يرحبون بالسلام وتكذبهم أفعالهم…. 

وئام كمال الدين

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، طرحت عدة مبادرات إقليمية ودولية لوقف الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وإذا استصحبنا مبادرة القوى السياسية واتفاق أديس واللغط الذي تبعه بعد قفز البرهان من وعده بالتوقيع على الاتفاقية واتهامه للقوى السياسية المدنية بانها جناح سياسي وقعت مع الدعم السريع وجعله الأمر يبدو كمؤامرة تذرع بها للتنصل من الاتفاق والوعود بتوقيعه و أيضا اتفاق المنامة الذي وقع ثم خرج للعلن من قبل أبواق الحرب ليموت قبل أن ترى توقيعاته النور وليقفز منه لم يعد القفز من الرباعية إلى اتفاق آخر الآن مستبعدا.. فالأمر يتعدى اتفاقين أو ثلاثة تناولتهم وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي وليصبر القارئ ليرى كم الاتفاقيات التي تم القفز منها إلى لا شيء سوى الحرب تارة وإلى اتفاق آخر تارة اخرى

فمبادرة الاتحاد الأفريقي مايو 2023 والتي أعلن الاتحاد الأفريقي بها عن خريطة طريق لحل الصراع بالسودان، تضمنت وقفاً فورياً ودائماً للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، واستكمال العملية السياسية الانتقالية، وتشكيل حكومة مدنية ديمقراطية ولاقت نفس المصير

تبعتها _مبادرة السعودية – الأميركية_: مايو 2023 حين استضافت مدينة جدة السعودية المفاوضات بين وفدي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بهدف خفض التوتر وتهيئة الأرضية للحوار

ثم_مبادرة نائب مجلس السيادة السوداني_: 15 أغسطس 2023 – تقدم نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك “بخريطة طريق” لوقف الصراع الدائر في السودان

ثم مبادرة إيغاد_: أبريل 2023 – حين طرحت منظمة إيغاد مبادرة لوقف القتال، وافق عليها الجيش السوداني، وتضمنت تمديد الهدنة وصولاً إلى إيقاف القتال، وإيفاد ممثلين لطرفي الصراع إلى جوبا عاصمة جنوب السودان للتفاوض

تلتهم مبادرة مصر_: يوليو 2023 – التي استضافت قمة دول جوار السودان، بهدف وقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة وإيصال المساعدات

والمبادرة إثيوبيا_في يونيو 2023 – حيث أبدى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد استعداده لزيارة الخرطوم والتوسط لوقف إطلاق النار

ثم _مبادرة سودانية قادها د عبد الله حمدوك_: طرح فيها رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك مبادرة لوقف الحرب، تضمنت وقف فوري لإطلاق النار، وعقد مؤتمر للمانحين الدوليين لسد فجوة تمويل الاحتياجات الإنسانية

لم ينته الأمر بعد فهناك _مبادرة بروكسل_: أغسطس 2024 – والتي انطلقت في بروكسل أعمال الاجتماع الرابع للمجموعة الاستشارية حول السودان، بهدف توحيد المبادرات المتعددة المطروحة على الساحة، والتوافق على خطوات تمهيدية نحو وقف شامل للقتال

ثم _مبادرة جنيف الشهيرة _: أغسطس 2024 – حين دعا وزير الخارجية الأمريكي إلى جولة مفاوضات جديدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في سويسرا، بهدف التوصل إلى وقف شامل للعنف .

كل هذه المبادرات تواجه – بعدم جدية طرفي القتال في الوصول إلى السلام وبالقفز واستخدام تعدد المنابر والمبادرات كوسيلة للتنصل كلما ضيق المجتمع الدولي الخناق على طرفي الحرب-وكلما زاد الضغط الذي تمارسه جماعة الإخوان بالسودان (الكيزان) ليعود الطرفين المتحاربين إلى اللجوء إلى القوة العسكرية بدلاً من الحوار…

 

والجدير بالذكر أن تداخل أوقات المبادرات وضيق الفرق الزمني بينها وتعددها ليس فقط وسيلة للتنصل والتملص من الاتفاق بل هو أيضا سببا في عدم استمرارية اي مبادرة وأخذها بجدية على أنها فرصة حقيقية لإنهاء معاناة السَودان والسودانيين الأمر الذي جعل من هذه المنابر أداة للتكسب السياسي والتوسع الحربي يستخدمها الطرفان كل مرة بيقين تام انها لن تكون المبادرة الأخيرة..

يصاحب ذلك تحجج الجيش بالكرامة والدعم السريع الديموقراطية مستخدمين أبناء هذه البلاد عبر والاستنفار والفزع على أسس عنصرية ومناطقية وقودا للحرب ولم ينج خطاب سياسي أَو ديني من التحريف ولي عنق الحقيقة ليكون أداة لاستمرار حرب لا يعاني منها إلا البلاد وشعبها….

قائد الجيش البرهان عبر الجيش وحكومته لايزال يمارس القفز من منبر إلى آخر أما قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو وحكومة تأسيس فكلما أصدروا بيانا للترحيب وقبول المبادرات للتكسب السياسي خانهم فيه الواقع وكذبتهم فيه الانتهاكات الممنهجة ودماء السودانيين وصرخات نسائهم وجوع أطفالهم وهرب الجميع من كل مكان تدخله جيوشهم حتى فقدوا امتياز الانتصار الميداني وهزموا كلما دخلوا قرية وأفسدوها وهزموا ليس عسكريا وإنما هزمتهم الجموع الفارة لأجل حياة فأين الحكم ومن يحكمون… على الجانب الآخر لايزال البرهان يتساءل أين الكيزان بل أصبح لا يرى فيهم إلا مجتمعا مدنيا يؤيده يشير إليهم كلما سؤل عن المجتمع المدني وكأن العالم لا يعرف وكأن هذه الأرض لا تذكر من ثارت عليه … كلاهما يتسبب للتكسب من هذه الحرب سياسيا وماديا وعسكريا وكلاهما ينظر إلى السلام على أنه مقبرة أحلامه في التوسع والحكم والسيطرة والنفوذ كلاهما يتعامل مع بنود السلام بعين المتسبب البكتو الريشة أَو كما يقول الناس في غرب السودان كلاهما (أصلو متسبل وجداده نقده)

ويبقى الأمل في أن يعرف السودانيون مصلحتهم في أن يسأل كل نفسه ماذا كسب من هذه الحرب لماذا بصر عليها البعض لماذا يرفضها الآخر ما الثمن المدفوع لاستمرارها إلى متى من المستفيد وما العائد وهل هو عائد مجزي يصب في مصلحة هذه البلاد ما الذي يمكن أن يحققه سلام عادل لهذه البلاد

أين الخير في الموت والحرب

وكيف يمكن أن تجيب اتفاقية سلام عادل على أسئلة الشعب السوداني كيف يمكن أن تطمئن مخاوفهم وماهو الثمن والجهد الذي يجب أن يدفع لأجلها الآن وكم سيكون غدا وكم كان بالأمس….

هذه هي الأسئلة التي يجب أن يضعها المجتمع المدني السوداني المؤمن بااديموقراطية والمنخاز إلى السلام في اعتباراته خصوصا في هذه الفترة الحرجة في التاريخ السوداني والتي تحتاج منه إلى تطوير أدواته وخلق حلول تستصحب معها التاريخ البعيد والقريب والمعاصر والرؤى المستقبلية أيضا بالتوازي مع الضغط والتضييق على أطراف الحرب وإغلاق ثغرات تملصهم من الحوار والاتفاق على سلام عادل متجردين من كل شيء إلا مصلحة هذه البلاد ووحدتها والحفاظ عليها وحماية أهلها وحقن دمائهم فالمجتمع المدني المؤمن بالديموقراطية والسلام والعدالة الآن أمام محك حقيقي يتطلب منه قيادة حكيمة وعمل جاد ومنظم وادوات مبتكرة وخطاب واضح وموحد للقيام بدوره في وقف الحرب وإحلال السلام وحماية المدنيين وضمان انتقال مدني وديموقراطي حقيقي يحقق آمال الشعب في ثورته المجيدة على كل ما أعادته الحرب الآن..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى