برقية في بريد قادة الجيش السوداني

بقلم : إبراهيم هباني
بشيءٍ من الهدوء الذي يسبق العاصفة، يمكن النظر إلى مشهد الحرب في السودان باعتباره أكثر من صراعٍ بين طرفين. فهو انعكاس لأزمة دولة تُدار بخطاب، وجيش يُدار بردّ فعل، وتنظيمات موازية باتت تتحكم في المسار أكثر مما تتحكم فيه المؤسسات الرسمية.

قادة الجيش السوداني، الذين تعاقبت تصريحاتهم منذ بداية الحرب، رفعوا شعار الحسم العسكري باعتباره الخيار الوحيد، لكن النتائج على الأرض جاءت مخالفة لهذا الخطاب. المدن سقطت، المواقف تراجعت، والمشهد انسحب من يد المؤسسة العسكرية شيئًا فشيئًا. وبينما كان الحديث يدور عن تقدمٍ في الجبهات، كانت الوقائع تشير إلى العكس: انكماش نفوذ الدولة واتساع رقعة الفوضى.

السبب لا يعود فقط إلى قوة الطرف المقابل، بل إلى واقعٍ ظل يتشكّل طوال ثلاثة عقود.
الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد عبر مشروعها الأيديولوجي لم تنظر إلى الجيش باعتباره مؤسسة وطنية جامعة، بل باعتباره مخاطرة يجب التحكم فيها. فبنت حوله دولةً موازية من الكتائب: الظل، البنيان المرصوص، البراء بن مالك، الأمن الشعبي، الطلابي، الاقتصادي… منظومة كاملة صُمِّمت لتعطيل الجيش وإضعاف قيادته ونزع دوره الطبيعي في الدولة.

وهذا ما يفسر المفارقة القائمة اليوم:
الجيش يقاتل، لكن الأدوات ليست في يده.
والجيش يُحاسَب على الهزائم، لكنه لم يكن يملك مقومات الانتصار.

إلى جانب ذلك، دخلت على المشهد مجموعات مسلّحة جاءت من هامش الدولة، مثل بعض حركات دارفور التي وصلت إلى السلطة على ظهر الثورة، ثم ما لبثت أن اصطفت مع من حاربته بالأمس.
لا مشروع وحدوي، ولا رؤية وطنية، بل حسابات قصيرة المدى دفعت ثمنها دارفور أولًا، ثم السودان كله.

النتيجة النهائية واضحة:
انهيار في المدن، واضطراب في القيادة السياسية والعسكرية، وتراجع على مستوى السيطرة حتى وصلت القوات الحكومية إلى الانسحاب من مواقع استراتيجية مثل هجليج، في مشهدٍ لم يكن أحد يتخيله قبل سنوات.
والمؤشر الأخطر جاء من الخارج: الصين أنهت اتفاقها النفطي بسبب «القوة القاهرة». قرار صامت، لكنه يحمل كل المعاني التي لا تُقال بصوتٍ مرتفع.

في هذه الظروف يُطرح السؤال الذي يتجنب كثيرون الإجابة عنه:
هل الحرب هي الخيار الوحيد المتاح، أم أنها الطريق الأسهل لتأجيل الاعتراف بالهزيمة السياسية قبل الهزيمة العسكرية؟

وهنا تتجه الأنظار إلى قادة الجيش: البرهان، كباشي، العطا، جابر… وإلى قائد الدعم السريع حميدتي.
فجميعهم، بشكلٍ أو بآخر، أمام لحظة لا يمكن الهروب منها:
إمّا أن تبدأ عملية وقف الحرب، أو تستمر البلاد في طريق الانهيار الذي سيصعب بعده بناء أي دولة.

السودان بلد لا ينهار بسهولة، لكنه إذا انهار لا يعود بسهولة أيضًا.
وقد دفع ما يكفي من الدماء والنزوح والانقسام.
وبينما يستمر نقاش الحسم في البيانات، يقف الواقع عند نقطة مختلفة تمامًا:
حرب بلا انتصار، وجيش بلا أدوات، ودولة بلا رؤية.

ما تحتاجه البلاد اليوم ليس خطابًا جديدًا، بل قرارًا مسؤولًا؛
قرار يعيد الجيش إلى دوره الوطني، ويعزل التنظيمات الموازية التي شوّهت مكانته، ويبدأ مسارًا سياسيًا يُغلق الباب أمام الحرب، لا يتركه مفتوحًا على المجهول.

البرقية بسيطة في مضمونها، لكنها صعبة في تطبيقها:
أوقفوا الحرب قبل أن تتوقف الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى