة ضد الكوليرا استهدفت معسكرات الإيواء والمناطق عالية الخطورة، في محاولة للحد من انتشار العدوى بين النازحين والفئات الأكثر هشاشة.
ويواجه القطاع الصحي في السودان واقعًا كارثيًا بسبب النزاع المسلح الذي اندلع منتصف أبريل 2023، فقد دمرت الحرب ما بين 70% و80% من المرافق الطبية في السودان، بالإضافة إلى معظم مصانع إنتاج الأدوية الرئيسية في البلاد، وتتعرض المرافق الطبية للضغط الشديد.
ومن أصل 702 مستشفى أساسي في العاصمة الخرطوم والولايات كانت هناك حوالي 540 تابعة لوزارة الصحة تعمل بشكل كامل أو جزئي تعرضت للتخريب وسلب ونهب الأجهزة والمعدات الطبية والشبكات.
ووفق وزارة الصحة فقد بلغ إجمالي خسائر قطاع الصحة في السودان نحو 11.04 مليار دولار أمريكي، وتشمل المباني، الأجهزة والمعدات الطبية، الأثاث الطبي، سيارات الإسعاف والمتحركات والأدوية والمستهلكات الطبية.
كما يواجه المواطنون بمدينة الأبيض سلسلة طويلة من الأزمات المتعلقة بنقص السلع الاستهلاكية بسبب حصار قوات “الدعم السريع”، وتوقف لفترات طويلة لشبكات الكهرباء والاتصالات، وانعدام السيولة النقدية وشح مياه الشرب في غالبية الأحياء السكنية، وتراجع الخدمات الأساسية بسبب الحرب لتمويل الإنفاق العسكري من السلطات المحلية.
بالنسبة إلى المواطنة حنان الطيب، فإن مدينة الأبيض تعاني أزمة مياه حادة، حيث ارتفع سعر برميل المياه إلى 6 آلاف جنيه، ما أثقل كاهل السكان المتأثرين بتدهور الأوضاع المعيشية.
وأشارت حنان في حديثها لـ”أفق جديد”، إلى أن الأزمة الإنسانية بلغت ذروتها في المدينة وأريافها في ظل نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعارها والتوقف المستمر للكهرباء والاتصالات وانقطاع المياه عن غالبية الأحياء السكنية.
وأضافت بالقول: “خلال فترة الخريف لجأنا إلى جمع مياه الأمطار لأغراض الشرب والاستخدامات المنزلية المختلفة”.
وأوضحت أن الحكومة المحلية لا توفر الخدمات الأساسية دون أدنى اعتبار للمعاناة اليومية التي يعيشها سكان المدينة.
كما تراجعت الأعمال التجارية في سوق الأبيض للمحاصيل الزراعية، على نحو كبير منذ اندلاع الحرب وهجر المتعاملون في السوق النشاط التجاري المرتبط بحركة الإنتاج مع قلة الوارد والمهددات الأمنية.
ومع استمرار الحرب، أفاد ناشطون “أفق جديد”، بتصاعد معدلات النزوح إلى مدينة الأبيض مع تكدس دور الإيواء ونقص الخدمات الأساسية من الغذاء والدواء.
وأكد الناشطون أن المدارس والمقرات الحكومية تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة، ويواجه النازحون تهديدات كبيرة مع موسم الخريف تتمثل في خطر الأمطار والسيول من جهة، وانتشار الأمراض المعدية من جهة أخرى.
وحسب الناشطين، فإن المدينة استقبلت الفارين من منطقة “كازقيل”، الواقعة جنوب الأبيض والوصول إلى الأحياء الجنوبية والغربية خاصة حي “الصالحين”، في ظروف إنسانية بالغة الخطورة والتعقيد.
ودعا الناشطون منظمات المجتمع المدني والجهات الإنسانية وفاعلي الخير لتوفير المساعدات اللازمة للنازحين في مراكز الإيواء المنتشرة في داخل مدينة الأبيض.
وطبقًا لمفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان، فقد بلغ عدد النازحين بمدينة الأبيض نحو 700 ألف نازح بما فيهم حوالى 135 ألف أسرة، جراء الهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع على القرى والبلدات حول مدينة الأبيض.
ومع انهيار البيئة وتردي الخدمات تتزايد المخاوف من أن تتحول مدينة الأبيض إلى بؤرة إنسانية وصحية أكثر تعقيدًا ما لم يتم التدخل العاجل بمساعدات غذائية ودوائية وإصحاح بيئي يوازي حجم الكارثة.
وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب في السودان، بما يجنب البلاد كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال.
ومنذ منتصف أبريل 2023، يشهد السودان حربًا بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفًا.





