ابتلع المؤتمر الوطني حاضره ونصف مستقبله
الاتحادي الأصل السباحة في بحرٍ من سراب
أفق جديد
ليس مأزق الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل اليوم وليد لحظةٍ عابرة، ولا نتاج خطأٍ تكتيكي محدود، بل هو حصيلة مسارٍ طويل من الانزياحات الصامتة، بدأت بالتنازل عن موقعٍ تاريخي، وانتهت بالارتهان الكامل لمشروعٍ نقيض.
فالحزب الذي شكّل، لعقود، أحد أعمدة الدولة المدنية السودانية، وجد نفسه يخاصم أشواق قواعده، ويتبرأ عمليًا من ذاكرته، وهو يمدّ يده للتحالف مع الحركة الإسلامية، حتى باتت لغة بعض قادته لا تُميَّز عن خطاب الإسلامويين أنفسهم، وباتت مواقفه تابعًا مباشرًا لخيارات المؤتمر الوطني.
هذا التحول لم يقع فجأة.
جذوره تمتد إلى الانشقاق الأول في العام 1996 الذي قاده الشريف زين العابدين الهندي؛ انشقاقٌ لم يكن تنظيميًا فحسب، بل أخلاقيًا وسياسيًا، إذ كسر وحدة الموقف الاتحادي وفتح الباب—ولو دون قصدٍ كامل—أمام إعادة تعريف العلاقة مع السلطة الإسلاموية على أساس المشاركة لا المواجهة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الحزب يفقد تدريجيًا بوصلته:
كل خطوةٍ نحو السلطة كانت خطوةً بعيدًا عن القواعد،
وكل تسويةٍ مع المؤتمر الوطني كانت خصمًا مباشرًا من رصيد التاريخ.
لكن قبل أن يصل الحزب إلى هذا القاع الرمادي، كان هناك مشهدٌ آخر، نقيضٌ كامل، محفور في الذاكرة الاتحادية، مشهدٌ لا يمكن القفز فوقه أو التعامل معه كذكرى عابرة.
كان الهتاف يسبق الصوت،
ويكاد يخلع جدران استاد الدامر قبل أن يبلغ المنصة.
المدرجات لم تعد تتسع لأجسادٍ جاءت من كل الجهات،
فصعد الناس أبراج الإنارة،
وتشبثوا بالحوائط،
كأنهم يخافون أن تفلت منهم اللحظة.
«حرّرت الكرمك يا عثمان
وكمان قيسان يا عثمان
صدام ناداك يتمنى مناك
وقرنق ناداك يا عثمان يتمنى مناك…»
الهتاف يتدفق مثل سيلٍ جارف،
يختلط فيه التاريخ بالحلم،
والرمز بالحنين،
ثم ينفجر في لازمة واحدة تهز الفضاء:
عاش أبو هاشم… عاش أبو هاشم.
في تلك اللحظة، لم يكن الاستاد مجرد ساحة خطاب،
بل مسرحًا مكتمل الأركان،
تُعاد فيه صياغة علاقة السياسة بالشارع،
والزعيم بالجمهور،
والحزب بذاكرته العميقة.
ظهر محمد عثمان الميرغني بخطوات محسوبة،
مرتديًا قفطانه الرمادي المشغول بخيوط ذهبية خفيفة،
لا ترفًا ولا زهدًا،
بل مزيجًا يعكس شخصيته:
تقليدية صلبة،
وأناقة لا تبحث عن التصفيق.
لم يرفع يده كثيرًا،
ولم يبتسم طويلًا.
كان وجهه مشدودًا،
كأنما جاء ليقول ما لا يُقال عادة.
وحين أمسك بالميكروفون،
انخفض الهتاف قليلًا،
لا احترامًا للصوت،
بل ترقّبًا لما سيأتي.
والذي أتى لم يكن خطابًا عاديًا.
لم يلجأ إلى الهتر،
ولم ينزلق إلى المهاترة التي اشتهرت بها خصومات السياسة في تلك السنوات.
لكنه، وللمرة النادرة،
ترك للغضب أن يظهر بلا رتوش.
كلمات قصيرة،
قاطعة،
تشبه الطلقات.
وفي ذروة الخطاب،
أطلق ما يشبه رصاصات الرحمة على جسد حكومة الوحدة الوطنية،
معلنًا بوضوح لا يحتمل التأويل:
لن نشارك في أي ائتلافٍ تكون فيه الجبهة الإسلامية طرفًا.
لم يسمّها صراحة،
لكنه وصفها بما كان كافيًا لإدانتها سياسيًا وأخلاقيًا:
«الشريك المُضر».
عبارة واحدة،
لكنها كانت كفيلة بإسقاط كل محاولات التجميل والتبرير.
ذلك الميرغني،
المعروف عنه طوال تاريخه السياسي تجنّب الصدام اللفظي،
وعدم الانجرار إلى كراهية معلنة،
لم يُخفِ هذه المرة نفوره العميق من جماعة الإخوان المسلمين،
ولا من الحزب الذي مثّلهم آنذاك.
لم يشتم،
لكنه قطع.
لم يصرخ،
لكنه حسم.
وحين انتهى الخطاب،
عاد الهتاف أقوى،
لا لأنه قيل ما يرضي الجماهير فقط،
بل لأنه قيل ما لم يجرؤ كثيرون على قوله علنًا.
في ذلك اليوم،
لم يكن استاد الدامر شاهدًا على مهرجان سياسي فحسب،
بل على لحظة فاصلة،
أعلن فيها زعيمٌ تقليدي نهاية تسوية،
وبداية قطيعة،
أمام شعبٍ كان يعرف أن الكلمات التي سمعها
ستدفع السياسة ثمنها طويلًا.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة.
ذلك الحزب الذي وقف في الدامر بهذا الوضوح،
هو نفسه الحزب الذي سيغلق لاحقًا الخط الفاصل،
ويفتح الأبواب للرمادي كي يبتلع الواضح.
بلغ هذا المسار ذروته حين قرر الاتحادي الأصل المشاركة في حكومات المؤتمر الوطني الأخيرة عام 2011 م.
لم تكن مشاركةً من موقع الندّية،
ولا محاولة إصلاح من الداخل،
بل كانت—في جوهرها—اندماجًا صامتًا في خطابٍ وسلوكٍ وسياساتٍ صاغها الإسلاميون.
هكذا تحوّل الحزب،
الذي كان يومًا كابحًا للمشروع الإسلاموي،
إلى مظلةٍ تمنحه شرعية رمزية،
وديكورًا مدنيًا لسلطةٍ أيديولوجية.
ومع سقوط المؤتمر الوطني،
سقط الاتحادي معه؛
لا لأن السقوط قدَرٌ محتوم،
بل لأن الحزب ربط مصيره بمصير سلطةٍ فقدت شرعيتها،
بدل أن يحتمي بشرعية تاريخه وقواعده.
اليوم، لا يواجه الاتحادي الأصل أزمة تحالفٍ فقط،
بل أزمة معنى.
فإما أن يستعيد موقعه الطبيعي في صف الدولة المدنية،
ويعيد وصل ما انقطع مع قواعدٍ ما زالت تحفظ الذاكرة،
ذاكرة الدامر وما قبلها،
أو يواصل السباحة في السراب،
حيث لا مرفأ
إلا الذوبان الكامل
في مشروعٍ لطالما كان—ولا يزال—
… نقيضه التاريخي.
ولأن الاتحادي—برغم كل ما أصابه—ينتمي إلى تلك السلالة النادرة من القوى السياسية الراسخة، ذات الجذور العميقة والتاريخ المجيد، فهو حزب يمرض لكنه لا يموت. لم تكن هذه العبارة ترفًا لغويًا، ولا محاولة يائسة لبعث الأمل، بل توصيفًا دقيقًا لما يجري اليوم في أروقة الحزب، حيث يتحرك شيء ما، ببطءٍ حذر، لكنه عنيد، كأنه غريزة بقاء قديمة ترفض الاستسلام.
حراكٌ يتخذ أكثر من اتجاه.
أولهما: إعادة هيكلة داخلية، لا تُطرح بوصفها إصلاحًا شكليًا، بل كمحاولة جادة لاستعادة قيادة حقيقية، قيادة تؤمن—دون مواربة—بأن الموقع الطبيعي للحزب ليس في المنطقة الرمادية، ولا في حضن “الكيزان”، بل وسط الجماهير، ووسط بقية القوى المدنية التي لم تهادن الإسلاميين يومًا، ولم تساوم على معنى الدولة المدنية.
موقفٌ يسعى إلى لملمة الشّتات، وتوحيد التيارات، وإعادة الحزب إلى ذلك الوسط الذي عُرف به تاريخيًا: كرمانة المشهد السياسي، لا ذيله ولا ظله، تمهيدًا لإعادة تموضعه خارج الكتلة الديمقراطية المقعدة، التي لم تُنتج سوى مزيد من العجز وتدوير الأزمة.
بهذه الأسئلة، حملنا أوراقنا، وقصدنا مجموعة من قيادات الحزب.
لم نجد نفورًا من النقاش، ولا تهربًا من مواجهة الواقع، بل وجدنا تحفّظًا واعيًا على النشر. فالحزب—بحسب تقديراتهم—لا يحتمل مزيدًا من التراشق الإعلامي، ولا حفلات تجريم هذا وتبرئة ذاك. غير أن مجموعهم، وبرغم اختلاف الزوايا، توقف عند عبارة واحدة، تكررت بصيغ متقاربة، لكنها حملت الصدمة ذاتها والمعنى ذاته:
«الحزب مختطف».
عبارةٌ موحية، فتحت الذهن فورًا على سؤالٍ واحد، لا ثاني له:
من الذي اختطف الحزب؟
هل هو جعفر الميرغني، نجل زعيم الطائفة الختمية ورئيس الحزب؟
ذلك الرجل الذي قاد الحزب في أحلك الظروف بحنكةٍ ودراية، وجمع—في مرحلة دقيقة—بين رئاسة الحزب ورئاسة التجمع الوطني الديمقراطي، ذاك التنظيم الواسع الذي أقلق النظام الإسلاموي لسنين عددا، وانتهى إلى اتفاق القاهرة في 16 يونيو 2005م؟
الرجل الذي لم يعد إلى السودان إلا مُكرهًا، بمعية جثمان شقيقه أحمد الميرغني، في نوفمبر 2008م، أي بعد ثلاث سنوات كاملة من توقيع الاتفاق؛ عودةٌ فسّرها كثيرون وقتها بوصفها تعبيرًا صامتًا عن عدم رضاه عن مآلات النهاية، وعن تسويةٍ لم تشبه أحلامه ولا تاريخ حزبه.
استبعدنا جعفر الميرغني سريعًا.
ليس تبرئة، بل قراءة في الطباع والسلوك. فالرجل—بحسب العارفين بدهاليز الحزب—شخصية هادئة، لا تسعى إلى المواجهة أو المصادمة، ظل على تواصل مع جميع التيارات، ويتعامل معها باحترام وتقدير بالغين، حتى في أشد لحظات الخلاف. لم يكن يومًا ذلك الذي يُمسك بالخيوط ليخنق بها التنظيم.
إذًا… من المختطِف؟
جلسنا إلى قيادي بارز في الحزب، صاحب عبارات صريحة لا تعرف المواربة، في أحد مقاهي القاهرة. سألناه السؤال مباشرة، بلا مقدمات.
أرسل بصره بعيدًا، كأنما يبحث عن جملةٍ لا تُقال بسهولة.
تنهّد، تنهيدة قصيرة لكنها مثقلة، ثم قال:
«ابحث عن مجموعة علاء الدين… هي التي اختطفت الحزب».
وعلاء الدين— لمن لا يعرفونه — هو .
علاء الدين محمد عثمان، مستشار القائد العام للقوات المسلحة، الرجل الذي ظل يتحرك وسط الاتحاديين مستخدمًا نفوذه السلطوي، وعلاقاته الخارجية، وأيضًا المال، ليعيد تشكيل موازين القرار، لا عبر المؤسسات، بل من فوقها، ومن خلفها
وهنا، تكتمل الصورة القاتمة.
لم يكن الاختطاف انقلابًا صاخبًا، ولا استيلاءً فجًا، بل عملية بطيئة، ناعمة، تُدار بأدوات السلطة، وتُغلف بشعارات الحرص على الحزب، فيما يُفرَّغ من معناه، ويُعاد توجيهه بعيدًا عن تاريخه، وبعيدًا عن جماهيره.
هكذا، يصبح السؤال اليوم ليس فقط:
كيف أخطأ الاتحادي الأصل؟
بل: كيف يستعيد نفسه من قبضة الاختطاف؟
سؤالٌ مفتوح،
إجابته ليست في البيانات،
ولا في التسويات السهلة،
بل في معركة داخلية صامتة،
إما أن تعيد الحزب إلى مكانه الطبيعي كنقيضٍ تاريخي للمشروع الإسلاموي،
أو تتركه يغرق أكثر،
في بحرٍ من سراب ..
من الهاتف…
فتح الرجل هاتفه، لا بعجلة ولا بتردد، وكأنه يدرك أن اللحظة قد تجاوزت حسابات الصمت. بدأ في إرسال المستندات واحدًا تلو الآخر: مذكرات داخلية تحمل تواقيع معروفة، رسائل متبادلة بين قيادات في مستويات مختلفة، محاضر اجتماعات لم تُنشر، تقارير لجان تقييم، وتوصيات صيغت بلغة تنفيذية واضحة، لا تشبه أوراق النقاش ولا تحتمل التأويل.
لم تكن هذه الوثائق مجرد انعكاس لخلافات عابرة، بل كشفت بوضوح ما يعتمل داخل أروقة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل في هذه المرحلة المفصلية. أخطر ما ورد فيها لم يكن في التفاصيل الصغيرة، بل في الاتجاه العام: مسار متكامل في طريقه للنفاذ، لا مجرد أفكار معلّقة أو بالونات اختبار.
توصيات قاطعة بإبعاد جعفر الميرغني عن رئاسة الكتلة الديمقراطية، مع تسمية بديل له وفق معايير تنظيمية جديدة. تأكيد مكتوب وصريح على أن معتز الفحل لا يمثل الحزب، ولا يحق له التحدث باسمه أو التعبير عن مواقفه. تصور كامل لهيكل تنظيمي جديد يعيد تشكيل جميع أجهزة الحزب، من القمة حتى القواعد، وفق رؤية مختلفة جذريًا عمّا ساد في السنوات الماضية. وأخيرًا—وهو الأخطر سياسيًا—توصية واضحة بالخروج من الكتلة الديمقراطية، باعتبارها عبئًا سياسيًا أكثر من كونها مظلة تحالف.
حملنا تلك المستندات، ولم نحتفظ بها كسبق صحفي معزول. انتقلنا بها إلى عدد من القيادات التاريخية للحزب، شخصيات عاصرت صعوده، وانكساراته، وانقساماته. لم يكن رد فعلهم مترددًا. جميعهم، بلا استثناء، جزموا بصحة الوثائق، وأكدوا أن ما ورد فيها يعكس نقاشًا داخليًا عميقًا، بلغ مرحلة الحسم، ولم يعد قابلًا للتأجيل.
«إعادة الهيكلة»
من بين تلك المستندات، برزت ورقة محورية بعنوان: «إعادة الهيكلة التنظيمية للحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل». لم تكن الورقة بيان نوايا، ولا محاولة تجميلية، بل نصًا تأسيسيًا يُراد له أن يكون مرجعًا لإعادة بناء الحزب من الداخل.
لا يمكن التعامل مع إعلان إعادة الهيكلة التنظيمية للحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل باعتباره خطوة إجرائية عادية، أو تعديلًا داخليًا محدود الأثر. ما جرى يتجاوز منطق “إعادة الترتيب” إلى محاولة واعية لإعادة ضبط البوصلة في حزبٍ أنهكته سنوات التكلس، وتنازعته مراكز القرار، وتآكلت صورته العامة بفعل الارتهان الطويل لتحالفات أفقدته استقلاله التاريخي، وتركته معلقًا بين ما كانه يومًا وما صار إليه واقعًا.
أن تأتي هذه الهيكلة بقيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني يحمل دلالتين متلازمتين لا يمكن فصلهما. الأولى، حرص واضح على الإبقاء على المرجعية الرمزية والشرعية التاريخية التي ما تزال تمثل عامل تماسك أساسي داخل الحزب، وركيزة معنوية يصعب تجاوزها في تنظيم تشكلت ذاكرته السياسية حول الزعامة والرمز. الثانية، إقرار ضمني—وإن لم يُعلن صراحة—بأن هذه المرجعية، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لإدارة حزب معقد، متعدد التيارات، يعمل في بيئة سياسية شديدة السيولة، تتطلب مؤسسات فعالة، وآليات قرار واضحة، ومسؤوليات محددة.
هذا التناقض بين الحاجة إلى الرمز، والحاجة إلى المؤسسة، هو جوهر الوثيقة، ومفتاح فهمها.
كسر احتكار القمة
يبرز هذا التحول بوضوح في تركيبة نواب الرئيس. فاختيار عبد الله المحجوب الميرغني، وجعفر الصادق الميرغني، وميرغني سليمان، والبروفيسور بخاري الجعلي، لا يبدو محصلة توازنات شكلية، بل محاولة مقصودة لإعادة توزيع السلطة داخل قمة الهرم التنظيمي.
هذا التشكيل يجمع بين الامتداد الأسري، والخبرة التنظيمية، والحضور الأكاديمي، في رسالة سياسية داخلية مفادها أن القرار لم يعد حكرًا على دائرة ضيقة، ولا على مسار واحد، وإنما ثمرة لتعدد زوايا النظر داخل القيادة العليا. وهو، في الوقت نفسه، محاولة لتخفيف الاحتقان الذي غذّته سابقًا مركزية القرار وضبابية الصلاحيات، حيث ظلت السلطة تُمارَس دون توصيف واضح، ودون محاسبة حقيقية.
المنحى ذاته يتكرر عند مستوى مساعدي رئيس الحزب. تسمية طه علي البشير للشؤون السياسية، والأمير أحمد سعد عمر لشؤون السلام، وبابكر عبد الرحمن للتنظيم والانضباط التنظيمي، تعكس إدراكًا متقدمًا لأحد أعطاب الحزب التاريخية: غياب الفصل الواضح بين المهام، وتسييل المسؤولية إلى حد يجعل المحاسبة مستحيلة.
ربط الأشخاص بالملفات هنا ليس تفصيلًا إداريًا، بل خطوة سياسية وتنظيمية تهدف إلى كسر ثقافة “الكل مسؤول ولا أحد يُحاسب”، وإدخال منطق التقييم القائم على الإنجاز لا الولاء.
الاتساع المربك
عند الانتقال إلى هيئة القيادة، التي تضم نحو مئة عضو، تتبدى المفارقة الكلاسيكية بين الاتساع والفعالية. فمن جهة، هناك استيعاب متعمد لمختلف قطاعات الحزب وتياراته، في محاولة لاحتواء الغضب، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع. ومن جهة أخرى، يُطرح سؤال جوهري: هل تملك القيادة القدرة على إدارة جسم بهذا الحجم دون أن يتحول إلى عبء بيروقراطي أو منصة رمزية بلا تأثير؟
الاتساع، في هذه الحالة، ليس فضيلة في ذاته. بل أداة محفوفة بالمخاطر، لا تنجح إلا إذا اقترنت بوضوح المهام، وتحديد الصلاحيات، ومنع تكرار تجربة الأجسام الكبيرة التي وُجدت سابقًا على الورق، وغابت فعليًا عن التأثير.
في قلب هذه البنية، يأتي المجلس القيادي بوصفه حلقة الوصل بين الرمز والقرار. يرأسه محمد عثمان الميرغني، وينوب عنه عبد الله المحجوب الميرغني، ويضم النواب والمساعدين والمستشارين، إلى جانب شخصيات محورية مثل محمد بن السيد محمد عثمان الميرغني، وأمين الميرغني، والشريف عبد الله المحجوب، وأحمد الباز، فضلًا عن المراقب العام والناطق الرسمي.
هذه التركيبة تهدف إلى جمع التأثير الأسري والتنظيمي والإعلامي داخل غرفة قرار واحدة، وتقليص تعدد مراكز النفوذ غير المرئية التي أضعفت الحزب، وحوّلت خلافاته الداخلية إلى صراعات مفتوحة.
الغياب المثير
أما المجلس الاستشاري، بعضويته التي تقارب ثلاثين من الكفاءات والخبرات العلمية والمهنية والسياسية، فيمثل اعترافًا متأخرًا بحاجة الحزب إلى استدعاء العقل المؤجل في صناعة القرار. غير أن قيمته الحقيقية ستظل مرهونة بقدرته على تقديم رأي مستقل، وربما صادم، لا أن يتحول إلى واجهة معرفية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَّش عند الاختلاف
ويبقى المكتب التنفيذي، بتكوينه من واحد وثلاثين عضوًا، هو قلب الهيكلة ومحكها الحقيقي. هنا، فقط، يمكن اختبار ما إذا كانت الوثيقة ستتحول إلى ممارسة. قيادته، وتوزيع قطاعاته، وتنوع أعضائه، تعكس محاولة للجمع بين الاستمرارية والتجديد، وبين الخبرة والدماء الجديدة.
في المحصلة، تكشف هذه المستندات أن ما يجري داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل ليس مجرد إعادة ترتيب داخلية، بل صراع عميق على المعنى، وعلى الاتجاه، وعلى سؤال الوجود نفسه:
هل يعود الحزب إلى جذوره كقوة وسط مدنية مستقلة، أم يظل رهينة لتوازنات أفقدته صوته ومكانه؟ هذا التحقيق لا ينتهي هنا. ما بين الوثيقة والتنفيذ، مسافة ستحدد مصير حزب كامل، لا مجرد قيادة.
الغياب المثير:
لا تقل الأسماء الغائبة في هذه الهيكلة دلالةً عن الأسماء الحاضرة. فإعادة التشكيل، كما وردت، تُبعد عمليًا عددًا من القيادات التي ظلت—لسنوات—محل اتهام داخل الأوساط الاتحادية بأنها لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في تعميق الخلافات الداخلية، وإدامة حالة الاستقطاب، وتكريس تعدد مراكز القرار خارج الأطر المؤسسية.
ويبرز في هذا السياق غياب أسماء مثل حاتم السر و**معتز الفحل** وغيرهما من القيادات التي ارتبط حضورها—في الوعي الاتحادي العام—بمرحلة اتسمت بالارتباك السياسي، وتغليب التكتيك الإعلامي، والانخراط في مسارات تحالفية ملتبسة، كثيرًا ما وُظفت لإعادة إنتاج الخلاف بدل احتوائه.
هذا الغياب لا يمكن قراءته بوصفه صدفة تنظيمية، ولا مجرد تدوير أسماء، بل يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن القيادة الحالية تسعى—ولو تدريجيًا—إلى إغلاق فصلٍ كامل من إدارة الحزب عبر الوجوه الجدلية، والانتقال نحو صيغة أقل صخبًا وأكثر انضباطًا، تُقدَّم فيها المؤسسية على المبادرات الفردية، والعمل الجماعي على النجومية السياسية.
غير أن هذه الخطوة، برغم أهميتها الرمزية، تظل سلاحًا ذا حدين. فمن جهة، قد تسهم في تهدئة المناخ الداخلي، وتخفيف حدة الاستقطاب، وخلق مساحة لإعادة الثقة بين القواعد والقيادة. ومن جهة أخرى، فإنها تضع الهيكلة الجديدة أمام اختبار صعب:
هل الغياب يعني تغيير المنهج أم مجرد تغيير الأشخاص؟
فإذا لم تُستكمل هذه الرسالة بإجراءات واضحة للضبط والمساءلة، وتحديد الصلاحيات، ومنع إعادة إنتاج النفوذ عبر القنوات الخلفية، فإن خطر عودة الخلافات بأسماء جديدة سيظل قائمًا. أما إذا نجحت القيادة في تحويل هذا الإبعاد الضمني إلى قطيعة واعية مع أسلوب إدارة الصراع القديم، فإن الهيكلة يمكن أن تشكّل بالفعل نقطة انعطاف حقيقية في مسار الحزب.
وبهذا المعنى، لا تكون إعادة الهيكلة مجرد إعادة ترتيب للصفوف، بل إعلانًا غير مباشر عن نهاية مرحلة، وبداية محاولة جادة—وإن كانت متأخرة—لاستعادة الحزب من داخله، قبل أن يفقد ما تبقى من رصيده التاريخي.
تحديات مابعد الهيكلة
ويمضي القيادي الذي فضّل حجب اسمه في حديثه لـ«أفق جديد» أبعد من ذلك، كاشفًا طبقة أخرى من التعقيد داخل مشهد الهيكلة الجديدة. فبرأيه، لم تأتِ هذه الهيكلة نظيفة من العيوب، بل اعتورتها مشكلات جوهرية، في مقدمتها طريقة الاختيار نفسها. إذ تمّت—كما يقول—بالتعيين لا بالانتخاب، وهو العيب البنيوي الذي ظل ملازمًا للحزب منذ فترة طويلة، ورسّخ ثقافة القرار من أعلى، وأضعف الإحساس بالمشاركة والمساءلة داخل القواعد.
ويضيف أن الإشكال لا يتوقف عند آلية الاختيار، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع القيادات القديمة التي وُضع الحزب بسبب ممارساتها ومواقفها موضع شبهة سياسية وأخلاقية في مراحل سابقة. فهذه القيادات—بحسب إفادته—لم تخضع لأي مساءلة حقيقية، ولم تُفتح في مواجهتها ملفات تقييم أو محاسبة، وإنما جرى الاكتفاء بإبعادها شكليًا من بعض أجهزة وهياكل الحزب، دون إعلان واضح أو قرار منشور يضع حدًا نهائيًا لأدوارها.
الأخطر من ذلك، كما يشير القيادي، أن هذا الإبعاد نفسه ظل ملتبسًا وغير مكتمل. فبعض هؤلاء لا يزالون حتى اللحظة يتحدثون باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل في وسائل الإعلام والفضاء العام، رغم أنهم لم يعودوا يشغلون أي موقع تنظيمي داخله. ليس هذا فحسب، بل إنهم ما زالوا يحتفظون بذات المواقع التي يشغلونها داخل الكتلة الديمقراطية، وهي مواقع—كما يلفت—حصلوا عليها أصلًا بحكم مناصبهم السابقة داخل الحزب، لا بتمثيل جديد أو تفويض مستحدث.
هذا التداخل بين ما هو حزبي وما هو تحالفي، بين ما سقط تنظيميًا وما استمر سياسيًا، يطرح—في تقدير المصدر—سؤالًا مقلقًا حول جدية القطيعة مع المرحلة السابقة. فكيف يمكن الحديث عن إعادة تموضع، أو عن خروج من تحالفات مُربكة، بينما يظل الفاعلون أنفسهم حاضرين في المشهد، بذات الخطاب وبذات المواقع؟
ويخلص القيادي إلى أن العزيمة على اتخاذ مواقف حدّية وحاسمة في ما يتصل بخيارات الحزب الاستراتيجية لا تزال ضعيفة حتى الآن. فالإرادة السياسية—برأيه—لم ترتقِ بعد إلى مستوى النصوص المعلنة، ولا إلى حجم الأزمة التي يعيشها الحزب. ما جرى، في أحسن الأحوال، هو إدارة محسوبة للتناقض، لا حسمًا له؛ تأجيل للصدام، لا مواجهة معه.
بهذا المعنى، تصبح الهيكلة—كما يراها—خطوة إلى الأمام بنصف جسد، ونصف خطوة إلى الخلف في الوقت ذاته، وتبقى معلّقة بين رغبة معلنة في التغيير، وخشية عميقة من دفع كلفته كاملة.
تلويح بالانسحاب
يكشف مستند آخر ضمن ما تحصلنا عليه من مستندات حجم حالة التململ داخل الحزب، ويقول قيادي من ذوي الوزن الثقيل في الحزب تحدثنا اليه، ان المكتب التنفيذي في غالبه ضد الاستمرار في الكتلة الديمقراطية ويضيف في حديثه لـ” افق جديد” ان كل يوم يمر على الحزب، ىوهو في تحالفه الحالي مع مناوي وجبريل وغيرهم من المكونات الموجودة في الكتلة الديمقراطية يعد خصما عليه، حديث القيادي يتوافق تماما مع المستند آنف الذكر وهو تقرير حمل عنوان ” دراسة عن الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية.
تململُ الحزب لم يعد همسًا في الكواليس، ولا تذمّرًا معزولًا في أوساط القواعد، بل بلغ مستوىً دفع المكتب التنفيذي في اجتماعه الذي انعقد في أغسطس الماضي إلى خطوة غير معتادة في تقاليد العمل الاتحادي: تشكيل لجنة رسمية لتقييم تجربة الحزب داخل الكتلة الديمقراطية. خطوة تعكس، في حدّها الأدنى، اعترافًا بأن ما جرى داخل هذا التحالف لم يعد قابلًا للاحتواء بالمعالجات الجزئية أو التبريرات السياسية المؤقتة.
اللجنة، التي شُكّلت بقرار تنظيمي، جاءت بعضوية تعكس ثقلًا سياسيًا وتنظيميًا داخل الحزب. ترأسها هشام زين العابدين، وضمّت في عضويتها أحمد الطيب المكابرابي، وعثمان حلمي عباس، وعبد الوهاب موسى، إلى جانب حافظ سيد أحمد حاج أحمد عضوًا ومقررًا. تشكيلة لم تكن عابرة، بل مقصودة، جمعت بين الخبرة التنظيمية، الى جانب تمثيل غير معلن لمختلف التيارات داخل الحزب بالإضافة الى المعرفة بتفاصيل عمل الكتلة، والاطلاع المباشر على ما دار داخل لجانها وغرف قرارها..
منذ لحظة تشكيلها، لم تُكلَّف اللجنة بإعداد تقرير شكلي، بل طُلب منها—بحسب مصادر مطلعة—تقديم تقييم صريح وغير مجامل لتجربة الحزب داخل الكتلة الديمقراطية: أين أصاب؟ وأين أخطأ؟ وما الذي كسبه؟ وما الذي خسره؟ والأهم: هل ما زالت هذه التجربة تخدم موقع الحزب وتاريخه، أم باتت عبئًا سياسيًا وتنظيميًا؟
شرعت اللجنة في عملها عبر مراجعة الوثائق، ومحاضر الاجتماعات، ومسارات اتخاذ القرار داخل الكتلة، إلى جانب الاستماع لإفادات ممثلي الحزب الذين شاركوا في هياكلها المختلفة. ولم يتأخر ظهور الخلاصات الأولى، التي سرعان ما تبلورت في توصيات واضحة وحادة، عكست حجم الفجوة بين ما كان مأمولًا من التحالف، وما آل إليه فعليًا.
خلصت اللجنة، في تقييمها العام، إلى أن أزمة الكتلة الديمقراطية ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة بنية وإدارة قرار. فرغم الاتساع العددي للمكونات، ظلت آليات اتخاذ القرار محتكرة عمليًا داخل دائرة ضيقة، تمثلت أساسًا في اللجنة السياسية، التي تحولت—بحسب التقييم—إلى مركز سلطة فعلي، يتخذ قرارات مصيرية دون تفويض مؤسسي واضح، ودون الرجوع لبقية المكونات أو حتى لممثلي الحزب داخل الهياكل الرسمية.
وسجّلت اللجنة أن مؤسسات الكتلة، مثل المجلس الرئاسي واللجان المتخصصة، ظلت في كثير من الأحيان أجسامًا شكلية، جرى تجاوزها عبر اجتماعات غير معلنة، وبيانات وتصريحات لم تحظَ بتوافق داخلي. هذا الخلل البنيوي، بحسب التقرير، أضعف مبدأ الشراكة، وحوّل التحالف من منصة تنسيق إلى ساحة تنازع مكتوم.
وفي ما يخص موقع الحزبداخل الكتلة، أكدت التوصيات أن الحزب—رغم كونه العمود الفقري التنظيمي والسياسي للتحالف—تعرض لمحاولات تهميش ممنهجة، تمثلت في إقصاء ممثليه من بعض مسارات القرار، أو تحييد أدوارهم داخل اللجان، بدعم مباشر أو غير مباشر من مراكز نفوذ داخل اللجنة السياسية. كما رصدت اللجنة غياب آليات واضحة للمحاسبة والمراجعة، ما أدى إلى تراكم الأخطاء دون تصحيح، وإلى تآكل الثقة بين المكونات.
محاولة انقلابية
وتوقفت اللجنة مطولًا عند محطات مفصلية، مثل لقاء القاهرة في مطلع 2023، وميثاق السودان في مايو 2024، معتبرة أن إفشال هذين المسارين لم يكن نتاج ضعف موضوعي، بل نتيجة رفض داخلي منظّم لأي مشروع وحدوي واسع لا يخضع لهيمنة مجموعة بعينها داخل الكتلة. وهو نمط—بحسب التقرير—تكرر بصورة لافتة، وكشف عن أزمة عميقة في قبول الشراكة والتعدد.
أما أخطر ما ورد في التوصيات، فكان ما يتعلق بمؤتمر مايو 2024، الذي رأت اللجنة أنه شكّل محاولة واضحة لإعادة هيكلة الكتلة وعزل رئيسها عبر مسار إعدادي لم يُشرك فيه ممثلو الحزب. ورغم فشل المحاولة، اعتبرت اللجنة أن مجرد حدوثها يعكس انهيار قواعد الثقة، ويفتح الباب للتشكيك في جدوى الاستمرار داخل تحالف تُدار شؤونه بهذه الطريقة.
بناءً على ذلك، طرحت اللجنة مسارين لا ثالث لهما. الأول، إصلاح جذري يبدأ بإقرار ميثاق مؤسسي ملزم، وإعادة صياغة البرنامج السياسي، وضبط آليات اتخاذ القرار، وضمان الشفافية والمساءلة. أما المسار الثاني—وفي حال تعذّر الأول—فهو الانسحاب المنظم من الكتلة الديمقراطية، عبر بيان سياسي واضح يشرح الأسباب، ويحفظ كرامة الحزب، ويخاطب قواعده والرأي العام بصدق.
بهذه الخلاصات، لم تعد مسألة البقاء أو الخروج مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحوّلت إلى سؤال استراتيجي يمس هوية الحزب وموقعه في معادلة الانتقال. سؤال بات مطروحًا على طاولة القيادة، مدعومًا بتقرير لا يكتفي بالتشخيص، بل يضع الأصبع مباشرة على موضع الخلل، ويطالب بقرار لا يحتمل المزيد من التأجيل.





