ذوو الإعاقة.. ضحايا صامتون في حرب السودان

أفق جديد

يتذكّر “عبد الله سليمان” -وهو اسمٌ مستعار لدواعٍ إنسانية – كيف أساء أحدُ الجنود التابعين لـقوات الدعم السريع معاملته، رغم كونه من ذوي الإعاقة، وذلك خلال استيلاء تلك القوات على ولاية الجزيرة.

وأضاف سليمان، في حديثه لـ”أفق جديد”: “عناصر من الدعم السريع سحبت عكازتي التي أمشي عليها، فوقعتُ أرضًا، وهم يسخرون ويضحكون من منظري وملابسي التي غطّاها التراب”.

وفي ديسمبر 2023 سيطرت قوات الدعم السريع على عددٍ من مدن ولاية الجزيرة، من بينها مدينة ود مدني عاصمة الولاية، وارتكبت خلال تلك الفترة أبشع وأسوأ الانتهاكات. وفي يناير 2025 أعلن الجيش السوداني إحكام سيطرته على الولاية واستعادتها بالكامل.

الحرب التي اندلعت في السودان تعتبر واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وتدهور الخدمات الأساسية التي تزيد من هشاشة جميع الفئات، وخصوصًا ذوي الإعاقة.

ووفق نشطاء فإن ذوو الإعاقة في السودان ليسوا فقط من ضحايا الحرب بسبب الإصابات المباشرة، بل يُستهدفون أحياناً بشكل مباشر ويمثلون فئة ضعيفة معرضة للخطر أكثر من غيرها.

وأبلغ هؤلاء النشطاء “أفق جديد”، أن ذوو الإعاقة في السودان لا يطلبون شئيًا بل يطالبون بحياة عادلة، ووطن يتسع للجميع دون تمييز

وفي 26 فبراير الجاري قال فولكر تورك مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن الحرب في السودان الممتدة لنحو 3 سنوات كادت تحوله إلى “أرض يأس”، وإن كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تواصل استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان، وتهاجم المدارس والمستشفيات والأسواق وأماكن العبادة في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

كما قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأربعاء، الماضي إن قوات الدعم السريع أعدمت وأساءت معاملة ذوي الإعاقة خلال استيلائها على الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان.

وظلت قوات الدعم السريع ترتكب انتهاكات في الفاشر منذ أول هجوم في مايو 2024، حيث قتلت العزل ودمرت المستشفيات ومرافق المياه والأسواق، قبل أن تصل الجرائم إلى تنفيذ عمليات قتل جماعي بعد سيطرتها على المدينة في أكتوبر الماضي.

وأفادت “رايتس ووتش”، في تقرير، أن “الدعم السريع استهدفت الأشخاص ذوي الإعاقة وأساءت معاملتهم وقتلتهم أثناء استيلائها على الفاشر في 26 أكتوبر 2025 وبعد ذلك”.

ونقلت عن ضحايا وشهود أن الدعم السريع استهدفت الأشخاص بسبب إعاقتهم، حيث اتهمت البعض بأنهم مقاتلون مصابون وسخرت من آخرين ووصفهم بـ”المجانين” و”غير كاملين”.

وشددت على أن القتل الذي يستهدف المدنيين أو غير المشاركين في النزاع وإخضاعهم لمعاملة قاسية ومذلة، بمن فيهم ذوو الإعاقة، يرقى إلى جريمة حرب، كما أنه عندما تُرتكب هذه الأفعال ضمن هجوم واسع على السكان، فإنها قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وأجرت المنظمة الحقوقية مقابلات مع 22 ناجيًا وشاهدًا من الفاشر، بعضهم داخل السودان وآخرين في شرق تشاد، كما قابلت 8 نشطاء في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تحدثوا عن انتهاكات مماثلة من الدعم السريع في أجزاء أخرى من البلاد.

حرب قبيحة

وخلال حوار تفاعلي عقده مجلس حقوق الإنسان حول الوضع في السودان، قدم تورك تقريرا وصفه بأنه “فصل آخر في سجل من الوحشية”. وذكر أن التقرير يوثق أنماطا مستمرة من العنف ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتعذيب.

تحدث تورك أيضا عن الأوضاع المروعة للأشخاص ذوي الإعاقة الذين تزداد أعدادهم بعد كل هجوم، واستهداف العاملين في مجالي الصحة والإغاثة وقوافل المساعدات، وحرمان نحو 13 مليون طفل من التعليم بسبب قصف المدارس أو استخدامها لأغراض عسكرية أو إغلاقها.

وأعرب عن القلق من تزايد “عسكرة المجتمعات” بما في ذلك تجنيد الأطفال والشباب للمشاركة في القتال، ومن تقلص الحيز المدني واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وانتشار خطاب الكراهية.

وقال تورك إن الحرب في السودان قبيحة ودامية وعبثية. وأضاف: “لا أستطيع سوى أن أتساءل كيف يهنأ بالنوم ليلا من يقودون هذا الجنون أو ينتفعون منه، سواء داخل أو خارج السودان”.

وقال إن انتهاكات القانون الدولي من جميع أطراف النزاع تصاعدت مع اشتداد القتال، في ظل غياب المساءلة.

ووفق البيانات التي وثقها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فقد ارتفع قتل المدنيين في عام 2025 بأكثر من مرتين ونصف مقارنة بالعام الذي سبقه، بينما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين أو لم يتم التعرف عليهم.

توثيق الإعدام

وقالت ممرضة، وفقًا “هيومن رايتس ووتش” ، إن مقاتلين تابعين للدعم السريع أمروا شقيقة شاب لديه متلازمة داون كانت تحمله على ظهرها أن تنزله قبل أن يعدموه، وسرعان ما “قيدوا يديها وغطوا وجهها واقتادوها معهم”.

وذكرت أن المقاتلين أطلقوا النار على شابة لديها إعاقة جسدية وقتلوها وأعدموا والدتها التي كانت تحملها، كما أمروا امرأة تحمل فتى كفيفًا على ظهرها بإنزاله حيث أخبرتهم أنه لا يرى، لكنهم “أطلقوا النار على رأسه على الفور”.

وأفاد رجل يستخدم عكازات بسبب إعاقة جسدية أصيب بها جراء هجوم بأسلحة متفجرة في ديسمبر 2024، أن مقاتلي قوات الدعم السريع أسروه هو ونحو 50 آخرين، بينهم نساء وأطفال، أثناء محاولتهم الفرار من المدينة في 26 أكتوبر الماضي.

وأوضح أن الدعم السريع اعتبرت كل من فقد يده أو أحد أطرافه جنديًا، كما اعتمدوا على لون البشرة واللهجة لتحديد ما إذا كانوا مدنيين أم جنودًا في الجيش أو مؤيدين له.

وذكر أن مقاتلي الدعم السريع استخدموا رشاشات وبنادق حربية من طراز “كلاشنيكوف” لإعدام أكثر من 10 أشخاص، معظمهم من ذوي الإعاقات الجسدية، أمام المجموعة.

وقال إنه تفاوض مع المقاتلين للسماح للمعتقلين بالاتصال بأسرهم لطلب دفع فدية، حيث رد أحد المقاتلين: “أنت أصلًا ضعيف ومحطم، ولن ترغب أسرتك فيك على أي حال”.

وقال رجل عمره 39 عامًا، في مقابلة مع “هيومن رايتس ووتش”، إنه اضطر إلى ترك شقيقه البالغ من العمر 41 عامًا الذي لديه إعاقة جسدية ولا يستطيع المشي، أثناء فراره من الفاشر.

وأضاف نقلاً عن شقيقه: “انتهى أمري، سأموت هنا، أرجوكم غادروا مع أطفالكم واتركوني هنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى