السودان… حين انهار مشروع الحركة الإسلامية وانكشف الجيش

بدون تعقيد

بقلم : ابراهيم هباني
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظهر بوضوح أن ما ينهار في السودان ليس جبهة عسكرية مؤقتة، بل مشروع حكم كامل استمر ثلاثين عاماً تحت قيادة الحركة الإسلامية، قامت خلاله بإعادة تشكيل الجيش والمشهد الأمني لخدمة بقائها في السلطة، لا لخدمة مفهوم الدولة. ولهذا، لم تأت انسحابات الجيش المتتابعة من الخرطوم ثم ود مدني وصولا إلى الفاشر كحادث طارئ، بل كانت النتيجة الطبيعية لبنية أُضعفت من داخلها منذ سنوات.

الخلل لم يكن في نقص السلاح، بل في غياب العقيدة الوطنية. فقد أعيدت هيكلة المؤسسة العسكرية لتكون أداة ضبط سياسي أكثر منها جهة دفاع وطني، وتمت محاصرة الكفاءات داخلياً لحساب الولاء التنظيمي. وعندما انفجرت الحرب، انكشف أن الجيش لا يحمل مشروع دولة، بل ظل أسير مشروع الحركة الإسلامية، الذي انتهى من دون أن يترك خلفه مؤسسات قادرة على حماية المجتمع أو حتى الحفاظ على تماسك الجغرافيا.

المأساة الأكبر أن هذا الانهيار لا يظهر فقط في تراجع القوات، بل في انقطاع الثقة بين الدولة ومواطنيها.

ففي المدن التي انسحب منها الجيش، ترك المدنيون بلا حماية. وعندما عادت القوات لاحقا بعد تبدل موازين المعركة، وبدلا من الاعتراف بأن الدولة هي من غابت عنهم، جرى التعامل مع السكان باعتبارهم مشتبهين بالتعاون مع الطرف المسيطر مؤقتا، وهو منطق يحول الضحية إلى متهم، ويقوض ما تبقى من شرعية الدولة في نظر شعبها.

بهذا المسار، لا يعود السودان متجها نحو تسوية سياسية عادية، بل نحو واقع “ما بعد الدولة”، حيث تتآكل السلطة المركزية ويعاد تشكيل الخريطة على منطق القوة المحلية لا الشرعية الوطنية.

وأمام هذا المشهد، تصبح أي محاولة للعودة إلى الاستقرار مستحيلة ما لم يبدأ السودان أولا بتفكيك أثر تنظيم الإخوان داخل مؤسساته، وإعادة تعريف وظيفة الجيش باعتباره أداة حماية المجتمع لا محاكمته. وهي مهمة لن تكون واقعية من دون إطار دولي منضبط يمنع الانزلاق الكامل إلى الفوضى.

فالسؤال اليوم لم يعد: من يربح المعركة؟ بل: هل تبقى هناك دولة قابلة للإنقاذ أصلا قبل أن تفرض الوقائع منطقها النهائي على الأرض؟

habbani52@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى