انعكاس سينمائي على ماضي السودان وحاضره من خلال برنامج “أصوات ورؤى السودان”

بقلم : هانا فلينت

يقدّم القيّم الفني والمنتج السينمائي السوداني طلال عفيفي من خلال برنامجه الجديد “أصوات ورؤى السودان تأمل سينمائي” مساحة مفتوحة للتفكر في تاريخ السودان وواقعه، مع الحفاظ على نبضه الثقافي متقداً رغم جراح الحرب.

يتمحور البرنامج حول قضايا الهوية والمساواة والعدالة، وهي مواضيع طالما شكّلت جوهر التجربة السودانية المعاصرة. ويجوب المعرض، الذي ينسقه عفيفي هذا الموسم، عدداً من المدن البريطانية خلال شهر أكتوبر، مقدماً مجموعة من الأفلام التي تتأمل حاضر السودان وماضيه، وتجمع بين أجيال مختلفة من المخرجين الذين حملوا الكاميرا كأداة للمقاومة والتوثيق في آن واحد.

من بين الأعمال التي يعرضها البرنامج، باقة من إنتاج مؤسسات ألماس للفنون وآية فيلمز وماونا فيلمز، منها الفيلم الوثائقي “السودان، تذكرونا” للمخرجة هند مديب (2024)، الذي يرصد آثار الثورة السودانية وكيف لعبت الموسيقى والاحتجاجات والنشاط الشبابي دوراً في إحياء الأمل والقدرة على الصمود. إلى جانب فيلم “السينما في السودان: حوارات مع جاد الله جبارة” (2008) للمخرج فريدريك سيفوينتس، الذي يحتفي بإحدى الرائدات في تاريخ السينما السودانية، وفيلم “خلع العنبر” (1975) للمخرج الراحل حسين شريف، وهو عمل تأملي قصير يطلّ على علاقة المكان بالذاكرة والهوية في مرحلة ما بعد الاستعمار. كما يضم البرنامج أيضاً فيلم “إيمان” للمخرجة ميا بيطار (2017)، الذي يتتبع قصص أربعة سودانيين انجرّوا إلى طريق التطرف، محاولاً سبر دوافعهم الإنسانية والنفسية.

تم تصوير فيلم “خلع العنبر” في مدينة سواكن الساحلية، التي كانت يوماً ما مركزاً تجارياً مزدهراً قبل أن تتحول إلى أطلال تُجسد ذاكرة الانحدار والتلاشي. يقول طلال عفيفي لصحيفة ذا نيو عرب من مقر إقامته في دبلن: كان لا بد للأفلام أن تكون قوية من الناحية الفنية، وأن تمثل امتداداً للتجارب السودانية داخل البلاد وفي الشتات على حد سواء. لدينا مخرجون نشأوا في السودان وآخرون من الجيل الثالث في المهجر، لكن ما يجمعهم هو ارتباطهم العميق بالأسئلة الكبرى عن الهوية والمستقبل، وعن الخيارات التي تواجهنا في مرحلة ما بعد الاستعمار“.

يأتي هذا البرنامج السينمائي في وقتٍ ما تزال فيه الحرب الأهلية تمزق السودان منذ أكثر من عامين ونصف، بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، مسببة دماراً هائلاً ومعاناة إنسانية واسعة. ووفقاً لموقع Global Conflict Tracker، تجاوز عدد القتلى 150 ألف شخص، فيما اضطر أكثر من 14 مليوناً إلى النزوح، لتصبح الأزمة السودانية من أكبر كوارث التهجير في العالم المعاصر.

يقرّ طلال بأنّ بعض الأصوات تنتقد إقامة فعاليات ثقافية في وقتٍ يرزح فيه السودانيون تحت نيران الحرب، لكنه يرى أن الثقافة نفسها جزء من الحل:

صحيح أن السودان يحتاج إلى اتفاقات سلام وإلى جهود سياسية جادة، لكن مشكلتنا العميقة ثقافية بالأساس. الثقافة هي ما يكوّن وعي الناس تجاه ذواتهم ووطنهم، وما يمنحهم القدرة على البقاء رغم كل هذا الخراب.”

وُلد طلال عفيفي في ألمانيا لأم مصرية وأب سوداني، وعاد إلى الخرطوم ليؤسس “مصنع أفلام السودان” الذي أدار نشاطه لعقدٍ كامل قبل أن يضطر إلى مغادرة البلاد عام 2023 بسبب الحرب. لكنه لم يتوقف عن العمل، بل واصل من منفاه الأيرلندي برمجة الفعاليات الثقافية التي تتيح للعالم رؤية السودان بعيداً عن عناوين الدمار والنزوح.

من بين أعماله السابقة أفلام “الخرطوم” (2025) و**”من النوبة إلى لا بلاتا” (2022)** و**”ستموت في العشرين” (2019)**، وهي أفلام تستعيد تاريخ السودان الحديث من زوايا إنسانية وجمالية متباينة، وتوثّق تحولات المجتمع السوداني في مراحل مختلفة. يقول عفيفي: هذه الأفلام لا تروي فقط كيف تمكن صناع السينما السودانيون المستقلون من إنجاز أعمالهم رغم الصعوبات، بل تطرح أسئلة حول واقع السودان نفسه، حول الحرب والذاكرة والهوية. في زمن كهذا، يصبح الحديث عن الفن ضرورة، لا ترفاً.”

يرى عفيفي أن السينما السودانية، مثل نظيرتها الفلسطينية، تملك قوة استثنائية في كسر ضجيج السياسة وتقديم الإنسان في صورته الحقيقية.

حتى حين يقول بعض المخرجين إنهم لا يريدون صنع أفلام سياسية، فإن الفن لا ينفصل عن السياسة. كل عمل فني هو موقف. أفلامنا تتحدث عن الضحايا، لكنها أيضاً عن القوة، عن الناس الذين رغم كل شيء يواصلون العيش والحلم.”

ورغم عمق المأساة السودانية، لم تحظَ باهتمام إعلامي عالمي يوازي حجمها، على عكس الصراع الفلسطيني مثلاً، وهو ما يفسره طلال بأن “القضية الفلسطينية تحمل رمزية عالمية خاصة لأنها تعكس صراعاً مع منظومة كاملة من الهيمنة الدينية والذكورية والرأسمالية”. ويضيف:

ما يحدث في السودان يشبه كثيراً تلك الصراعات، لكن صورته لا تملك الجاذبية الجمالية نفسها التي تراها وسائل الإعلام في أوكرانيا أو أوروبا الوسطى. نحن أيضاً جميلون، لكننا خارج المعيار الذي يرسمه العالم للجمال.”

في نهاية المطاف، يسعى برنامج أصوات ورؤى السودان إلى إحياء النقاش حول الذاكرة الثقافية للسودان، عبر أعمالٍ تجمع بين الفرح والمقاومة، وتعيد الاعتبار للإنسان خلف الأخبار، سواء داخل البلاد أو في المنافي. إنها دعوة لتأمل الذات السودانية من خلال الشاشة، والاعتراف بأن ما يبقي الشعوب حيّة، حتى في أقسى الظروف، هو فنها وقدرتها على رواية قصتها بنفسها.

يُقام المعرض بين 16 أكتوبر وديسمبر 2025، مع عروض تمتد حتى مطلع 2026 في مدن هيرتفورد، إدنبرة، لندن، أبرفيلدي، غلاسكو، ودندي وغيرها من المدن البريطانية.

====

هانا فلينت ناقدة ومذيعة بريطانية تونسية، ومؤلفة كتاب “الشخصية النسائية القوية: ما تعلّمنا إياه الأفلام”. نُشرت أعمالها في مجلات GQ وThe Guardian وElle وTown & Country وMashable وRadio Times.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى