نازحو الفاشر.. مُعاناة لا تنتهي
أفق جديد
“أحلام الهادي” وصلت أخيرًا رفقة أسرتها إلى مُخيم “العفّاض” في مدينة الدبة شمالي السودان بعد 10 أيام من السفر الشاق والمؤلم هربًا من العُنف والقتال بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.
“تمكنت من الهروب مع أطفالي، وفقدت بعض أفراد الأسرة الكبيرة أثناء الخروج من الفاشر، ومات بعضهم وآخرون لا يزالون أسرى في قبضة قوات الدعم السريع” تقول أحلام لـ”أفق جديد”، وتضيف: “الجثث منتشرة ومُتحللة في شوارع الفاشر. الوضع مؤلم للغاية وفي غاية السوء”.
ويضم مُخيم “العفّاض” الذي يبعد نحو 15 كيلومترًا عن مدينة الدبة شمالي السودان، مئات الآلاف من الأسر النازحة القادمة من مدينة الفاشر، بعد رحلة شاقة استغرقت نحو 700 كيلومتر، مرورًا بعدد من المناطق الواقعة على طول الطريق، ورأى هؤلاء مشاهد موجعة خلفتها الحرب في مدينتهم.
وخصَصت السلطات المحلية المنطقة الصحراوية لتكون مأوىً للفارين من القتال في الفاشر في ظل تدفق مستمر للنازحين الذين يصلون بعد معاناة كبيرة ورحلة شاقة تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، هي المسافة الفاصلة بين الفاشر والدبة.
وقالت مفوضة العون الإنساني، كوثر جعفر، إن مدينة الدبة في الولاية الشمالية إستقبلت 57 ألف نازح قادمين من إقليمي دارفور وكردفان، بسبب هجمات قوات “الدعم السريع”.
وأوضحت كوثر في تصريحات إعلامية، أن هؤلاء النازحين عانوا من ظروف “قاسية” خلال رحلة النزوح وصولاً للولاية الشمالية، هرباً من “بطش وإنتهاكات المليشيا المتمردة”.
وأشارت إلى أن من بين النازحين مصابين بجروح وكسور، إضافة لأطفال مصابون بسوء التغذية.
وذكرت المفوضية أن من بين إجمالي عدد النازحين وصل 50 ألف شخص من مدينة الفاشر، بينهم 32 ألفًا وفدوا إلى الدبة بعد سقوط المدينة بيد قوات “الدعم السريع”.
وأبلغ ناشطون “أفق جديد”، أن المُنظمات الإنسانية تحاول قدر المستطاع تقديم مساعدات إنسانية مختلفة لتخفيف وطأة مُعاناة النازحين في مدينة الدبة شمالي السودان في ظل الظروف القاسية التي يعيشها النازحين الفارين من جحيم الحرب.
ووفق الناشطون، فإن سكان مدينة الدبة فتحوا أبوابهم وقلوبهم للنازحين، وتبرع البعض بالملابس الشتوية، فيما قدم آخرون الدواء والطعام والمياه، ونظمت مجموعات شبابية مبادرات لجمع الإحتياجات الطارئة.
وأشار الطبيب محمد عز الدين الذي يعمل في المستشفى الميداني بمخيم النازحين بمدينة الدبة، إلى إصابة النازحين بأمراض فقر الدم وسوء التغذية بسبب الجوع ونقص الخدمات الضرورية.
وأوضح عز الدين، أن بعض النازحين يعانون من أمراض السكر والضغط بالإضافة إلى المشكلات البيئة الأخرى ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الصحية.
وتقول منظمة “هيومان أبيل” الأمريكية: “تبدأ الإجراءات بالتسجيل والفحوصات الطبية في عيادة صغيرة، وتقديم وجبات غذائية. ما يتوفر من أدوية لا يبدو كافيًا خاصة الأدوية المنقذة للحياة وأمصال الثعابين والعقارب”.
أما “حليمة عبد الله”، التي وصلت إلى مدينة الدبة فتقول لـ”أفق جديد”: “فقدت أسرتي في الفاشر ووصلت منهكة بسبب الجوع والمرض وآلام الرجل بسبب المشي الطويل”.
وأضافت بالقول: “عشنا الرعب والخوف في مدينة الفاشر. عناصر الدعم السريع المتوحشة تقتحم البيوت تقتل وتنهب والجثث موزعة داخل البيوت والطرقات”.
بالنسبة إلى رئيس لجنة الطوارئ والأزمات بمحلية الدبة الحسن إبراهيم حامد، فإن الإمكانيات المتاحة غير كافية لمواجهة الوضع الإنساني الكارثي.
وأضاف حامد في تصريحات إعلامية: “فيما يخص الطعام، هناك مطبخ خيري يوفر وجبتين يوميًا بالتعاون مع عدد من المنظمات. وفي الجانب الصحي لدينا خمس عيادات، واحدة ثابتة وأربع جوّالة، كما نعمل على إصحاح البيئة ومكافحة البعوض الناقل للأمراض”.
وتابع بالقول: “رغم الجهود الكبيرة فإن النقص يظل كبيرًا، وعلى المنظمات المحلية والدولية توفير الإحتياجات الأساسية للنازحين المكتوين بنيران الحرب والنزوح”.
وأكد أنه رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها حكومة الولاية الشمالية، إلا أن الإمكانات لا تتناسب مع حجم الكارثة.
ومضى بالقول: “نحاول توفير الماء والغذاء، لكن الأعداد كبيرة جدًا. نواجه نقصًا في الأغطية والأدوية، ونحتاج إلى إقامة نظام للصرف الصحي”.
وتوقع حامد توقع وصول عشرات الآلاف من النازحين، بينما هناك نحو 7 آلاف أسرة وفدت من الفاشر ومناطق إقليم دارفور في ظروف إنسانية صعبة، حيث كان بعضهم مصابًا، وآخرون مبتوري الأطراف، ويعاني نحو 50% منهم من سوء التغذية، خاصة النساء والأطفال.
وظلت قوات “الدعم السريع” تحاصر مدنية الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور، لأكثر من عامين وسط معارك ضارية، وتم إتهام الأطراف المتحاربة بإرتكاب إنتهاكات ضد المدنيين.
وأكدت المحكمة الجنائية الدولية أن الإنتهاكات التي إرتكبتها قوات “الدعم السريع” عقب سقوط الفاشر ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأعلنت أنها بصدد التحقيق فيها.
وفي 26 أكتوبر الماضي، إستولت قوات “الدعم السريع” على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وإرتكبت مجازر بحق مدنيين بحسب منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للبلاد.
فيما أقر قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في 29 من ذات الشهر، بحدوث “تجاوزات” من قواته في الفاشر، مدعياً تشكيل لجان تحقيق.
عشرات الآلاف من النازحين واجهوا صنوفًا من معاناة لم تنتهي ظروفهم في مُخيمات النازحين تبدو بائسة لكنهم يأملون في ألا تطول إقامتهم في ظل هذه الظروف البائسة.





